الطفل بين الإسلام والأمم المتحدة

سحر فؤاد

شهدت السنوات العشر الأخيرة سعياً محموماً من الغرب لفرض نظمه الاجتماعية والاقتصادية والتربوية على بقية شعوب العالم وثقافاته، ليس من قبيل عرض التجربة وترك الآخرين ينتقون منها، وإنما عبر تقنينها باتفاقيات دولية ملزمة ترعاها منظمات دولية، تملك من آليات المراقبة والمتابعة ـ بل وفرض العقوبات ـ ما يضمن تنفيذ تلك النظم.

وقد كان العالم الإسلامي هو المستهدف من  هذه الهجمة الغربية المنظمة التي تجري فصولها على مرأى ومسمع من الجميع، بل وتنجرف مجموعة من الكتاب العرب المسلمين –وللأسف- لتأييد الغرب فيما يذهب إليه أياً كان.

ما يهمنا في هذا الحقل هو مجال الأسرة والطفولة والأمومة، فقد تابعنا جميعاً مؤتمر القاهرة للأسرة، الذي أعقبه مؤتمر بكين، ثم بكين + 5، حيث سعت البلدان الغربية إلى فرض النموذج الغربي القائم على الإباحية في العلاقات الاجتماعية، وتجاوز الأسرة كمفهوم اجتماعي فطري عرفته البشرية منذ بدايتها، وذلك لصالح نماذج من العلاقات (اللاعلاقات) التي شهدها الغرب، التي أفرزت مجتمعات غاية في الغرابة:  ففي البلدان الاسكندنافية (السويد والنرويج والدانمرك) وصلت نسبة أبناء الزنا إلى أكثر من نصف عدد المواليد الجدد، بل إن من بين هؤلاء الأبناء من أصبح الآن جَدَّاً،  فإذا سارت البشرية على هذا النموذج فما الذي يمكن أن تصل إليه؟!

آخر المحاولات الغربية المحمومة لفرض قيمه انصبت على الأطفال، ذلك أن محاولاتها السابقة واجهت سيلاً من الاعتراضات من أصحاب الفطر السليمة (حتى من بين البلدان الغربية نفسها)، ولذا يجيء التركيز الآن على الأطفال من قبيل "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، فتربيةالأطفال وصياغة عقولهم منذ الصغر وفق النموذج الغربي تعني أنهم سيتحمسون لهذا النمط من الحياة عندما يكبرون.

فبعد عشر سنوات من انعقاد "قمة الطفل" التي اعتمدت وثيقة لحقوق الطفل – رغم تحفظات بعض الدول عليها – ستعقد الأمم المتحدة جلسة خاصة للجمعية العمومية في يونيو 2002م (والذي كان مزمعاً عقده في سبتمبر 2001م) بهدف اعتماد وثيقة جديدة للطفل، بعنوان "عالم جدير بالأطفال"  تمت مناقشتها على مدى ثلاثة مؤتمرات تحضيرية، من يونيو 2000م وحتى يونيو 2001م.

مضمون الوثيقة أثار موجات متتالية من الاعتراض من قبل المنظمات الإسلامية (والمسيحية أيضاً)؛ لما جاء فيها من منافاة لأبسط قواعد الفطرة، ناهيك بالقيم والأخلاق الإسلامية.

ائتلاف المنظمات الإسلامية الذي يضم عشرين منظمة ـ على رأسها المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، واللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، والندوة العالمية للشباب الإسلامي ـ أعد وثيقة بديلة لوثيقة الأمم المتحدة؛ لخطورتها على المجتمعات العربية والإسلامية وعلى القيم والتعاليم الدينية، حيث تحتوي على أيديولوجية غربية غريبة عن الواقع العربي الإسلامي، فهي تتحدث في مجملها عن تمكين الطفل بشكل يخرجه من سلطة الأسرة والأبوين على النسق الغربي، فالوثيقة تدعو إلى تآكل السلطة الأبوية والمدرسية بشكل واضح، وتضع بدلاً منها مؤسسات الدولة،  حتى إن كلمة "أسرة" في وثيقة كهذه – للأطفال – لم ترد إلا مرتين أو ثلاثة على الأكثر، فالتعامل مع الطفل يتم بطريقة فردية، كما تم التعامل مع المرأة من قبل في وثيقة "بكين" خارج الإطار الأسري والاجتماعي.

