أطفال العراق ضحايا النزاعات المسلحة!

 

جميل عودة

 

 

تُنتهك الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية بشكل مطرد لطائفة كبيرة من المواطنين بسبب نشوب النزاعات والصراعات الداخلية أو الحروب الخارجية، والأطفال والشباب ومنهم النساء على وجه الخصوص هم الفئة الاجتماعية الأكثر عرضة لانتهاك حقوقهم في هذه الحالات، وذلك لأنهم أكثر ضعفا، وأقل قدرة على المطالبة بحقوقهم وحرياتهم. وعندما تضع الحرب أوزارها تستمر محنتهم إلى سنوات عديدة، فآثار الحروب والنزاعات المسلحة في المناطق الساخنة تركت العديد من الأطفال والشباب الأيتام والمعاقين والمشوهين، والأميين والعاطلين عن العمل، والمشردين والنازحين، والفقراء..فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي ترافقهم طيلة حياتهم..ويمثل العراق أكبر دول المنطقة اضطرابا فهو لم يشهد استقرارا سياسيا منذ بدايات القرن العشرين حيث خاضت حكوماته المتعاقبة حروبا قومية وإقليمية، ونزاعات داخلية، كحرب الخليج الأولى "1980-1988" وحرب الخليج الثانية"1990-2003" وما رافقها من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وحرب الخليج الثالثة منذ 2003 والتي مازال الشعب العراقي خاصة الفئات المستضعفة منه كالأطفال والنساء والشباب يدفع فاتورتها في ظل ضعف القانون والسلطة، وسيطرة قوى الإرهاب والتطرف والجماعات الخارجة عن القانون فقد أثبتت دراسة أجراها أطباء نفسيون عراقيون عام 2006، بدعم من منظمة الصحة العالمية، بان 30% من الأطفال الذين شملهم الاستطلاع في مدينة الموصل يعانون من اضطرابات نفسية، فيما تعرض 47%  منهم في بغداد إلى صدمة نفسية شديدة أدت إلى معاناة 14% منهم باضطرابات نفسية شديدة كالاكتئاب والكوابيس والقلق.

"المصدر في بلد النفط: عراقيون يعيشون بصفة موتى، تحقيق عبد الكريم محمد- بغداد،"القبس" الكويتية،3/4/2007 "

والأطفال والشباب المتضررين من النزاعات المسلحة في العراق ينقسمون إلى الفئات الآتية:

1-الأطفال والشباب النازحين أو المهجرين قسرا:

هناك الآلاف من الأطفال والشباب الذين اضطروا مع أسرهم أو بدونها إلى النزوح أو الهجرة قسرا إلى مناطق أخرى، وبسبب عدم قدرة الدولة العراقية على التبني الكامل لحل مشاكلهم من حيث السكن والتعليم والصحة والنقل والحماية، فضلا عن المعيشة اليومية والإطعام فان الكثير منهم مازال يعيش في ظروف قاهرة من شانها أن تقضي على حياة بعضهم أو تساهم في نشأة جيل ناقم وحاقد على مجتمعاتهم أو على المجتمعات التي تحيط بهم.

قال أنطونيو غوتيريس- المفوض الأعلى لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة "ثمة مؤامرة عالمية للتكتم على الأبعاد الإنسانية للأزمة العراقية، فالعالم يشاهد فقط الانفجارات والاشتباكات العسكرية على التلفزيون، ولكنه لا يرى ولا يسمع شيئاً عن موضوع اللاجئين" وتقدر الأمم المتحدة عدد العراقيين المشردين، وبضمنهم آلاف الأطفال، داخل العراق وخارجه، بأكثر من 4 ملايين نسمة، أي ما يوازي 15 بالمائة من مجموع سكان العراق.

