من محاضرات سماحة المرجع سماحة أية العظمى السيد صادق الشيرازي حفظه الله :  أحكام الله فوق كلّ شيء والشعائر الحسينية جائزة شرعاً

 

 

الفهرست :

مقدمة

تفسير مفردات الآية

التلاعب بأحكام الله من أكبر الكبائر

الفقهاء لا يفتون إلا بعد استفراغ الجهد

الشيخ المفيد مثالاً للخوف من الفتيا

العوام والإفتاء في الشعائر الحسينية!!

الفتاوى التي تمنع السماء قطرها

هل أنت أفقه من الإمام صاحب الزمان؟

الناس مسلَّطون على أنفسهم

لم يفت مجتهد بحرمة أي من الشعائر الحسينية

النص الكامل :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى: ﴿ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد منه حاجزين﴾(1).

- مقدمة

ذكرنا في المحاضرة السابقة أنّ بعض المشركين ادّعى أنّ هذا القرآن ليس من عند الله وأنّ النبي جاء به من نفسه، فردّ الله تعالى عليهم بهذه الآيات، وقلنا إنّها من الآيات العجيبة في القرآن، فإنّه كان يمكن أن يكون الجواب بصياغات أخرى كأن يقول الله تعالى مثلاً: إنّ هذا الرسول صادق وأمين كما تعرفونه، فكما لا يكذب عليكم لا يكذب على ربه. وكان يمكن أن يطرح القرآن الجواب على هذه التهمة بالقول إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله سبيله سبيل سائر الأنبياء، فأيّ نبي كذب على ربه فيكذب هذا النبي الخاتم؟

- تفسير مفردات الآية

لاحظوا تفسير مفردات الآية. في اللغة: (قال عن فلان)، أي نقل عنه قولاً له، و «تقول عليه» أي نسب إليه قولاً لم يقله. إذن يكون تفسير قوله تعالى ﴿ولو تقوّل علينا﴾: لو أنّ هذا النبي نسب إلينا قولاً لم نقله، وليس شرطاً أن يكون تقوّله كلّ القرآن، بل لو تقوّل علينا ﴿بعض الأقاويل﴾، كأن يضيف آية واحدة مثلاً على آيات القرآن التي تعدادها ستة آلاف وستمئة وستة وستون آية.

﴿لأخذنا منه باليمين﴾: اليمين في اللغة: اليمن والبركة، واليد اليمنى، وتستعمل بمعنى القوة والقدرة أيضاً؛ وذلك لأنّ أكثر الناس يعتمدون على هذه اليد، ففيها إذاً اليمن والبركة أي استمرار الحياة، وفي هذه اليد القوة والنشاط والعمل. والمقصود بالآية اليد اليمنى والقدرة والسيطرة. فيكون المعنى: لو فعل ذلك إذاً نقطع يده اليمنى ونسلب عنه قدرته. يقول الله تعالى في آيات أخرى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾(2) - طبعاً بعد توفر الشروط العشرين المذكورة في الكتب الفقهية كشرح اللمعة والتبصرة وتسهيل الأحكام وغيرها - وأوّل ما تقطع يمينه، ولا يكون القطع من الزند، بل تقطع الأصابع الأربعة فقط و يترك له الكف يستعين بها ويسجد عليها، ﴿وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً﴾(3).

فمَن قطع يد سارق من الزند فهو أعظم جرماً عند الله من السارق نفسه، لأنّ السارق تحدى بصورة فردية حكماً شرعياً واحداً، أما مَن طبّق حكماً من عند نفسه ونسبه إلى الله تعالى فقد ارتكب وزراً عظيماً دونه السرقة بكثير.

نعود إلى الآية موضوع المحاضرة، يقول الله تعالى بحق أحبّ الخلق إليه وأشرفهم عنده: ﴿ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين﴾ أي عاملناه معاملة السرّاق!

لذا قلنا إنّ هذه الآيات من أعجب ما في القرآن بل لعلها أعجب من كلّ ما في القرآن، هي وآيات أخرى في مقام آخر في الموضوع نفسه ولكنها تتعلّق بمسائل العقيدة، وهي هنا عامة تشمل الأحكام.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يقول تعالى بعد ذلك:

﴿ثم لقطعنا منه الوتين﴾ أي قطعنا شريان حياته. فإنّ الوتين هو حبل الوريد الذي ورد في آية أخرى في قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه﴾ أي إلى الإنسان ﴿من حبل الوريد﴾(4).

