السيد المرجع : سعادة الدنيا والآخرة في العمل بالقرآن الكريم

 

 

بمناسبة ذكرى استشهاد وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مولانا الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، قام بزيارة المرجع الديني سماحة اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) جمع من تجّار وكسبة سوق العاصمة الإيرانية طهران، وذلك في بيته بمدينة قم المقدسة يوم الاثنين الموافق للحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك 1429 للهجرة، فألقى سماحته فيهم كلمة تطرّق فيها إلى بيان أهمية وضرورة وثمرات العمل بالقرآن الكريم، إليكم نصّها الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم

أعزّيكم بذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وأسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع الطاعات والعبادات والخدمات، وأن يرضى مولانا الإمام المهدي (صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف) عنّا وأن يرعانا برعايته، وأن تشفع كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة (عليها السلام) لقضاء جميع الحوائج لقد رحل الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وفارق الحياة الدنيا في أواسط ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك, وهيّأ الحسنان (سلام الله عليهما) حوالي عشرة نعوش وضعا أحدها على البعير وأرسلاه إلى المدينة، والآخر إلى الحيرة، وآخر إلى قرب مسجد السهلة، وآخر خلف مسجد الكوفة خارج المسجد عند القبلة ليدفن إزاء محراب الإمام (عليه السلام). وقبيل السحر قام الحسنان (عليهما السلام) برفع مؤخّرة التابوت الذي كان فيه الإمام (عليه السلام) فارتفعت مقدّمة التابوت أيضاً، فقد روي أن الإمام (عليه السلام) كان قد أخبرهما أن جبرئيل وميكائيل سيحملان التابوت من أمام. وجيء بالتابوت إلى حيث مرقد الإمام (عليه السلام) وكان يسمى نجف الكوفة. فالنجف يعني الأرض المرتفعة، إذ كانت هناك هضبة دفن عندها جثمان الإمام (عليه السلام) وبقي أكثر من ستين سنة لا يزوره إلا الأنبياء والملائكة، وربّما الأئمّة (عليهم السلام) بطيّ الأرض وقد أخفى الحسنان (عليهما السلام) قبر الإمام (سلام الله عليه)، كي لا يتعرّض لاعتداء بني أميّة الذين كانوا يضمرون العداء للإمام (عليه السلام)، ولم يكن مقدّراً أن يحافظ عليه عن طريق الإعجاز، فإنّ اشاءة الله تعالى لا تتعلّق بالمعجزة دائماً، إذ لو كان كلّ شيء يريده الله يتحقق بالإعجاز لانتفى الامتحان وهكذا بقي قبر الإمام (عليه السلام) طيلة هذه المدّة مخفيّاً لا يعلم به سوى الأئمة (عليهم السلام) وربما بعض الخواص، طيلة هذه المدّة ، لم يكشف عنه لغير المعصوم حتى أبعد المنصور الدوانيقي، الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الحيرة، وكان في مسيره مع صفوان فأخبره بموضع قبر الإمام (عليه السلام) وكان الإمام (عليه السلام) قد خطب بعد جرحه وقبيل استشهاده أي في الليلة التي قضى فيها خطبة، قال في مطلعها إنه يوجّه خطابه هذا إلى كلّ من بلغه، فنحن أيضاً مخاطبون به وهكذا الأجيال التي تلينا وفي كل الأعصار والأمصار لقد وجّه الإمام (عليه السلام) خطابه هذا في وقت كان رأسه المبارك قد فُلق بذلك السيف المسموم وكانت الضربة الغادرة قد بلغت الدماغ ونزف دماً كثيراً حتى أن الأصبغ بن نباته عندما رآه وكان رأسه المبارك مشدوداً بعصابة صفراء قال: لم أدر أيهما أشد اصفراراً، العصابة أم وجهه؟ ولكن الإمام (عليه السلام) وهو في تلك الحالة خطب هذه الخطبة التي وجّهها بصورة صريحة إلى كل الأجيال، وإن كانت كلماته (عليه السلام) كلّها عالمية، وهكذا كلمات سائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ولكن الإمام في هذه الخطبة أعلن وصرّح بذلك.

