عمالة الأطفال في العالم العربي ...استثمار تلفزيوني

 

فجر يعقوب

 

 

لو انشغل «أحدنا»، من باب المجاز، بتصوير فيلم تلفزيوني عن عمالة الأطفال في العالم العربي، فما الذي سيكتشفه وهو يسبر عوالم هؤلاء «الأشقياء الصغار» الذين لا تتشابه ظروفهم وعوالمهم في شيء، والذين تحولوا رغما عنهم إلى عبيد من نوع استثنائي ينهشهم الجهل والجوع والفقر والاحتلال، كما هو حال أطفال غزة هذه الأيام لو توقفنا أمام صور كل هؤلاء الأطفال الذين سنشاهدهم في الفيلم المجازي، وهم يتحدثون عن مآسيهم وتسربهم العلني والخافت من المدارس إلى الشوارع ليعيلوا أهاليهم، أو ليبحثوا مع رفقاء السوء عن «آفاق عملية» تجعلهم يكبرون فجأة، فما الذي سنجده حقاً؟!

عمالة الأطفال في العالم العربي، ليست فكرة مغرية من حيث المبدأ، فهي قد استهلكت تماماً، إذ لا يمر يوم إلا ونشاهد برنامجاً أو ريبورتاجاً مصوراً عن أطفال يتم مسخهم واستغلالهم في أوضاع مزرية ومهينة في أنحاء متفرقة من العالم العربي الفسيح، ومن يجد لديه الوقت الإضافي ليمارس هوايته الأثيرة في التنقل أو «القفز الإلكتروني» عبر الفضائيات، ربما يقع يومياً على صور لأطفال عافوا البراءة التي تميز سنواتهم الغضة، لا بل إن بعضهم راح يتحدث أمام كاميرات التلفزيون بلغة يشوبها الحقد والنقمة والقرف، وهي لغة شديدة الشبه بلغة الكبار الذين اقتصت الحياة منهم دفعة واحدة بحرمانهم من التعلم والاستفادة من فرص التربية النفسية السوية والعلمية والمعرفية التي توفرها مقاعد الدراسة لهم، خصوصاً - وهذا أصبح معروفاً، وأكده علماء الاجتماع، وحتى علماء الذرة، وليس آخرهم عبد القدير خان، العالم الباكستاني النووي - أن عدد الخريجين من الجامعات والتنمية المستدامة في صفوفهم هو من يحسم معارك التطلع إلى المستقبل بالطبع ليست هذه دعوة لـ «الاقتصاص» من برامج تروي قصص هؤلاء الأشقياء في صور متلفزة بالإغلاق الأعمى عليها، بل هي فكرة نراها «تتدحرج» مثل كرة الثلج ليتوسع الحديث فيها عن عوالم هذه المخلوقات البريئة لتذهب أبعد في الشرح والتعمق والتوضيح. فلم تعد عمالة الأطفال تقتصر في وجه منها على المتسولين منهم، أو الذين ينتظمون في عصابات التسول التي يجري الحديث عن تشكلها في أكثر من بلد عربي، وكذا الحال أيضاً بالنسبة إلى الذين يعملون في ظروف غير إنسانية وفي «عوالم سفلية وقحة»، يتم الإشارة إليها عرضياً في عدد من تقارير الفضائيات «الخجولة» والحق أنه بعد حرب غزة الأخيرة «استحدثت» أحوال الأطفال في القطاع تحديداً نوعاً من عمالة مخيفة لا يعود هؤلاء فيها ضحايا القصف والدمار والتشريد فقط، بل يصبحون ضحايا لـ «المستثمرين الجدد» الذين يتوالدون مع المصائب كالفطر السام وهم يصرون مع تعاقب صور هؤلاء المتلفزة على «تمجيدهم» من بعيد بالمقالات والخطب النارية والقصائد المدبجة التي لا تعيلهم في شيء نعم هي عمالة غريبة لا تشبه مثيلاتها، وهي تقع في باب المجاز الذي نذهب إليه!

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com