بعضها يبث السموم... محطات تلفزيونية تغذّي التعصب والكراهية

 

اليس بارك 

 

يعتبر كثير من الناس أن مشاهدة التلفزيون نشاط سلبي، فالواحد منا يجلس، ويتفرج، ومن حين لآخر يقوم بتغيير القناة. ولكن دراسة جديدة تكشف أن حتى هذا اللهو السلبي قد يؤدي، وبشكل فعال، الى نتائج ضارة، وخصوصا عندما يتعلق الامر بالعِراق.

فمن خلال سلسلة تجارب صممت بطريقة معقدة، يشرح اختصاصيون بعلم النفس من جامعة توفتس كيف أن التوجهات العِرقية الخفية كثيراً ما يأتي التعبير عنها من خلال الشخصيات المشهورة التي تظهر في برامج التلفزيون. والمشاهدون لا يلتقطون هذه التوجهات فقط بل أنهم يسمحون لها ايضاً بصياغة وجهات نظرهم حول مسألة العرق. وقد وجد الباحثون بان الجزء الأخبث في هذه البوابة الثقافية يتمثل في ان انتقال النزعة العرقية على ما يبدو يحصل عن طريق اللاوعي ومن دون أن يشعر المشاهد.

وقد صمم فريق البحث الذي يقوده ماكس وايسبوك، الطالب بمرحلة ما بعد الدكتوراه ويعمل في مختبر علم النفس في جامعة توفتس الذي يديره البروفيسور ناليني امبادي، دراسة متعددة الاجزاء بحيث تمكنه من تحري دور التلفزيون في بث النزعة العرقية إلى متطوعين من البيض في سن دخول الجامعة. فقد أثارت اهتمام وايسبوك وزملائه حقيقة انه على الرغم من الانخفاض الكبير في التعابير العلنية حول العرق في المجتمع الاميركي الحديث (بدليل ان البلاد انتخبت أخيراً اول رئيس لها من السود) فان الدراسات تكشف على الدوام وبثبات بقاء العديد من الناس على اظهارهم لنزعات او توجهات سلبية تجاه الاميركان من اصول افريقية. وهذا يتجلى بصورة رئيسية من خلال وسائل غير لفظية مثل تعابير الوجه، أو شبك الذراعين على الصدر مع تحويل النظر بعيداً عن المقابل. ويتساءل علماء النفس بدهشة كيف أمكن لمثل هذه النزعات أن تدوم وتستمر في مجتمع يعتبر العرقية امرا مرفوضاً من الناحية الإجتماعي ومداناً علنا.

لذلك قرر الفريق تحري المسألة من خلال التلفزيون على اعتباره وسيلة تتعلق بها الغالبية العظمى من الاميركان، ويتلقى من خلالها عموم الناس بشكل سائد التلميحات الثقافية والاجتماعية التي توجه تصرفاتهم. وقد رصدت الدراسة احد عشر برنامجا تلفزيونيا مشهورا تعرض في اوقات المشاهدة الرئيسية من ضمنها المسلسلات اليومية التي يتابعها اكثر المشاهدين، مثل Heroes و Scrubs  وHouse و CSI: Miami و  Grey's Anatomy التي تظهر فيها شخصيات من كلا العرقين الابيض والاسود وتعطى مكانة متساوية. في الدراسة الأولى من السلسلة، المؤلفة من أربع دراسات، عرض الباحثون على المشاركين في البحث مقاطع تلفزيونية فيها شخصية بيضاء تتعامل مع شخصية سوداء، ولكن بعد حذف الصوت من تلك المقاطع مع محو الشخصية السوداء بوسائل الكترونية رقمية. كانت الفكرة من وراء هذا التصرف هي ضمان أن لا يترك العرق او الحوار انعكاساتهما على تحليلات اولئك المشاهدين. بعد ذلك أعيدت الممارسة ولكن بازالة الشخصية البيضاء هذه المرة، ومن ثم طلب الباحثون من المشاهدين، وهم طلبة جامعيون من البيض، ان يعطوا تقييمهم لكل حالة، وهل بدا ان معاملة الشخصية التي يرونها للشخصية التي لا يرونها كانت ايجابية أم سلبية، وكيف كان مدى استحسانهم لتلك الشخصية. وفي النهاية، ومن خلال أغلب برامج التلفزيون، جاء الرأي الثابت للمشاهدين بأن الشخصيات البيضاء تلقت تعاملا اكثر ايجابية ونالت من الإستحسان والرضا اكثر مما حازت عليه الشخصيات السوداء.

كان الامر الذي ادهش وايسبوك هو ان حكم المشاهدين على الشخصيات اعتمد بشكل كلي على التلميحات غير اللفظية، من خلال تعبيرات الوجه الى اسلوب لغة الجسد. وعندما أعطي المشاركون في البحث نصوص الحوار اللفظي لتلك المقاطع لم يجدوا فرقا في الطريقة التي تم التعامل بها مع الشخصيات المستهدفة، السوداء او البيضاء، من قبل الشخصيات الناطقة. لذلك قد تكون تلك التعبيرات قد تم إدخالها في سيناريو البرامج التلفزيونية من قبل الكتّاب، او محرري الانتاج او المخرج، ولكن رغم هذا يقول الباحثون أنها تكشف عن مواقف تنطوي على انحياز غير منصف بحق الشخصيات السوداء. في الخطوة اللاحقة حاول الباحثون اكتشاف ما إذا كانت تلك الإنحيازات غير المنطوقة قابلة للإنتقال الى من يشاهدون البرامج التلفزيونية.