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يقول الله تعالى أيضاً:

﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾: أي لو أننا أردنا أن نفعل ذلك مع أشرف الأنبياء فإنّ أياً منكم ـ أيها المسلمون، يا أمّة رسول الله ويا مَن تعتزون به ـ لا يتمكن أن يدافع عنه أو يكون حاجزاً يمنعنا عن إنزال هاتين العقوبتين به. لماذا؟ لأنّ أحكام الله تعالى بهذه المثابة من الأهمية!

-التلاعب بأحكام الله من أكبر الكبائر

إذا كان هذا حال رسول الله صلى الله عليه وآله، فما حال غيره من الناس ولا يوجد أحد في مستواه. فإنّ أشرف الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله هو الإمام علي سلام الله عليه بإجماع المؤرخين المسلمين وغيرهم ـ فحتى الذين لا يقولون بعصمته وأنّه الإمام الأوّل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، يقولون بأفضليته على سائر الأصحاب ـ ومع ذلك كلّه عندما سئل: أفنبيٌّ أنت؟ قال في الجواب: «ويلك إنّما أنا عبد من عبيد محمد»(5).

أقول: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يستطيع أن يتصرف في أحكام الله تعالى، بل يكون مستحقّاً لهذه العقوبة الضخمة لو فعل ذلك مع أنّه أشرف المخلوقات، فكيف الحال بغيره؟!

نستنتج من هذا العرض المختصر أنّ أحكام الله تعالي أهم شيء عنده، وأنّ التلاعب بها يعدّ أكبر جريمة عند الله كما عبّر عنها القرآن.. ويهون عندها كلّ الجرائم والمعاصي! فمن أكبر الكبائر أن يقول شخص: إنّ هذا حلال وهذا حرام كذباً على الله ومن دون علم.

- الفقهاء لا يفتون إلا بعد استفراغ الجهد

إنّ مَن يراجع كتب الفقه يدرك هذه الحقيقة بجلاء. فهناك على سبيل المثال أخذ وشد طويل وعريض ونقاش حاد بين فقهاء الإسلام منذ أربعة عشر قرناً وحتى اليوم حيال الإفتاء طبق روايةٍ أحد رواتها مجهول الحال. فمثلاً لو وردت رواية عن المعصوم عبر عشرة رواة كان تسعة منهم ثقات ولكن كان يقع في هذه السلسلة شخص واحد مجهول الحال أي لا نعلم هل هو ثقة أم لا؛ هنا يتوقف الفقهاء في الإفتاء طبق هذه الرواية، لأنّه لا يجوز القول إنّ حكم الله في مسألة هو كذا أو كذا دون دليل ومستند. فإذا كان الأمر كذلك فهل يحقّ بعد ذلك لمن ليس اختصاصه الفقه أن يعطي رأياً في أحكام الله فيحلل ما يشاء ويحرّم ما يشاء؟!.

لقد سمعت شخصياً من المرحوم الوالد (رضوان الله عليه) أنّه كانت هناك مسألة من مسائل الحج - لا يهمنا ذكرها الآن - وقعت مداراً للبحث بين مجموعة من المجتهدين، منهم مراجع للتقليد، وهم السيد الوالد (رحمه الله) نفسه والسيد آقا حسين القمي (رحمه الله) والشيخ محمد رضا الإصفهاني (رحمه الله) والسيد زين العابدين الكاشاني (رحمه الله)، واستمر البحث لمدة ثلاثة أسابيع ولم يستطيعوا نهاية المطاف أن يقطعوا فيها بالحرمة فأفتوا فيها بالاحتياط؛ مع أنّهم جمهرة من المجتهدين قضى كلّ منهم عشرات السنين من عمره حتى صار خبيراً في الفقه وصار استنباط الأحكام شغله واختصاصه، لكنهم مع ذلك توقفوا عندما أعوزهم الدليل ولم يتعجلوا في إصدار حكم، فإن الجاهل هو الذي يصدر الأحكام هكذا اعتباطاً، أما المتخصص فهو يدرك أهمية الموضوع ولا يستهين بأحكام الله ويطلقها جزافاً لأنّه يعرف عظمتها وأنه سيكون مسؤولاً أمام الله الذي تحدث عن نبيّه بتلك الشدة، فقال: ﴿ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل…﴾ الآيات، فكيف بغيره من الخلق؟!

