سماحة المرجع الشيرازي في كلمته بالوكلاء وفضلاء الحوزة من العراق :  سعادة البشرية في ثقافة أهل البيت، وليست في ثقافة غيرهم

 

 

إن في فكر أهل البيت صلوات الله عليهم وثقافتهم وأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم سعادة الدنيا والآخرة. فالسعادة هي أن يعيش الإنسان في راحة بالمقدار الذي جعله الله تعالى في الدنيا، راحة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وعائلية، وهذه كلها لاتحصل إلاّ في ظلّ ثقافة أهل البيت دون سواهم.

هذا ما أكّده المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في كلمته القيّمة التي ألقاها في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للعشرين من شهر شعبان المعظّم 1429 للهجرة بجمع من وكلائه وفضلاء الحوزة العلمية من العراق وبعد أن ذكر سماحته الرواية الشريفة التالية وهي: «عن أبي الصلت عبد السلام الهروي عن الرضا صلوات الله عليه قال: رحم الله عبداً أحيى أمرنا. قلت: كيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»(1) قال: إن تاريخ أهل البيت، سواء الذين حكموا منهم كمولانا رسول الله صلى الله عليه وآله ومولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه والذين لم يحكموا كباقي المعصومين صلوات الله عليهم وحتى سيرة مولانا الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف حيث ستكون سيرته كسيرة جدّه رسول الله وسيرة جدّه أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وأسلوبهم في الحرب وأسلوبهم في أخذ وإعطاء الأموال، وأسلوبهم عندما كانوا يتعرّضون للظلم، وعندما كانوا يتكلمون، هذا التاريخ إذا عرفه الناس وبالخصوص غير المسلمين، فسيتبعون أهل البيت بلا أدنى شك إلاّ من يكون طاغوتاً أو ظالماً أو مريض القلب.

وأضاف سماحته مشيراً إلى نموذج من سيرة مولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وما فعله معاوية لعنة الله عليه فقال: في الحرب التي فُرضت على مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهي حرب الجمل، وبعد أن انتصر الإمام على جيش الجمل، لاذ أفراده بالفرار، وفي طريق فرارهم صادفوا امرأة وكانت حاملاً، فخافت وارتعدت منهم فأسقطت جنينها، وعندما وصل خبر ذلك للإمام أرسل إليها وأعطاها دية السقط.

علماً أن الإمام لم يكن مسؤولاً عن ذلك، لأن المرأة خافت من جيش الجمل وليس من جيش الإمام سلام الله عليه أما عن معاوية فقد ذكر التاريخ عنه الكثير والكثير مما يندى له جبين الإنسانية، ومن ذلك أنه أرسل إلى بسر بن أبي أرطاة وكان هذا اللعين قاسي القلب فظّاً سفّاكاً للدماء لا رأفة عنده ولا رحمة، وبعثه في ثلاثة آلاف وقال له: سر حتى تمرّ بالمدينة فاطرد الناس وأخِفْ من مررت به وانهب أموال كلِّ من أصبتَ له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا، فإذا دخلتَ المدينة فأرِهِم أنك تريد أنفسهم وأخبرهم أنه لا براءة لهم عندك ولا عذر، ثم سر حتى تدخل مكة وأرهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة واجعلها شرداً حتى تأتي صنعاء ووصل بسر إلى المدينة المنورة، فشتم أهلها وتهددهم وتوعدهم، وأحرق دوراً كثيراً كان منها دار أبي أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقتل بين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة وغيرها، وكذلك بالجرف قتل خلقاً كثيراً من رجال همدان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً، وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً وحرق قوماً بالنار(2).

وروى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب (الغارات) عن أبي الكنود قال: حدثني سفيان بن عوف الغامدي قال: دعاني معاوية فقال: إني باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغِر عليهم وإلا فامضِ حتى تغير على الأنبار، فإن لم تجد بها جنداً فامض حتى توغل في المدائن ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة.

إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم وتفرح كل من له فينا هوى منهم وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر، فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من القرى واحرب الأموال فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب(3).

وأردف سماحته: إن الناس لو عرفوا تاريخ مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقارنوه مع تاريخ غيرهم من الذين تلبّسوا بلباس الإسلام والإسلام منهم براء كمعاوية لعين الله ولعين رسوله فسيتحوّلون إلى التشيّع، وهنالك المئات والمئات ممن عرفوا ذلك فتحوّلوا وصاروا من أتباع أهل البيت صلوات الله عليهم. وهنا أذكر لكم بعضهم:

- قبل حوالي مئتي سنة كان يعيش في مدينة أُرومية الإيرانية عالم مسيحي وكان نشيطاً جداً ويتمتع بذكاء وجدّ بالغين حتى أنه أصبح قسّاً وهو في الثانية عشرة من عمره، فنقلوه إلى الفاتيكان وتربّى على يد كبار القساوسة والكرادلة. وبعد عودته من الفاتيكان أصبح رئيس الكنائس كلها في إيران. فصادقه أحد أهل العلم من أتباع أهل البيت واستطاع أن يغيّره بعد مدة من التباحث والمناقشة، فأصبح شيعياً وبدّل اسمه إلى محمد صادق تيمّناً باسم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وحفيده الإمام الصادق سلام الله عليه، ولقّب بـ(فخر الإسلام)، وألّف كتباً في الدفاع عن الإسلام وردّ المسيحية أحدها يتألف من ثمانية مجلدات (بالطبعة الحجرية) وهو (أنيس الأعلام في نصرة الإسلام) وكتاب آخر في عشرة مجلدّات تحت عنوان (بيان الحق) خصّ المجلد الرابع منه ـ في الطبعة القديمة الحجرية ـ للحديث عن شخصية النبي صلى الله عليه وآله وتاريخه، وأنا شخصياً قرأت هذا المجلّد في كربلاء المقدسة، ولو طبع طبعة جديدة ربما زاد على الأربعة مجلدات؛ وصار يتجول في مدن إيران ويلقي الخطب ويدعو الناس إلى أهل البيت، فاهتدى على أثر ذلك كثير من النصارى في ايران.

