غدير الآمال والحياة..!

 

 

٭ عيد الغدير ليس يوم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، بل هو يوم الرسول الكريم (ص) أيض ً ا، بل يجب القول بأ ّ نه يوم الله تعالى، لأ ّ ن الله تعالى والرسول الكريم (ص) وأمير المؤمنين (ع) في امتداد واحد. ولقد ذكر الله تعالى هذا اليوم فقال:

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»

وحسب هذه الآية الكريمة، فإنّ كمال الإسلام حصل عندما أعلنت ولاية علي بن أبي طالب (ع) كفريضة، ولقد أوحى الله عزّوجلّ بالأحكام والواجبات الواحدة تلو الأخرى حتى ختمها بالولاية، لأ ّ نه عندما ّ تم بيان ليعلن أن لا فريضة بعدها، فبعد نزولها .«... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ» هذا الحكم أنزل الله هذه الآية وتنصيب أمير المؤمنين (ع) خليفة لرسول الله (ص) أدرك الناس مراد الله تعالى من الآية وعلموا أنّ عليهم بعد رسول الله (ص) الامتثال لطاعة أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين (ع):

« أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ».

و ّ مما يثير الانتباه في آية الكريمة أ نّ الله تعالى قد ربط إتمام نعمته على الخلق بموضوع الولاية، أي كما إنّ«... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ » تحقق كمال الدين ارتبط بالولاية فإن إتمام النعمة أنيط بها أيضا، والمقصود بالنعمة جميع النعم ظاهرها وباطنها، مثل العدل والمساواة والاتحاد والأخوة والعلم والأخلاق والطمأنينة النفسية والروحية والحرية والإحساس بالأمن، وبعبارة موجزة جميع أنواع العطايا. لذا، فموقف الذين سعوا إلى تفسير النعمة بالشريعة والولاية واعتبارها مج ّ رد مسألة معنوية محل تأمل ونظر، لأن الآية المذكورة لم تتطرق لمسألة أصل النعمة، بل الحديث يدور حول (إتمام النعمة). أيضا أينما ورد ذكر إتمام النعمة في القرآن الكريم كان المراد منها النعم لتي يصيبها الإنسان في الدنيا، ومن هنا توجد علاقة مباشرة بين ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والتمتع بالنعم الدنيوية، وإحدى الشروط المهمة والرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع الحرية والبناء القائم على أساس العدالة والأخلاق وسيادة القيم والفضائل الأخلاقية الإنسانية أن نس ّ لم لما ب ّ لغ به رسول الله (ص) في يوم الغدير، كما إن القبول عمليا بولاية أمير المؤمنين (ع) له أثر تكويني، ويوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء، يقول الله تعالى:

{ َلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}.

٭ إن الغدير - في عبارة موجزة - هو الوعاء الذي تصب فيه جميع تضحيات الرسول الكريم (ص)، وهو مخزن الأحكام والآداب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الأمين (ص)، وفي إشارة إلى هذه الحقيقة يقول جل وعلا: { َا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. والغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن بل هو المكارم بعينها. والغدير بجوهره وروحه يعني مدرسة الإمام علي (ع) التي تصلح لإسعاد البشر جميعا. فأمير المؤمنين (ع) هو - بعد الرسول (ص) - أعظم آيات الله عز وجل، ولا تضاهيه آية. إن إحدى خصال الإمام علي (ع) - خاصة في فترة خلافته – هي ألا وإن إمامكم قد اكتفى »: تعاطفه مع الناس، وقد ظهر تعاطفه مع أفقر الناس، وقد قال فهو (ع) عليه لم يضع حجرا على حجر، ولم يسكن .« من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه فهو (ع) عليه لم يضع حجرا على حجر، ولم يسكن قصرا فارها ولم يمتط فرسا مطهما، وتحمل كل هذه المصاعب لئلا يكون هناك فرد في أقصى نقاط دولته يتبيغ به فقره ولا يجد ما يسد رمقه،وهو القائل: « ولعل بالحجازأو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع».

لذا، فإنه (ع) لمجرد احتمال وجود أفراد في المناطق النائية من رقعة حكومته جوعى، لم يكن ينام ليلته ممتلئ البطن، وقد حرم نفسه حتى من متوسط الطعام واللباس والمسكن ولوازم الحياة العادية.