- الشيخ المفيد مثالاً للخوف من الفتيا

لقد كان الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) من كبار علماء الطائفة، عاش قبل أكثر من ألف عام في الغيبة الصغرى للإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه، وكان يحضر درسه في بغداد العلماء من مختلف الطوائف والملل من السنّة والشيعة والنصارى واليهود والصابئة. ورد في تاريخه أنه سئل يوماً في حكم امرأة حامل ماتت والولد ينبض في رحمها، فقال: يُشق الجانب الأيمن من البطن ويُخرج الولد ثم تدفن الأم. ثم تبيّن أنّه أخطأ في جوابهم، فكان ينبغي أن يقول بشق الجانب الأيسر، فأسف على إفتائه وقرّر أن لا يفتي أحداً بعد ذلك فمع أنّه لم يثبت طبياً وجود فرق في شقّ بطن الميت الحامل سواء كان من الجانب الأيمن أم الأيسر لا بالنسبة للميت ولا للجنين، ومع أنّ الشيخ المفيد لم يكن عامداً بل صدرت منه الفتوى بخلاف الحكم الشرعي خطأ وسهواً، وكلّ الناس معرّضون للخطأ إلاّ المعصومين وهم الأنبياء والأئمة الاثنا عشر وسيّدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين، إلاّ أنّ الشيخ المفيد تألّم إلى درجة بحيث قرّر ترك الإفتاء خشية الوقوع في الخطأ ثانية والقول بما لم يحكم الله ـ وإن لم يكن عامداً ـ .

هذا والشيخ المفيد بلغ درجة مع العلم والفضل بحيث كان مرجعاً ليس للشيعة وحدهم بل كان يرجع إليه المسلمون وغيرهم وينهلون من علمه. ولقد نُقل في الكتب أنّ الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه نعاه بنفسه عندما توفي وكتب على قبره: لا صوّت الناعي بفقدك إنّه يوم على آل الرسول عظيم.

عالِم بهذه المنْزلة يحذر من تكرّر الخطأ منه فيجلس في بيته ويغلق عليه بابه ويقرّر عدم الإفتاء، دون أن تنفع معه توسلات المراجعين، حتى بعث إليه الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه، في أحد الأيام شخصاً وقال له: يقول لك الإمام: أفِد يا مفيد، منك الفتيا ومنّا التسديد. وقال له: إن الإمام بعثني خلف الجماعة الذين استفتوك وقلتُ لهم: إنّ الشيخ يقول: لقد أخطأت، فشقّوا البطن من الجانب الأيسر. عندها أرسل الشيخ خلف الجماعة ليتأكد من الموضوع، فقال لهم: ماذا عملتم بالمرأة الحامل؟ قالوا: شققنا بطنها من الجانب الأيسر كما أخبرنا هذا الشخص الذي أرسلته خلفنا. بعد ذلك عاد الشيخ المفيد للإفتاء.

- العوام والإفتاء في الشعائر الحسينية!!

إذا عرفنا هذا الاحتياط من العلماء في صدور الأحكام فلنلق نظرة إلى واقعنا، وخاصة عندما يحلّ شهر محرم الحرام وذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام الحسين سلام الله عليه، ترى العجب العجاب، فما أكثر المتصدين للإفتاء من عوام الناس في هذه الأيام. فهذا يقول إنّ لبس السواد حرام، وذاك يقول بحرمة اللطم على أبي عبد الله، وآخر يحرّم التطبير، مع أنّ أحداً من المجتهدين لم يقل بحرمة أيّ من الشعائر الحسينية؛ ذلك أنّ المجتهد لا يصدر الحكم جزافاً وبسرعة بل ربما أتعب ثلة من المجتهدين أنفسهم ثلاثة أسابيع ـ كما قلنا ـ دون أن يخرجوا بحكم قاطع واكتفوا بالاحتياط، أمّا الجهلة من الناس فهم الذين يتسرعون في إصدار أحكام ليس من شأنهم ولا من اختصاصهم ولا يبالون!فكيف يمكن أن يكون اللطم على الإمام الحسين سلام الله عليه حراماً وهذا هو الشاعر دعبل الخزاعي ينشد أشعاراً في رثاء الإمام المظلوم بمحضر الإمام الرضا سلام الله عليه ويقول فيها:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات

والإمام الرضا سلام الله عليه لا يردّه بل يستزيده. فهل يمكن أن ينسب دعبل الخزاعي عملاً محرّماً إلى فاطمة الزهراء سلام الله عليها ويسكت الإمام الرضا سلام الله عليه عنه؟!