والوثيقة رغم كونها للأطفال إلا أنها مستغرقة في كم رهيب من المفاهيم الجنسية تحت دعوى أن الطفل هو من يندرج تحت عمر 18 سنة، وبذلك فإن المشاكل الجنسية تدخل في اختصاص الوثيقة؛ لمناسبة هذه المرحلة السنية للطفل.

كما تدعو الوثيقة إلى إباحية الإجهاض والحرية الجنسية قبل الزواج، وحق البنات في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية كتنظيم الأسرة، كما تطالب أيضاً بضرورة تدريس الجنس في المدارس، وتضع تصورات لمناهج الثقافة الجنسية للأطفال خارج نطاق الأسرة بشكل يثير الفوضى الأخلاقية، ويدمر براءة الأطفال في الأجيال القادمة، ويجعلها نموذجاً للطفولة الغربية المفعمة بالعنف والاستحواذ الجنسي،  كما تعتبر الوثيقة أن الدفاع عن النفس والوطن يعد إرهاباً.

وإضافة إلى إهمال دور الأسرة ودور الدين في تنمية الطفل، كان من نقاط الضعف بوثيقة الأمم المتحدة "عالم جدير بالأطفال" حرصها الشديد على إعطاء كل الحقوق للأطفال، دون مطالبتهم بأي واجبات أو التزامات نحو أسرهم، الأمر الذي يزرع في نفوسهم الأنانية وحب الذات،  كما يغلب على بنود الوثيقة التظاهر بالاهتمام بحقوق الأطفال، بينما يتعرض الأطفال للقتل والتشريد والإصابة بالسرطان في كثير من المناطق، مثل العراق وفلسطين والشيشان وغيرها.

ولتأكيد التزام الدول بالتطبيق تطالب الوثيقة بالمراقبة والمحاسبة للحكومات على تطبيق البنود الجديدة.

وقد نجح ائتلاف المنظمات الإسلامية في الحصول على توقيع 70 منظمة وهيئة ومؤسسة عربية وإسلامية وعالمية، تأييداً للوثيقة الإسلامية البديلة التي تتبنى نشر ثقافة العفة في مواجهة الثقافة الغربية الإباحية التي تروج لها وثيقة الأمم المتحدة.

وقد توقفت الوثيقة الإسلامية البديلة أمام البنود التي تتعارض تعارضاً صريحاً مع الشريعة الإسلامية الغراء، ووضعت البديل الإسلامي لها، تارة بالحذف من تلك البنود، وأخرى بالإضافة إليها، وثالثة بتغيير بعض الجمل والعبارات،  ومن أمثلة ذلك ما يلي:

- استبدال كلمة "نوع" المكررة في معظم بنود الوثيقة باستعمال كلمة "جنس" بدلاً منها، حيث يعتبر مصطلح "نوع" إفرازاً لفلسفة نسوية راديكالية ترمي إلى إلغاء جميع الفوارق البيولوجية والنفسية والأدوار الحياتية بين الذكور والإناث، واستخدام هذا المصطلح من معطيات هذه الفلسفة لإقرار الشذوذ الجنسي في المجتمعات.

وقد تكرر استخدام هذا المصطلح في البنود رقـم ( 6، 21، 22، 23، 35، 36، 42).

-  مطالبة الوثيقة بالمساواة التامة بين الجنسية والتعبير عن أي نوع من أنواع عدم المساواة بمصطلح "التمييز" أثار قلق المنظمات الإسلامية من إمكانية اصطدامه مع معطيات الشريعة الإسلامية؛ لذا اقترحت ضرورة التفريق بين "التمييز العادل" كالتمييز في الميراث مثلاً، "والتمييز غير العادل" مثل التمييز في فرص التعليم والصحة وغيرها (البنود 6، 18، 21، 22، 23، 36).

ـ وتأكيداً لأهمية دور الدين في حياة الطفل وضرورة حمايته من أخطار العولمة الغربية، بالحفاظ على هويته الثقافية، تضمنت الوثيقة الإسلامية البديلة عبارة "تعزيز إنماء الطفل دينياً وروحياً وأخلاقياً"، إضافة إلى الفقرات الخاصة بتعزيز "إنماء الطفل جسدياً واجتماعياًوعاطفياً وعقلياً"، وإضافة: "مع احترام الاختلافات الثقافية والاحتفاظ بالهويـات الثقافيـة والأخلاقيات ونظـم القيم" (البنود رقم 12، 17، 32، 33، 36، 42).