- في عصر الشيخ الكليني قدّس سرّه وبالتحديد في أيام حكومة العباسيين، حيث كان الشيعة أقلية في بغداد، كان للعامّة عالم اسمه (الشيخ محمد) وكان عالماً نشيطاً في أوساط العامّة وكتب لهم كتباً كثيرة، وكما قال الشيخ الطوسي «روى للعامّة فأكثر»، فالتقى به أحد المثقفين بثقافة أهل البيت وبدأ يناقشه ويناقشه فتحوّل إلى عَلَم من أعلام الشيعة حتى عبّر عنه الشيخ النجاشي والطوسي وأمثالهما بأنه ثقة ثقة؛ ذلكم هو الشيخ محمد بن مسعود العياشي الذي كتب التفسير المعروف بـ(تفسير العياشي).

وقالوا عنه أنه ورث من أبيه ـ وكان من كبار تجّار بغداد ـ ثروة كبيرة بلغت ثلاثمئة ألف دينار ذهب ـ أي ما يعادل طنّاً من الذهب تقريباً ـ فأنفقها كلّها في سبيل مذهب أهل البيت سلام الله عليهم. وكتب أكثر من 200 كتاباً وقد وردت أسماؤها في الكتب الرجالية، لكنا لا نرى منها سوى جزء من تفسيره وهو المسمى بتفسير العياشي لأن الكتاب الأصلي ضاع كآلاف الكتب الشيعية الأخرى التي طالها الحرق أو الغرق أو الضياع بنحو وآخر وقالوا عنه أيضاً: إنه بنى في بغداد بيتاً كبيراً وجعله مدرسة للشيعة، وكان روّادها بين راوٍ ومحدّث وكاتب ومؤلف وطالب، وكان أحد الذين تخرّجوا منها الكشي صاحب الكتاب المعروف بـ(رجال الكشي).

- إن مدينة ذي الكفل مثلث يقع بين مدينتي كربلاء والنجف، وقبل حوالي 150 أو 200 سنة كانت الكفل المقرّ الرئيسي لليهود، حيث كانت تمثّل مركزاً ثقافياً ودينياً لأتباع الديانة اليهودية. في تلك الفترة، كان علماء الشيعة وتلامذتهم من النجف الأشرف ومن مناطق أخرى في العراق كتلاميذ الوحيد البهبهاني، وصاحب الرياض، والسيد محمد المجاهد وشريف العلماء من كربلاء، وتلاميذ كاشف الغطاء والسيد بحر العلوم وصاحب الجواهر يفدون إلى هذه الناحية المعروفة بمناخها المعتدل وأرضها الخصبة، وكانت لهؤلاء العلماء اتصالات بعلماء اليهود حيث كانوا يستغلّون الوقت لمناقشتهم، فكانت تجري بين الفريقين مناظرات تطرح فيها مختلف المسائل الكلامية والعقائدية، وقد أثمرت تلك المناظرات عن اعتناق عدد كبير من علماء اليهود وعامّتهم الدين الإسلامي الحنيف والتشيّع بعد ما تبيّنوا حقيقتهما وحقّانيّتهما، وقد أشار الشيخ الأنصاري في كتابه (الرسائل) إلى إحدى تلك المناقشات ومنها المناقشة التي جرت بين السيد محمد باقر القزويني وأحد علماء اليهود.

وقال سماحته مشدّداً: إن العياشي وذلك القس المسيحي وعلماء اليهود وغيرهم تحولوا إلى التشيّع في زمن كان يحكمه التعتيم والدكتاتورية والجهل، أما اليوم فلم تعد بعض تلك المشاكل والصعوبات موجودة ولم تعد الظروف كالسابق، فلقد تغيّر العالم اليوم وشهد انفتاحاً لم يشهده من قبل، مع تفاوت بين الدول في مقدار الحرية والانفتاح، ولم تعد تلك المخاوف السابقة موجودة، ونحن ـ في هذا العصر ـ نعيش في فرصة استثنائية عالمياً لم يمر مثلها سوى في فترات قصيرة ومناطق محدودة، فالعمل اليوم أسهل وأحسن، لكن المسؤولية أثقل وفي الوقت نفسه أكثر ثمراً إذاً علينا أن نشمّر عن ساعد الجدّ لتعريف الناس بفكر أهل البيت صلوات الله عليهم وثقافتهم وسيرتهم كي يتبعوها ويحظوا بالسعادة في الدارين وخاطب دام ظله الضيوف الكرام بقوله: أنتم أيها الفضلاء حيث نذرتم أنفسكم لطلب العلم ولمعرفة أحكام الله تعالى ومعرفة ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم حاولوا أن تكونوا مصداقاً بارزاً لما ذكره مولانا الإمام الرضا صلوات الله عليه:«يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس».

s-alshirazi.com 

............................................

(1) وسائل الشيعة/ ج27/ باب 8 وجوب العمل بأحاديث النبي والأئمة/ ص92/ ح33297.

(2) شرح نهج البلاغة/ لابن أبي الحديد المعتزلي/ ج1/ ص 117.

(3) الغارات/ للثقفي/ غارة سفيان بن عوف الغامدي/ ص320.