ولقد سئل الإمام الصادق سلام الله عليه عن مسائل كهذه، فقال: «وقد لطمن الخدود الفاطميات على الحسين عليه السلام وعلى مثله تُلطم الخدود وتُشق الجيوب»(6)، فهل الفاطميات وزينب الكبرى لا بل الإمام الصادق سلام الله عليه لا يعرفون الحرام، ويعرفه زيد من الناس أو عمرو؟

وهكذا الحال مع لبس السواد على سيد الشهداء سلام الله عليه فلقد فعله المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين.

اقرأ التاريخ ثم تكلّم. راجع كتب الفقهاء والرسائل العملية وبعد ذلك قل ما بدا لك.

فها هو كتاب جواهر الكلام ذو الأربعين مجلداً، هذا الكتاب الضخم الذي لا يَذكر صاحبه - وهو بحر من العلم - مسألة إلاّ ويذكر دليلها، وأصحاب الاختصاص يعرفون الجواهر وصاحب الجواهر.. هذا الرجل يستدل على مسألة واحدة في باب من أبواب الفقه عبر عشر صفحات من كتابه ثم يناقش الاستدلال ويرد ثم يقول أخيراً: لا يمكننا أن نفتي والاحتياط سبيل النجاة!

تأمّل جيّداً: صاحب اختصاص يناقش مسألة في عشر صفحات ولا يقطع أخيراً، ثم يأتي رجل ليس بصاحب اختصاص وليس بمجتهد ويصدر حكماً بسرعة، دون تفكير ودون دليل، ويقول لك إنّ العمل الفلاني حرام.

والعجيب أنّه عندما تأتي مناسبة استشهاد الحسين سلام الله عليه وعزائه يصبح كلّ شيء حراماً وكلّ الناس فقهاء!! مع أنّ أحداً من المجتهدين المتخصصين لم يفتِ بحرمة أيّ من شعائر أبي عبد الله سلام الله عليه.هذا والحكم بغير ما أنزل الله من أكبر الكبائر، حتى لقد تحدّث الله عن رسوله وأحبّ الخلق إليه بتلك الصفة عندما تعلّق الأمر بهذا الموضوع!

- الفتاوى التي تمنع السماء قطرها

تنازع رجلان في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه عند أبي حنيفة في كراء حيث اكترى أحدهما فرساً من الثاني للذهاب إلى مكان للقاء صاحب له ولكنه عندما وصل إلى ذلك المكان لم يلقَ صاحبه لأنّه كان قد ذهب إلى نقطة أبعد منها، فاستمر في مسيره قاصداً إياه حتى بلغه، وهنا طالب صاحب الفرس أجراً أكثر لقاء المسافة الزائدة، لكن المكتري اعترض بأنّ الكراء كان بهدف الوصول إلى الصاحب وإن زادت المسافة، وحكم أبو حنيفة لصالحه استناداً إلى قاعدة فقهية أخطأ في فهمها، وهي «الخراج بالضمان». ولم يرض المكاري وطلب الاحتكام إلى الإمام الصادق سلام الله عليه، ورغم أنّ الخلاف كان في دراهم معدودة وأنّ أبا حنيفة أخطأ في فهم القاعدة وأنّ الإمام الصادق إمام معصوم وحفيد رسول الله فهو عنده علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أستاذاً لأبي حنيفة، إلاّ أنّ الإمام لم يجب على المسألة أوّلاً بل قال قبل أن يجيب: «مثل هذه الفتوى تمنع السماء قطرها وتحبس الأرض بركاتها»(7).

أي أنّنا لو قلنا عن أمر إنّه حرام مع أنّ الله لم يحرّمه، أو إنّه حلال وهو عند الله ليس بحلال، وكذا المكروه والمستحب الواجب فإن ذلك القول بغير ما أنزل الله يمنع الأمطار من النـزول ويحبس بركات الأرض.

