سماحة المرجع الشيرازي:لا يرفع الظلامة عن العراق المظلوم إلاّ العراقيون أنفسهم

 

 

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله جمع من شيوخ ووجهاء العشائر وأعضاء (موكب خدّام آل محمد صلّى الله عليه وآله) من مدينة النجف الأشرف، على مشرّفها صلوات الله وسلامه، وذلك في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الاثنين الموافق للتاسع من شهر جمادى الأولى 1430 للهجرة، فأفاض سماحته عليهم بإرشاداته القيّمة التي استهلّها بالحديث النبوي الشريف: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته»(1)، وقال: إنّ الأب في العائلة هو راع ومسؤول عن زوجته وأولاده، والزوجة راعية ومسؤولة عن زوجها وأولادها، والابن راع ومسؤول عن والديه وإخوته، والبنت راعية ومسؤولية عن والديها وإخوتها. وفي المدرسة والجامعة فإن المدير والعميد راع ومسؤول والمعلّم والأستاذ وحتى الخادم أو الفراش. والأمر نفسه يجري بين الأقارب والعشيرة، وفي القرية والمدينة، وهكذا في كافة الأصعدة والمجالات. وقد تكون مسؤولية الخادم في المدرسة أكبر من مسؤولية المدير أو الأستاذ لأنه قد يكون يفهم أكثر أويستطيع العمل أكثر.

يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «المرء بأصغريه بقلبه ولسانه»(2).

وقال سماحته: لقد تحمّل العراق المظلوم وشعبه المظلوم والأبي خلال تاريخه الطويل والمرير وخصوصاً في الآونة الأخيرة وبالتحديد في العقود الثلاثة الماضية، تحمّل مظالم كثيرة ومشاكل كثيرة، وعانى من أزمات كثيرة، فمن المسؤول عن رفع هذه المظالم والمشاكل والمعاناة والمحن؟

وأشار سماحته إلى ضرورة الاهتمام بالشباب وقال: قرأت في إحدى الإحصائيات الغربية عن العراق قبل سقوط الطاغية بأشهر بأن عدد الشباب الشيعة في العراق أكثر من تسعة ملايين، فمن يلملم هذا الكم الهائل من الشباب سوى الشباب العراقي نفسه والعراقيون أنفسهم إن كل العراقين مسؤولون عن ذلك، كل في مجاله وحسب ما آتاه الله من الفهم وما آتاه من الطاقات. فالكل مسؤولون أمام الله تعالى وأمام رسول الله صلى الله عليه وآله وأمام أهل البيت صلوات الله عليهم، وأمام مولانا الإمام بقية الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وأمام التاريخ وأوضح سماحته: في هذا الوقت الحسّاس بالنسبة للعراق، يجدر بأصحاب النفوذ والعلماء وشيوخ العشائر وكبار السنّ والشباب والموظّفين والتجّار والكسبة وجميع العراقيين أن يهتمّوا بأمرين:

الأول: أن يجعل كل واحد من نفسه أسوة، وذلك بأن يتعلّم فكر أهل البيت، أي يتعلّم ما يريده القرآن الكريم من الإنسان ويتعلّم ما يريده رسول الله صلى الله عليه وآله وما يريده المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم.

على سبيل المثال: عندما يزور أحدكم الإمام الحسين سلام الله عليه فليحاول أن يفهم ماذا يريد منه الإمام. أي عليه أن يرى الإمام بعقله ويسمعه بأفكاره وبروحه. فإن كنّا نرى الإمام بأعيننا ونسمعه بآذاننا فماذا سيقول لنا صلوات الله عليه إلاّ هذه الوصيّة: «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً»(3). فكل واحد عليه أن يطبّق على نفسه ما قاله القرآن وما قاله رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم، في مجال العبادات وفي مجال الأعمال.