قال الإمام (عليه السلام) في هذه الخطبة: «الله الله في القرآن»(1) أي تمسكوا به، والتزموا بما فيه، ولا تغفلوا عنه، ولا تفرطوا به، واعملوا به وخذوا منه منهاجكم في الحياة كلها وفي جميع الأبعاد. وعقّب الإمام (عليه السلام) على هذه الجملة بعبارة فريدة حيث قال: «لا يسبقكم بالعمل به غيركم». أي حذار أن تتخلفوا في هذا المجال فيسبقكم الآخرون ويتقدموا عليكم. فإنّ المقصود بقوله «غيرهم» غير المسلمين بالطبع، أي عبدة الأوثان، وعبدة الشمس والبحر، ومن يزعمون أنهم من أتباع النبيّ موسى أو أتباع النبي عيسى (عليهما السلام)، أو الذين لا عقيدة لهم من الملاحدة. فحذار أن يعمل أولئك بآية من القرآن قبل أن تعملوا بها فيسبقوكم، فيسعدوا ويتقدّموا، وتبقوا أنتم على ما أنتم عليه متخلّفين في الحياة، وتكون في بلادهم الحريات ولا يلجأ منها حتى شخص واحد إلى بلادكم، ولا يجد حاجة لأن يهرب من بلده، وتكون بلادكم مصدّرة للاجئين. وما ذاك إلا لعملهم ـ وهم غير مسلمين ـ بمضامين آيات القرآن الكريم وتخلفكم ـ وأنتم مسلمون ـ عن العمل بها.

فجلّ اللاجئين في دول العالم ـ مع الأسف ـ من البلدان الإسلامية فعليكم وبالأخصّ أنتم الشباب من أتباع الإمام علي (عليه السلام) أن تصغوا بقلوبكم لما يقوله لكم الإمام (عليه السلام)، لتعملوا على تغيير وضعكم، وتصبحوا أنتم السبّاقين في مضمار الحياة بسبقكم بالعمل بالقرآن الكريم لقد كان الإمام (عليه السلام) وهو يوجّه خطابه يومذاك، أي قبل زهاء أربعة عشر قرناً، ينظر إلى المستقبل، إلى واقعنا هذا، وحياتنا هذه، فيحذّرنا وينبّهنا إلى أنّ ترك العمل بالقرآن يعني التخلف عن ركب الحياة في جميع المجالات. فمثلاً يعمل غيرنا ـ إلى حدّ ما ـ بمضمون آية في المجال الاقتصادي، ولا نعمل نحن، فيتقدمون علينا، ثم نركض خلفهم، لنأخذ منهم أو نقتفي أثرهم، وعندنا القرآن لا نعمل به وفيه كلّ أسباب التقدم والسعادة.

إنّ الواقع مؤلم حقّاً، فلنكن يقظين أكثر، فإنّ المشكلات التي يعاني منها المسلمون متزايدة، فهي اليوم أكثر منها قبل عقد، وفي هذا القرن أكثر منها مما في القرن السابق، وهكذا. فلماذا نرى الآخرين الذين لا يعتقدون بالقرآن ولايسمّون أنفسهم مسلمين، يعملون بمضامين القرآن ويبلغون السعادة بنسبة العمل بتلك المضامين، ولا نعمل بها نحن الذين نسمّي أنفسنا مسلمين؟!

إنّ المعاني والمضامين التي يحملها القرآن الكريم هي التي تمنح السعادة. فمع أن الآخرين لا يعتقدون بالقرآن وليس الباعث على عملهم بتلك المضامين لكونها قرآنية، ورغم كل السيئات الموجودة عندهم، يستفيدون من عملهم إذا كان منطبقاً مع مضمون قرآني وتنعكس آثاره الإيجابية على حياتهم، بنفس نسبة عملهم وانطباقه مع المضمون القرآني. لا بأس في هذه المناسبة أن أذكر في هذا المجال مثالاً من مئات الأمثلة. لقد حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) زهاء خمس سنوات حكومة لا أقول قلّ نظيرها بل انعدم نظيرها من حيث المشكلات الخارجية والداخلية ولكن رغم قصر المدة التي حكم فيها الامام وكلّ تلك المشكلات، فإنّ ما تلألأت فيها من مئات النقاط المضيئة من أقوال الإمام (عليه السلام) وأفعاله خلال هذه المدّة جعلتها مميّزة عبر التاريخ من كل جهة وهذا الموضوع يمكن أن يكون مفتاحاً لكتابة مئات الكتب سواء تلك النقاط المضيئة التي قل نظيرها أو انعدم نظيرها في التاريخ.