- هل أنت أفقه من الإمام صاحب الزمان؟

فلو سألك أحد: هل الشيء الفلاني حلال أم حرام؟ فلا تجبه من تلقاء نفسك بل سل مجتهداً وأعطه الجواب، فإنّ الله تعالى لم يجعل أحكامه بيدي أو بيدك، بل جعلها بيد نبيه وقال: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ أي لا يقول شيئاً من عند نفسه ﴿إن هو إلاّ وحي يوحى﴾(8).

لقد قُتل الأنبياء والأولياء في سبيل أحكام الله. وأخبر الإمام الحسين سلام الله عليه أخاه محمد بن الحنفية لمّا أراد منعه من الخروج إلى كربلاء، أنه رأى جدّه في المنام، فقال سلام الله عليه: «أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً». فقال له ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون! فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ فقال له: «قد قال لي إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا»(9).

لماذا شاء الله ذلك؟ لأنّ أحكام الله فوق الحسين وأسْرِ زينب وأمّ كلثوم. أمّا مَن يقول إنّ إخراج الدم على الإمام الحسين سلام الله عليه حرام فنقول له: هل أنت أفقه أم صاحب الزمان عجل الله فرجه وهو الذي يخاطب جده الحسين سلام الله عليه بقوله في زيارة الناحية المقدسة: «لأندبنّك صباحاً ومساءً ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً»؟ فهل الدم الذي يخرج من العين أخطر أم الدم الذي يخرج من الرأس بالتطبير أو من الظهر بالسلاسل أو من الصدر باللطم؟ أم أنّ الإمام الحجة حاشاه لا يعرف أنّ هذا العمل حرام ويعلمه فلان من الناس؟! لقد نطحت زينب سلام الله عليها رأسها بمقدم المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها. فهل فعلت زينب حراماً؟ ولماذا لم تندهش من فعلها؟

-الناس مسلَّطون على أنفسهم

هناك حريتان موجودتان في الإسلام؛ حرية الفكر حيث يقول تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾(10) وحرية العمل؛ للقاعدة المسلّمة لدى الفقهاء «الناس مسلّطون على أنفسهم» ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أجمع المسلمون على نقله وهو: «الناس مسلّطون على أموالهم»(11) يتصرّفون فيها بما يشاؤون. أمّا الإضرار بالنفس فليس حراماً في الإسلام إلاّ في موضعين واسألوا عن ذلك جميع الفقهاء؛ الموقع الأوّل هو الانتحار فهذا غير جائز في الإسلام، واستدلّ الفقهاء عليه بالآية الكريمة: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾(12)، وإن كانت في سياق آيات الجهاد لكن استدلّ الفقهاء بها؛ لاستدلال الأئمة بها في هذا المعنى. وكذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (13).

الموقع الثاني المستثنى من جواز الإضرار بالنفس هو أن يتلف الإنسان أحد أعضائه أو إحدى قواه. فلا يجوز للإنسان أن يعمي عينه أو يصمّ أذنه أو يقطع أنملة من أنامله هكذا عبثاً وليس لعملية جراحية أو ضرورة من الضرورات كما لا يجوز للإنسان أن يشلّ قوة من قواه كالمرأة تقلع رحمها أو تشرب دواء يمنعها عن الإنجاب نهائياً - أمّا إذا كان شلّ القوة لفترة معيّنة فقال العلماء بجوازها - وكذلك الحال بالنسبة للرجل.