الثاني: ليحاول كل واحد وفي مجاله وبمقدار طاقاته في لملمة هذا الشعب وملء الفراغات الكبيرة والكثيرة الموجودة فعلاً في العراق، وذلك بتأسيس هيئات أو لجان من الرجال والنساء، من ثلاثة أشخاص فما فوق، أخذاً من الريف إلى القرية والمدينة، وعلى شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعائلية والعشائرية والحوزية، وللشباب، تأخذ هذه اللجان على عاتقها حلّ المشاكل الموجودة في منطقتهم، ورفع الحاجات، وتقديم الخدمات قدر ما تستطيع، كتشغيل العاطلين، وتزويج العزّاب، وحلّ الخصومات، ومساعدة المرضى في العلاج، وتسديد ديون العاجزين عن تسديد ديونهم، وغير ذلك، حتى يتم إن شاء الله تعالى انتشال شعب العراق المظلوم من الظلامة الكبيرة والمتواصلة عليه، ويهتدي الكثير، ويكون كل فرد من أفراد هذا الشعب نموذجاً لما يريده الله عزّ وجلّ وما يريده رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين وفي سياق حديثه قال سماحته: في هذا العصر وهذا الزمان الذي باتت فيه وسائل النقل متوفرة وكثيرة، وفي هذا الوقت وعندما يستتب الأمن في العراق إن شاء الله وهو قريب بإذن الله تعالى، وغداً ومابعده سيتوجه إلى العراق من العالم كله ومن كل المذاهب والأديان الملايين من الناس بل عشرات ومئات الملايين، باعتبار أن العراق مثوى الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين والكاظمين والعسكريين صلوات الله عليهم، وباعتباره محل مزار مولانا الإمام بقية الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وباعتباره مثوى أبي الفضل العباس ومسلم بن عقيل والسيد محمد عليهم السلام. فبماذا تعود هذه الملايين؟ هل تعود بأنها أدّت الزيارة فقط؟ والزيارة ليست هي كل الهدف بل هي بعضه ومقدّمة وطريق للهدف الأكبر والأهمّ، وهو الاستفادة من نور أهل البيت صلوات الله عليهم.إن مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه في إحدى زياراته للإمام الحسين صلوات الله عليه يخاطب الله تعالى ويشير إلى جدّه الإمام الحسين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الضلالة والجهالة والعمى والشكّ والارتياب»(4). فالكفّار وعبّاد الأوثان كلهم في ضلال، فمن يكون السبب والوسيلة لتنفيذ هذا الكلام من الإمام الصادق سلام الله عليه تجاه أبناء بلده وتجاه غيرهم؟ إن كل فرد من أفراد الشعب العراقي تقع عليه هذه المسؤولية، كل على قدر فهمه وطاقاته، وعلى قدر ما آتاه الله من الذكاء والفهم، وما له من قوّة بيان باللسان والقلم وبحضوره وتشجيعه وخاطب سماحته الحاضرين بقوله: عند رجوعكم من الزيارة موفورين وغانمين إن شاء الله، قوموا بأداء مسؤوليتكم، وابدأُوا من المكان الذي تعيشون فيه، في ريف كنتم أو قرية أو مدينة، ومن مكان عملكم في مدرسة كنتم أو جامعة أو حوزة أو سوق وغير ذلك.إن كل إنسان له طاقات ضخمة يستطيع أن يقوم بواسطتها بأعمال كبيرة وكثيرة وعظيمة، حتى الحمّال، بشرط أن يعزم على أن يستفيد من طاقاته لقد رأيت أنا شخصياً في إحدى المدن الإسلامية حسينية هي من كبريات الحسينيات، فذكر لي بعض أهل تلك المدينة أن هذه الحسينية قام ببنائها حمّال من ماله الشخصي. فقد كان ذلك الرجل يقسّم ما يحصّله من المال إلى نصفين، نصف له ونصف للإمام الحسين سلام الله عليه، فاشترى بما خصّصه للإمام أرضاً للحسينية في مكان كان يعدّ نائياً عن المدينة، وبعدها قام ببنائها، والآن فإن الحسينية المذكورة هي في وسط المدينة.

وختم دام ظله إرشاداته القيمة مؤكّداً: إن مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها تصف يوم القيامة في خطبتها فتبيّن أن المسؤول الأكبر في ذلك اليوم هو مولانا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وذلك بقولها سلام الله عليها: «والزعيم محمّد»(5).

إنّ كل واحد منّا سيمثل يوم القيامة أمام رسول صلى الله عليه وآله، فبماذا نواجهه صلى الله عليه وآله؟ وإذا سألنا عمّا قدّمناه فما يكون جوابنا؟ إذن على الجميع أن يفكّروا في هذا الأمر دائماً ويهتموا به بأن يقوموا بأداء مسؤولياتهم .أسأل الله تعالى أن يوفّق المؤمنين في كل مكان وخاصّة في العراق وبالأخصّ في الوقت الحالي ليؤدّوا مسؤوليتهم تجاه العراق وتجاه العالم، بجاه محمّد وآله الأطهار.

المصدر : s-alshirazi.com

............................................

المراجع :

1) جامع الأخبار/ الفصل الخامس والسبعون في العدل .../ ص 119

2) غرر الحكم/ أهمية القلب/ ص66/ ح881

3) وسائل الشيعة/ ج21/ باب1 وجوب عشرة الناس حتى العامّة بـ.../ ص 8/ ح15502

4) الكامل في الزيارات/ زيارة أخرى/ ص228

5) الاحتجاج/ ج1/ احتجاج فاطمة الزهراء سلام الله عليها على القوم .../ ص102