المثال الذي أودّ ذكره يتعلقّ بالجانب الاقتصادي. والاقتصاد مسألة مهمة كانت ومازالت. فبالمال تدعم مشاريع الخير وبالمال تستعين قوى الشر لنشر الرذيلة. ويوم نفد مال خديجة (عليها السلام) اضطرّ النبي (صلى الله عليه وآله) للجوء شعب أبي طالب (عليه السلام) وإن لم يتوقّف دعم الله له على كل حال وواصل جهاده المبارك واستمرت رسالته الشريفة.

لقد كان للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) والي على مصرـ وكانت أكبر من هذا اليوم ـ فكتب له الإمام عهداً، وهذا العهد مشهور، جاء فيه سطران عن التجارة، قبل أن أبينها أذكر لكم قضية.

في الحرب العالمية الثانية كانت اليابان من الدول التي أصابها الدمار كثيراً ودمّر اقصادها، وكانت هناك دولة أخرى ـ من الدول الاسلامية ـ دمّرت أيضاً ودمّر اقتصادها. أي كانت هناك دولتان تضررتا أكثر من سائر الدول، إحداهما اليابان، والأخرى دولة إسلامية لا أريد أن أذكر اسمها الآن، واليابان كان دمارها أكثر. وبعد انتهاء الحرب بدأ اليابانيون ببناء بلدهم، وكان أحد الأعمال التي قاموا بها أنّهم عملوا بهذين السطرين اللذين جاءا في عهد الإمام عليه (عليه السلام) إلى واليه حين ولاّه مصر. طبعاً هم لم يقولوا إننا طبّقنا مقولة الإمام علي (عليه السلام)، ولكن المهم أنهم عملوا بمضمون ذينك السطرين من كلام الإمام (عليه السلام) وربما كان بعضهم اطلع على العهد وعملوا بما جاء به ـ في ذلك الخصوص ـ ولكنهم لم يشأوا أن يظهروا ذلك، وحبذا لو سعى الباحثون الشباب لاكتشاف هذا الأمر. هذان السطران يتعلّقان بالاستيراد والتصدير، وقد كتبوا أنّ اليابان إثر خطّتها في الاستيراد والتصدير تطوّرت إلى درجة بحيث تفوّقت حتى في داخل أمريكا نفسها على الاقتصاد الأمريكي خلال العقود الأخيرة، وربما قرأ بعضكم ذلك. ولقد اضطرت أمريكا إثر ذلك إلى تشريع قانون يحفظ اعتبارها وذلك بتحديد البضائع اليابانية خلافاً للقانون العام الأمريكي، الذي لا يوجد فيه هذا التحديد إزاء أية دولة. فما الذي عملته اليابان بحيث حققت هذا الطفرة واستطاعت أن تتفوق في اقتصادها على أمريكا في داخل أمريكا نفسها، رغم الإمكانات المادية الهائلة لأمريكا وسيطرتها السياسية على العالم؟ لقد قامت بتطبيق سطرين مما جاء في عهد الإمام، فما الذي كتبه الإمام؟ لقد طلب الإمام (عليه السلام) منه أن يدع شأن الاستيراد والتصدير للتجار لا تتدخل فيه الدولة، بل يكون حرّاً ولا تقوم الدولة فيه إلا بدور الإشراف، قال (عليه السلام): «ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً... فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته وتفقّد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك»(2). وقد بيّن الإمام (عليه السلام) السبب أيضاً، فقال: «فإنهم ـ أي التجار ـ موادّ المنافع وأسباب المرافق، وجلاّبها من المباعد والمطارح في برّك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها». أي أنّ التاجر بطبعه يبحث عن الربح، ولغرض تأمين الربح تراه يجدّ من أجل توفير احتياجات الناس فلو تركناه حرّاً فإنه سيوفّر احتياجات الشعب، فيأتي لك في الصيف ما يحتاج الناس في الشتاء ويهيئ في الشتاء ما يحتاجونه في الصيف. هذا مضافاً إلى ما تحققه الحركه التجارية من تشغيل أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل، واستثمار كلّ الأموال مهما صغرت. فلا داعي لأن تشارك الدولة التجار في الأرباح أو تأخذ نسبة منهم بل عليها الرقابة لئلا يحصل التعدي على الحدود أو على حقوق الله أو حقوق العباد، سواء المستهلك أو التجار فيما بينهم،وتكتفي الدولة الإسلامية باستيفاء الحقوق الشرعية من الأخماس والزكوات، ومن لا يدفع فحسابه مع الله تعالى. وهذا ما عملته اليابان آنذاك، فتركت التصدير والاستيراد للتجار، وهذه الحرية في التجارة هي التي جعلت اليابان يحقّق كل ذلك التقدم الاقتصادي مع أن إمكاناته لا تصل إلى مستوى إمكانات أمريكا.