2-الأطفال والشباب المعاقين:

 هناك عدد كبير من الأطفال والشباب العراقيين الذين عوقوا بسبب قربهم من ساحات النزاعات والحرب، فمنهم من قطع ذراعه، ومنهم من بتر ساقه، ومنهم من فقد سمعه أو بصره، ومنهم من أصيب بحساسية جراء تلوث البيئة والماء، مضافا إلى وجود العشرات من الأطفال والشباب المشوهين خلقيا بسبب أشعة الأسلحة والذخيرة المستخدمة في الحروب ناهيك عن المخاطر الجسيمة التي من المتوقع أن تسببها آلاف من الألغام تحت الأرض في مناطق مختلفة من العراق فقد أكد ستيفان دي مستورا- نائب المندوب الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسق العام للبرنامج الإنساني في العراق بان الألغام الأرضية تزهق أرواح المئات من الأطفال في العراق، حيث يشكل المدنيون ما لا يقل عن 99 بالمائة من ضحايا الذخائر غير المتفجرة من بقايا الحروب، ويمثل الأطفال دون سن 14 عاماً ربع المجموع الإجمالي للضحايا ويعد الأطفال أكثر عرضة للإصابة أو الموت جراء الجروح الناجمة عن الذخائر غير المتفجرة من الكبار حيث ينجذب الأطفال إلى المنظر الخارجي المتميز وذي الألوان البراقة لهذه الأجسام القاتلة. "المصدر: د.كاظم المقدادي، ملف:محنة الطفولة تهديد خطير لحاضر ومستقبل العراق الجديد"

3-الأطفال والشباب الحاملين للأسلحة الناري:

 لقد كثر في الآونة الأخيرة في العراق عدد الأطفال والشباب الحاملين للأسلحة النارية غير المرخصة، وذلك بسبب ضعف الأجهزة الأمنية والخشية من تعرضهم إلى اعتداء الآخرين من الجماعات المسلحة والمليشيا وفرق الموت والعناصر الإرهابية والمتطرفين والخارجين عن القانون والعصابات، ولا يخلو أي منزل في العراق إلا القليل من وجود قطعة سلاح فيه فقد أكدت بعض الإحصاءات غير الرسمية التي أجرتها الأجهزة الأمنية في العراق أن في كل منزل قطعة سلاح أو أكثر بعضها من نوع الأسلحة الثقيلة، وأن هذه الأسلحة يحملها ويقاتل بها الأطفال والشباب حصرا، وتفقد أسرهم توجيههم أو السيطرة عليهم كما أن الدولة في مناطق عدة تتجاهل مواجهتهم!.

4-الأطفال والشباب غير المتعلمين:

ترك عدد غير قليل من الأطفال والشباب مدارسهم ومعاهدهم التعليمية والتدريبية، والتحقوا بأولاد الشوارع والعصابات والمليشيات المسلحة، وقد ساعدت الحكومات العراقية بسبب الحروب والصراعات على فتح باب التطويع والانخراط في القوات المسلحة غير النظامية كالجيش الشعبي وجيش القدس في عهد النظام العراقي السابق، والانخراط في الأجنحة العسكرية أو العصابات المسلحة في الوقت الحاضر. وبالتالي، فنحن أمام مئات الحالات من الشباب الأميين الحاملين لمفاهيم العنف والقتل دون أن يكون لهم برامج توعوية أو مدارس تربوية يمكن أن يلتحقوا بها وقد أكد تقرير للأمم المتحدة في العراق بأن المدارس والأطفال أصبحوا عرضة للعنف الطائفي، وانخفضت مستويات ذهاب الطلبة إلى المدارس بسبب ازدياد الجرائم التي تستهدف الأطفال، والمدارس، مع ارتفاع وتيرة العنف البربري. واليوم فان عدد التلاميذ المتسربين من المدارس، وتركوا تعليمهم، لا يقل عن ثلثي مجموع التلاميذ العراقيين. هذا ما أكده آخر تقرير لليونسكو، صدر في 27/4/2007، وقال أن 30 بالمائة فقط من التلاميذ العراقيين، من أصل 3 ملايين ونصف مليون تلميذ عراقي، يتابعون تعليمهم.

"المصدر: د.كاظم المقدادي، حذار من الحديد السكراب من مخلفات الحرب! "البيئة والحياة"،العدد الثامن،أيلول 2006.

5-الأطفال والشباب في السجون:

دخل الكثير من الأطفال والشباب السجون بسبب الحروب والصراعات الداخلية كالعراك الشخصي أو بسبب تجنيده ضمن الأجنحة العسكرية للأحزاب السياسية والدينية المتصارعة، ويقبع عدد منهم بالسجون دون تحقيق أو محاكمة وهؤلاء يحتاجون إلى مساعدة قانونية وتحريك الإجراءات القضائية...