لقد أراد الإمام علي (ع) بنهجه هذا تحقيق هدفين: الأول: أن ُ يبعد عنه أي شبهة ك(حاكم إسلامي)، ويسلب منتقديه أي حجة تدينه، هؤلاء المنتقدون الذين أنكروا عليه حتى مناقبه. والثاني: تذكيرالحكام المسلمين بمسؤولياتهم الخطيرة تجاه آلام الناس وفقرهم، وضرورة إقامة العدل، والتعاطف مع آلامهم وعذاباتهم، والسعي بجد من أجل تأمين الرفاهية والعيش الكريم لهم. ومن هذا المنطلق، فإن مج ّ رد احتمال وجود أناس يتضورون جوعا في أبعد نقاط الحكومة الإسلامية يعتبر في ميزان الإمام علي (ع) مسؤولية ذات تبعات. وهنا تتجلى عظمة الغديرأكثر فأكثر، وتسطع أنوار قيمه وتعاليمه السامية التي توازن بين المتطلبات الروحية والعقلية والمادية والمعنوية للبشر، لتحقق السعادة للجميع أفراد ً ا ومجتمعات، حكاما ومحكومين.

٭ يقول الإمام علي (ع):

«والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».

النقطة البالغة الأهمية - التي تتض ّ منها هذه العبارة - أ ّ ن الإمام (ع) قد استخدم كلمة (لو)، وهي - كما يذكرعلماء اللغة ليست مجرد حرف شرط ، بل حرف شرط يد ّ ل على امتناع لامتناع،أي امتناع الجواب لامتناع الشرط. يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا }.

أي لو كان في الأرض والسماء آلهة غير الله عز وجل لانفرط عقد الكون، ولك ّ ن الأمر ليس كذلك، فالسماوات والأرض باقيتان على حالهما(ممسكتان)، إذن ليس فيهما آلهة إلا الله.

ف (لو) - سلفا - تدل على أن ما بعدها من الشرط غير ممكن، و(لو) - ابتداء – تدل على انتفاء مدخولها، من هنا، يكون معنى أن عصياني :«.. والله لو أعطيت » قوله (ع) لله تعالى في ظلم نملة بهذا المقدار القليل لا يمكن تحققه حتى إذا كان بإعطائي مقابله الأقاليم السبعة. ونقطة ثانية مهمة في العبارة المذكورة: هي استخدام كلمة وهي قشرة حبة الشعير الرقيقة، شعيرة والتي تنزع عنها تلقائيا، ولو كان يوجد ما هو أتفه شأن ً ا من جلب الشعير لقارن الإمام (ع) به. من هنا، فقد أقام الحجة على جميع الحكام وولاة الأمر، واضعا إياهم أمام مسؤولياتهم الخطيرة، هؤلاء الحكام الذين لا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة، فيبيدون الحرث والنسل، ويزهقون الآلاف من الأرواح الطاهرة البريئة من أجل شبر من الأرض أو مال قليل أو بلوغ منصب والتم ّ تع بحطام الدنيا الزائل.

فحسب ثقافة الغدير: إن في سلب النملة جلب شعيرة معصية، فما بالك بقتل الناس بالظنة والشبهة!

٭ لكي نعرف طبيعة وحجم المسؤولية التي يلقيها الغدير على عاتقنا، يجب أولا أن نسأل أنفسنا: إلى أي مدى تعرف العالم المعاصر على الغدير وسبر أسراره العميقة؟ وإذا كان يجهل الغدير، فمن الذي يتحمل مسؤولية هذا الجهل؟ وما طبيعة المسؤولية التي نضطلع بها في الغدير أمام الله عزوجل وتجاه المجتمعات الإسلامية؟ في الحقيقة، لا يحمل الجيل الحالي - عموما - تصورا واضحا وصحيحا عن الغدير، وتقع مسؤولية ذلك على عاتقنا نحن (بالدرجة الأولى)، فلو أ ّ دينا واجبنا في تبيين مفهوم الغدير للناس لكان الوضع أفضل ّ مما نحن عليه الآن. كان علينا أن نوضح للعالم بأن الغدير يعني تحقيق الرفاهية وتوسيع نطاقها، وبلوغ التقدم والرقي، وعمران المجتمعات الإنسانية. والغدير يعني المساواة بين الممسكين بمقاليد الاقتصاد والمال وبين باقي أفراد المجتمع، ويقضي على الطفيلية والعصابات. وحسب ثقافة الغدير، فإن المسؤولين عن الشؤون المالية هم المؤتمنون فحسب ولا شيء أكثر من ذلك.

والخلاصة: إن الغدير يعني ميثاق ولاة الأمر مع الله عز وجل بأن يجعلوا مستوى عيشهم بمستوى أقل الأفراد في المجتمع،وأن يحاكوهم في المأكل والمسكن والملبس والرفاهية..إلخ. وإن من أه ّ م مسؤولياتنا في الوقت الراهن - إزاء الغدير وأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) - نشر مفاهيم الغدير، ودعوة عموم الناس لينهلوا من هذه المائدة السماوية، وفي غير هذه الحالة، لا يوجد أدنى أمل في كف الحكام المستبدين أيديهم عن المستضعفين، وإنقاذ الإنسانية .يوما ما من هذا الوضع السيئ والخطير،والوصول إلى ساحل الأمن والرفاهية والعدل والحرية.