لقد حذرنا الإمام أمير المؤمنين أن يسبقنا غيرنا في العمل بالقرآن، كما سبقنا اليابانيون إذ عملوا بهذه الفقرة من كلام الإمام (عليه السلام) وهي بلا شك منطلقة من القرآن الكريم. فعلى الشباب المؤمن اليوم أن يجدّ ويجتهد لئلا يتقدم غير المسلمين على المسلمين، ـ طبعاً ـ ليس عن طريق العنف والصراع والحرب والمواجهة، وإنما عن طريق الوعي والمعرفة والعمل. ينبغي للشباب أن يتنوّروا بهذه الحقائق ويعرفوا قدر القرآن ويعرفوها للعالم. فهذا الموضوع وحده يصلح مادة لفيلم عظيم ربما أسلم على أثره كثير من مسيحي العالم ومشركيه، لأن الناس بطبعهم يبحثون عن حياة أفضل، والقرآن إنما يضمن لهم هذا، لأنه جاء لسعادة الدنيا والآخرة. فالإمامة كما قرأنا في كتبنا رئاسة عامّه في الدنيا والدين. فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن اماماً للدين فقط بل هو إمام للدين والدنيا معاً، والقرآن الكريم ليس للآخرة وحدها بل هو للدنيا أيضاً. فعلى شباب المسلمين أن يعوا هذه الحقيقة، كما على شباب العالم في كل مكان مسلمين وغير مسلمين أن يدركوا أنهم إذا أرادوا حياة سعيدة لأنفسهم ولشعوبهم في كل المجالات الفردية والاجتماعية فعليهم أن يتعلموا من الإمام علي (عليه السلام) العمل بالقرآن وأن لايسبقهم بالعمل به غيرهم. فكل كلمة في القرآن وكل آية وكل جملة تمنح السعادة في الدنيا والآخرة، بشرط أن يفهمه الإنسان ويعمل به. فلم يقل الإمام: لا يسبقكم به، وإنما قال: لا يسبقكم بالعمل به.

لقد قرأتم في أدعية ليالي شهر رمضان المبارك: «أن تجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري»، أي : اجعلني اللهم من الناصرين لدينك ولا أتعب أو أفشل فتستبدل بي غيري. وفي تعقيبات صلاة الصبح كلّ يوم أيضاً: أن يقول مئة مرة: «واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري». ومن نصرة الدين دعوة الآخرين إليه وترغيبهم فيه بالقول والعمل، والمشاركة في مجالس ذكر أهل البيت (عليهم السلام) وبيان المطالب الحقّة للناس، حتى يقلّ ما نشهده اليوم من اضطراب متزايد في المجتمع.