لذا عمد الباحثون الى توليف مجموعتين من المقاطع الصغيرة الصامتة، الأولى فيها أفضلية لصالح البيض والاخرى لصالح السود. في المجموعة التي لصالح البيض كان يتم التعامل مع الشخصيات البيضاء بصورة ايجابية وسلبيا مع الشخصيات السوداء، اما في المقاطع التي لصالح السود فقد جعل الأمر بالعكس. بعد ذلك طلب من مجموعتين منفصلتين من الطلبة ان تشاهد، كل على انفراد، مجموعة واحدة من مجموعتي المقاطع تلك التي سبق إعدادها. وبعد المشاهدة، طلب من الطلبة أن يملؤوا استمارة استبيان قدمت اليهم على أساس أنها تتعلق بدراسة أخرى مختلفة، بينما هي في الحقيقة وسيلة لقياس انحيازاتهم العرقية. فجاءت النتائج لتعطي ايحاء بأن الطلبة الذين شاهدوا المقاطع التي لصالح البيض أبدوا ميلاً اكبر بكثير لتبني الإنحياز العرقي من زملائهم الذين شاهدوا المقاطع التي لصالح السود. يقول البروفيسور امبادي:" هذه النتائج تعطينا ايحاء بان تعريض المشاهدين لتعابير الإنحياز غير اللفظية يمكن أن يؤثر في مواقفهم وانحيازاتهم.

بعد ذلك تقدم الباحثون أكثر للتحقق من أن المشاهدين لم يكونوا يدركون التأثيرات التي أحدثتها فيهم تلك المقاطع. ففي جزء منفصل من البحث طلب من الطلبة ان يشاهدوا نفس المقاطع السابقة بشقيها، الذي لصالح البيض والذي لصالح السود. ولكنهم في هذه المرة تم التأكيد عليهم أيضا ان ينتبهوا ويتحروا أي دليل مهما كان صغيراً يشهد على وجود سلوك تحيز ربما لا يكون مستشعراً. ثم طلب من هؤلاء المشاهدين ان يحددوا من كان الذي يتلقى المعاملة الأفضل، الشخصيات البيض ام السود.

وبما أن كل مجموعة من المقاطع السابقة كان قد تم توليفها بشكل مقصود لكي تكون فيها أفضلية لصالح مجموعة على حساب المجموعة الاخرى، لم يكن هناك مجال الإ لإجابة واحدة صحيحة على السؤال. أي أن فرص الطلبة كانت خمسين بالمائة، أما أن يصيبوا أو يخطئوا. وهذا هو ما حصل بالضبط وقد أدوه تماما بصورة حسنة، فالأمر إذن لا شأن له بالمصادفة والحظ. بعبارة اخرى، لم يكن الإنحياز المعبر عنه في السلوك غير المنطوق للشخصيات واضحاً بدرجة تثير انتباه المشاهدين. على هذه النتيجة يعلق وايسبوك فيقول:" ربما تكون للتلفزيون تأثيرات على المشاهدين تتسلل إليهم من مستوى أدنى من أن يشعر به وعيهم.

توحي هذه النتائج التي توصلت إليها دراسة وايسبوك، اذا ما أقرت رسمياً، أنه على الرغم من كل التقدم الذي تحقق في معالجة العرقية في اميركا فان المجتمع هناك قد يكون باقياً على تحيزه ولكن بطرق غير محسوسة، ومن خلال أساليب قد لا نكون حتى قادرين على إدراكها. يقول جون دويفيديو، وهو بروفيسور في علم النفس من جامعة ييل وكتب مؤخرا مقالة افتتاحية رافقت نشر دراسة وايسبوك في مجلة ساينس:"الإنسان كائن قادر على التفكير والتمييز والإدراك، وفي استطاعته وضع خطوط لتصرفاته وتحديد مقاصده وما يريد. ولكننا ايضا كائنات عاطفية تتحكم فيها المشاعر وتصدر منا أمور كثيرة بدون ادراك كامل من جانبنا. والشيء الذي توحي به هذه الدراسة هو أننا على الرغم من كون عقولنا تسير في الإتجاه الصحيح، ورغم اعتقادنا الصادق بأننا غير منحازين، فإن قلوبنا لا تسير في نفس الإتجاه تماما. يقول البروفيسور امبادي أن الاقرار بوجود هذا الإفتراق بين العقل والعاطفة ربما يكون الخطوة الاولى في ردم الفجوة القائمة بينهما. وإذا ما تمكنا من تحديد أين بالضبط تكمن مشاعر الإنحياز الدقيقة، وكيف تتسلل الى ثقافتنا، فإن هذه ستمثل البداية. ولاجل تحقيق ذلك ربما توجب علينا ان نبدا بمشاهدة التلفزيون بطريقة اكثر فعالية وانتباهاً بدلا من الاستغراق بطريقة سلبية وتشرب كل ما نشاهده.

المصدر:alsabah