6-الأطفال الأيتام:

وهم يشكلون نسبة عالية جدا من أطفال العراق؛ فقد أشارت إحدى الدراسات التي أجرتها منظمة اليونيسيف، ونشرت نتائجها عام 2006، بينت بان عدد الأطفال الأيتام في العراق يقدر بـ 4- 5 ملايين طفل، وأنهم في تزايد نتيجة الأعمال المسلحة والوضع الأمني غير المستقر.

"المصدر:  أطفال العراق .. ضحايا صراعات طائفية وسياسية ،"الجيران" - بغداد"فرانس برس"،21/05/2007:

وقد كشفت عنها النائبة صفية السهيل، قبل أيام، بان عدد الأرامل في العراق يصل إلى أكثر من 3 ملايين امرأة طبقا لدراسات متفرقة أجرتها الأمم المتحدة ومراكز أبحاث. وأضافت: يمكن أن نتصور أعداد الأطفال من خلال أعداد الأرامل"لو افترضنا بأن أقل معدل لأطفال الأسرة الواحدة هو 3 أطفال، فهذا يعني وجود 9 ملايين طفلا يتيماً.."

" المصدر" نعمان الهيمص،"الشرق الأوسط"، 20/5/2006  "

نحن لا يجب أن ننكر المساعدات والمعونات الدولية التي تقدمها بعثات ومكاتب الأمم المتحدة والدول الصديقة والحليفة للعراق لجعل القيم والسلوكيات الاجتماعية في العراق أكثر مساندة وتقبل للبنية السياسية الديمقراطية التي أوجدت بعد 2003 وذلك من خلال الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية وتشجيع مشاركة المرأة في الانتخابات والانفتاح على العالم المتحضر .. ولكن مازال أمامنا الكثير والكثير مما يجب انجازه وتطويره بما فيها توفير الحماية الاجتماعية والقانونية والتربوية والاقتصادية السريعة للعائلة العراقية وللفئات الأكثر ضررا من محاولات القوى المتطرفة الرافضة للتغيير الديمقراطي في العراق لذا يتعين على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية كالمنظمات غير الحكومية الإنسانية القيام بأمرين أساسين على وجه العجالة هما:

الأول: تقديم المساعدة القانونية والإدارية للأطفال والشباب المتضررين من النزاعات المسلحة في مناطق العراق المختلفة ، ذلك بعد أكدت بعض الإحصائيات غير الرسمية لمراكز دراسات وبحوث تعنى بشؤون الأطفال والشباب في العراق على وجود الآلاف من المشاكل القانونية والإدارية العالقة والمتعلقة بالأطفال والشباب المتضررين بصورة مباشرة من العمليات المسلحة، أو بصورة غير مباشرة وذلك بسبب تضرر آبائهم أو أمهاتهم أو أخوانهم أو منازلهم.. حيث يتعذر على هؤلاء المتضررين القيام بالإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لحلها بسبب الخوف، أو الفقر، أو عدم المعرفة، أو اللامبالاة والاقتناع بالأمر الواقع..

الثاني: العمل على إعادة تأهيل الأطفال والشباب المتضررين في مناطق النزاعات المسلحة من النواحي الفكرية والتربوية والتعليمية، والصحية والاقتصادية بما فيها تحسين أوضاعهم المادية، وغيرها وذلك عن طريق إقامة الندوات والورش التربوية والتعليمية لشرح مخاطر النزاعات المسلحة وجني السلاح غير المرخص، وترغيب المتضررين بالعودة إلى المدارس طواعية، وتقديم الدعم الصحي بالتنسيق مع المراكز الصحية للمحتاجين إليه، والاتصال بمكاتب توفير العمل للشباب والأطفال العاطلين عن العمل، واستحصال الموافقات الحكومية لشمولهم بالمعونة المادية لشبكة الحماية الاجتماعية، وما إلى ذلك، إلا  سيشهد العراق في السنوات القادمة كارثة إنسانية من شانها أن تقضي على مسيرة حياة جيلين من  أجيال العراق.

المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر: shrsc