انظروا إلى مجتمعاتنا الإسلامية التي من المفترض أنّ دستورها القرآن الكريم كيف هو سلوكها في شهر رمضان المبارك وغيره من الشهور، هل ينسجم مع تعاليم القرآن الكريم؟! إن الأوضاع في بعض مجمعاتنا ودولنا أسوأ حتى مما هو في ديار الكفر والبلدان غير الإسلامية. لقد ذكر في الإعلام أن عدد الفتيات المنتحرات في مدينة صغيرة من مدن إحدى الدول الإسلامية في سنة واحدة عشرون فتاة!! فأيّ وضع مزرٍ هذا؟ أيليق هذا بمدينة إسلامية؟ يحدث اليوم مثل هذا (أي يبلغ عدد الفتيات المنتحرات خلال عام عشرين فتاة) بينما لم نسمع أن فتىً أو فتاة أو أي إنسان انتحر في زمن حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي كانت تغطّي قرابة خمسين دولة من دول العالم في الخريطة اليوم. لِم يقدم الشاب على الانتحار؟ إلاّ لابتعاده عن تعاليم القرآن. وذكروا أيضاً أنّ معدلات الطلاق في إحدى الدول الإسلامية بلغت 60%. هل حدث مثل هذا قبل اليوم منذ الزمان السابق حتى العصور المتأخرة؟ ألا ينبغي والحال هذه أن نهرع لنصرة الدين؟ ألسنا جميعاً مسؤولين وإن اختلف حجم المسؤولية؟ وما هي نتيجة الطلاق؟ أقلّ ما يمكن أن يحصل للفتاة المطلقة والفتى المطلّق أن يصاب بتوتر الأعصاب ويكون وبالاً على المجتمع. وذكرت الصحف أيضاً: أن أكثر من 25% من شباب تلك الدولة الإسلامية عاطلون عن العمل. فعلى من تقع مسؤولية الوقوف بوجه هذه الظواهر الخطيرة؟ ولا يتطلب الأمر السلاح بل يتطلب معرفة القرآن الكريم والعمل به وتطبيقه. فلنصمم ونحن في الأيام الأخيرة من هذا الشهر الكريم ولنسعَ أن نكون ضمن «من تنتصر به لدينك».

الدين يعني سعادة الدنيا والآخرة، ولا شك أن ما يحصل بعيد عن الدين، فإن المرأة التي تصبح مطلقة يحيط بها عشرات الأشخاص من الأقرباء والمعارف، كلّهم سيحزنون على حالتها، وينعكس على سلوكهم وأعمالهم. ولنسع لحلّ مشكلات الشباب سواء بالعون المادي أو المعنوي ولنضاعف مما نقدمه لهم.

وأنت أيها الشاب العزيز يمكنك أن تقوم بالكثير فاشرع بالعمل فإن العمل ليس حكراً على العلماء ولا على أصحاب الأموال ولا يتحدد بصورة واحدة. وما نشهده مع الأسف من تنامٍ للإباحية في المعتقدات في الدول الاسلامية تقع مسؤولية مواجهته على عاتق الشباب المؤمن أيضاً، فبإمكانهم أن يعملوا شيئاً وأن يتصدّوا له بعض الشيء، فعليهم أن يتعلّموا عقائد الاسلام وأحكامه أكثر ليمكنهم أن يعرّفوا الآخرين بها أيضاً، ويخلقوا تياراً واعياً وملتزماً حتى تتغير الأوضاع ويعود السبق للمسلمين إن شاء الله تعالى. فليس مقدّراً أن تبقى فئة هي المسيطرة تفعل ما تشاء وعلى الآخرين الانصياع والتبعية لها، فإذا قصّر الذين يجب عليهم العمل بالقرآن الكريم فالنتجية معلومة.

في عالم اليوم ورغم كلّ هذا التطور العلمي والتكنولوجي الهائل، وكل هذه الطائرات الحديثة والسفن العملاقة والسيارات والوسائل المختلفة والذهب والنفط والمعادن والموادّ الأغلى حتى من الذهب، الموجودة في الأرض، كم ألفاً من البشر يموتون جوعاً كلّ يوم؟! فلماذا هذه الأوضاع؟ إلا بسبب الابتعاد عن القرآن الكريم سواء من الذين لا يعتقدون به أو الذين يزعمون الإيمان به. فهلموا لكي نعمل بالقرآن نحن الذين ننتسب إليه، ولندعُ العالم أيضاً للإيمان به والعمل بمضامينه لنزيل هذا الركام من المشاكل والمصائب.