أجل إنّ الإضرار بالغير غير جائز حتى لو كان بمقدار عود ثقاب، ولقد روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه قوله: «وإن الله سائلكم عن أعمالكم حتى عن مسّ أحدكم ثوب أخيه بين إصبعيه»(14)، فلو أنّ أخاك جلس إلى جانبك ووضعت طرف ثوبه بين إصبعين من أصابعك تريد أن تعرف نوع القماش مثلاً وهو لا يعلم، فإنّ ذلك لا يجوز لك إن كنت تعلم أنّه لا يرضى، ولسوف تُسأل عن ذلك يوم القيامة. بل يقول الفقهاء إنّ الإنسان مسؤول عن مثل هذا التصرف - لو كان غصباً - حتى مع زوجته كما لو كانت تستحي من ذلك ولا ترضى مثلاً؛ فإنّ حق الرجل على الزوجة لا يتعدى أمرين هما: الفراش والخروج من البيت بإذنه، وليس له وراءهما أيّ حق عليها بعد ذلك، ولا يجوز له أن يلحق بها أدنى ضرر أمّا الإضرار بالنفس فكما قلنا هو جائز إلاّ في موردين هما قتل النفس أو تلف أحد الأعضاء أو القوى. فهاهم الناس والتجار يسافرون في الحر والبرد وهم يتعرّضون للأخطار وربما قللوا من نومهم أو غذائهم وربما مرضوا وهم في الفُلك، وعلى هذا جرت سنّة الناس ولم يبلغنا أنّ الأئمة منعوا أحداً رغم وجود احتمال للغرق والموت - غير الغالب طبعاً - ولا نهى الفقهاء عن الضرر البالغ، فمع أنّ الأطباء مجمعون على أنّ التدخين مضر بصحة الإنسان فهل سمعتم أنّ فقيهاً أفتى بحرمة التدخين؟ كلا بالطبع لأنّه لا دليل لهم على الحرمة بل الأصل «إنّ الناس مسلّطون على .....» ومثل التدخين إدخال الطعام على الطعام والنوم بعد الأكل مباشرة وأمور كثيرة أخرى من هذا القبيل، واكتفى الشرع بكراهتها ولم يقل بحرمتها لأنّ الناس مسلّطون على أنفسهم إلاّ في الاستثناءين المذكورين آنفاً ولو كانت أحكام الله تعالى بيد كلّ أحد يفتي بها حسب أهوائه وتصوراته لانمحى الإسلام الذي بين أيدينا اليوم بعد مرور ألف وأربعمئة عام عليه! ولأصبح شيئاً ثانياً، لكنّ دماء أهل البيت سلام الله عليهم أريقت للإبقاء على أحكام الله تعالى.

إذن لو سئل أحد عن مسألة ولم يكن من أهل الاختصاص فعليه بإحالته إلى المجتهد الجامع للشرائط أو أن يسأله بنفسه وينقل عنه الجواب، ولا يحق حتى لوكيل المجتهد أن يقول من نفسه -إن لم يكن مجتهداً- بل عليه أن ينقل رأي مرجع التقليد فهو الحجة علينا، وقد علمنا كم يبذل المجتهدون من الوقت والجهد للوصول إلى معرفة حكم من أحكام الله، وربما لا يتوصلون إليه فيقولون بالاحتياط ولا يفتون.

- لم يفت مجتهد بحرمة أي من الشعائر الحسينية

الأمر الآخر الذي ينبغي أن لا ننساه هو أنّ أياً من الشعائر الحسينية المعهودة لم يفتِ مجتهد بحرمتها بل الفقهاء قاطبة أفتوا بجوازها بل استحبابها؛ فلا يجوز لكلّ مَن هبّ ودبّ أن يفتي من عند نفسه بحرمة شيء منها، فيقول مثلاً: إنّ اللطم على الحسين أو التطبير أو التشبيه أو ضرب السلاسل حرام لأنّ فيها ممارسة لإيذاء الإنسان نفسه، مع أنّ كلّ هذه الممارسات لا تصل إلى حدّ خروج الدم من عين الإنسان، والإمام الحجة يمارسه، فلست أنا ولا أنت ولا غيرنا أفقه من صاحب الزمان صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف، وكلام غير المجتهدين ليس بحجة ولا يصحّ الأخذ به ولا يجوز نقله شرعاً إذا كان يوجب إغواء الناس.

نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.

وصلى الله على رسوله الأمين و أهل بيته الطيبين الطاهرين

..............................................................................................

* ألقيت المحاضرة في محرم الحرام عام 1399 هـ.

(1) سورة الحاقة، الآيات: 44-47.

(2) سورة المائدة، الآية: 23.

(3) سورة الجن، الآية: 18.

(4) سورة ق، الآية: 16.

(5) الكافي: ج1، ص89.

(6) التهذيب ج8، ص325.

(7) راجع: بحار الأنوار.

(8) سورة النجم، الآيتان: 3 و4.

(9) اللهوف، ص65

(10) سورة البقرة، الآية 256.

(11) بحار الأنوار ج2، ص272، عوالي اللآلئ ج1، ص222 وص247و ج2، ص138، وج3، ص208 ونهج الحق ص494 و495 و504 و572 وغيرها.

(12) سورة البقرة، الآية: 196.

(13) سورة النساء، الآية: 29.

(14) وسائل الشيعة ج5، ص111.

المصدر: s-alshirazi.com