هل قرأتم أن شخصاً واحداً مات بسبب الجوع في زمن حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ هذا مع كثرة أعداء الإمام (عليه السلام) الذين كانوا يبحثون عن أصغر نقطة ضعف على الإمام (عليه السلام) ليضخّموها وليطبّلوا لها، ولكنا مع هذا لم نسمع ولم نقرأ شيئاً من هذا القبيل يحدث في حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم نسمع أية منقصة فيه، حتى أنّ اعداءه حين عجزوا عن إيجاد منقصة فيه ذكروا مناقبة كمثالب، فرأوا مثلاً أنّه لا يصلح للخلافة لأنه ليس عبوساً ولا فظّاً غليظ القلب، وقال قائلهم: لولا دعابة فيه!

فلو كان شخص واحد قد مات من الجوع في حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لدوّخوا الدنيا بها، ولكنهم حيث لم يجدوا سكتوا. أجل مات شخص من الجوع ولكن في ظل حكومة عثمان لا حكومة الإمام (عليه السلام). فاسعوا أن تكونوا ممن ينتصر الله به لدينه، وكذلك على أن تظلوا مستقيمين عليه، لا أن تصل النوبة إلى الاستبدال، إذ ما أكثر الذين استبدلهم الله تعالى بغيرهم لأنهم لم يكونوا لائقين.

كان عبيد الله بن الحر الجعفي من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وله نسخة من أمير المؤمنين، أي كتاب روى فيه ما سمعه من الإمام (عليه السلام)، ورواها الرواة بعد ذلك، وكان زهير بن القين عثمانياً أي ناصبياً منحرفاً عن أهل البيت (عليهم السلام).

لقد التقى الإمام الحسين (عليه السلام) في مسيره إلى كربلاء عبيد الله الجعفي ودعاه إلى نصرته فاعتذر قائلاً: أعطيك سيفي وفرسي، ورفض ذلك الإمام (عليه السلام) فأبدله الله تعالى بزهير بن القين الذي كان منحرفاً عن خطّ أهل البيت في بداية أمره ولكنه استجاب لدعوة الإمام حين التقاه في نفس المسير. وندم الجعفي بعد ذلك وابتلي بالسلاطين والحكام وهمّوا باعتقاله، فـألقى بنفسه في الماء وغرق، فخسر الدنيا والآخرة، أمّا عاقبة زهير فبلغت حيث يخاطَب في الزيارة: السلام عليكم أيها الصدّيقون. والصدّيق مرتبة عظيمة جداً، فإن الامام الكاظم (عليه السلام) يقول عن جدته الزهراء (عليها السلام): صدّيقة شهيدة. ولا شك أن للصديقية مراتب، فمرتبة شهداء كربلاء لا تبلغ مرتبة الصديقة الزهراء (عليها السلام)، ولكن زهير بن القين ـ على أي حال ـ وهكذا سائر أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) بلغوا مرتبة أمر الأئمة شيعتهم بأن يزوروهم بهذه العبارات العظيمة. فلنكن يقظين حذرين ولنحذر من إبدال الله تعالى، فهو يحدث بسرعة وبصورة اعجازية مدهشة.

أسأل الله تعالى ببركة هذا الشهر العزيز أن يوفّقكم جميعاً وأن تزيدوا من خدماتكم وفي مختلف الأبعاد، ليمكنكم الاستفادة وبجميع الأبعاد من قول الامام علي (عليه السلام): «لا يسبقكم بالعمل به غيركم»، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

موقع الإمام الشيرازي

.........................................................

- نهج البلاغة- باب الكتب- الكتاب 47 من وصيّته صلوات الله عليه للحسن والحسين سلام الله عليهما- ص 421.

- المصدر نفسه- الكتاب 53 كتاب له صلوات الله عليه لمالك الأشتر النخعي رضوان الله عليه - ص 426.