ـ وحفاظاً على دور الأسرة وأثر الوالدين في حياة الطفل، حرصت الوثيقة الإسلامية البديلة على تضمين عبارة "في إطار الأسرة مع احترام حقوق ومسؤوليات الوالدين أو الأوصياء القانونيين" بالفقرات الخاصة بـ "حق الأطفال في التعبير والمشاركة في صنع القرار"، وكذلك بالفقرةالخاصة بـ "تحقيق الحياة الصحية ومكافحة الأمراض المعدية" (البنود رقم 6، 13، 29، 43).

ـوفيما يتعلق بتعزيز الحياة الصحية للأطفال حرصت المنظمات الإسلامية على حذف العبارات الخاصة بـ "الرعاية الجنسية للمراهقين" و "حق المراهقين في التوعية الجنسية والصحة الإنجابية" واستعمال عبارة "حماية حق المراهقين في التوعية بثقافة العفة"، وكذلك استعمال عبارة "تنظيم الأسرة والرعاية عند الولادة للأزواج" بدلاً من مصطلح "الصحة الإنجابية"  (البنود رقم 21، 33، 42).

.....ومن ناحية أخرى حرصت الوثيقة الإسلامية البديلة على تأكيد سلطة الدولة واحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وذلك من خلال إضافة عبارة "مع مراعاة التحفظات التي أبدتها كافة الدول الأطراف في هذه الوثائق" للفقرة الخاصة بتشجيع جميع الدول على التوقيع والإقرار وتنفيذ الوثائق الخاصة باتفاقية حقوق الطفـــل، وإضافة عبارة "بدون التدخل في سيادة الدولة والشؤون الداخلية لها" للفقرات الخاصة بمتابعة ومراقبة تنفيذ بنود اتفاقيات الأمم المتحدة.  (بنود رقـــم 13، 27، 47، 56).

ورغم أهمية التعديلات التي أدخلها ائتلاف المنظمات الإسلامية على وثيقة الأمم المتحدة "عالم جدير بالأطفال" إلا أنها تظل مجرد اقتراحات تحتاج إلى تبنٍّ رسمي من البلدان الإسلامية الأعضاء في الأمم المتحدة التي يحق لها التحفظ على ما ترى من بنود لا توافق عليها في الوثيقة.

ولذا حدد ائتلاف المنظمات الإسلامية عدة مطالب عاجلة، أكد ضرورة الوفاء بها قبيل وأثناء عقد الجلسة الخاصة للأمم المتحدة، ومنها:

ـدعوة أكبر عدد من المنظمات الإسلامية والهيئات الإسلامية للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة، للتحفظ على المخالفات الواردة بالوثيقة، وتبني الوثيقة الإسلامية البديلة.

-  على المنظمات الإسلامية القيام بحملات إعلامية مكثفة لتوعية الرأي العام بما تحويه وثيقة الأمم المتحدة من محاولات لطمس الخصوصيات الدينية والثقافية للطفل في بلادنا.

-  تأكيد أهمية قيام المؤسسات الدينية المعنية ـ وبخاصة مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، والمجمع الفقهي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، وغيرها من المنظمات الإسلامية الكبرى ـ  بإصدار بيانات تعبر عن موقف الإسلام من هذه الوثيقة.

ـ عقد مؤتمرات وندوات، وإقامة المحاضرات التي تبرز حقوق الطفل في الإسلام، والرعاية التي أحاطه بها في شتى المجالات.

 - توثيق التعاون والتنسيق بين الوفود الرسمية للدول العربية والإسلامية وممثلي المنظمات الأهلية حول النقاط المشتركة وتوحيد الموقف بشأنها.

وبعد.. فإن هذه الوثيقة "عالم جدير بالأطفال" وغيرها من الوثائق التي تصدرها الأمم المتحدة – لاسيما الاجتماعية – تكشف عن مدى تقصيرنا في عرض بضاعة الإسلام الناصعة في هذا الصدد، حيث اقتصر همنا على مجرد التحفظ على بند أو فقرة أو استبدال عبارة أو حذفها، رغم أن مالدينا يقدم بديلاً شاملاً – لا ترقيعي أو تلفيقي – ينقذ البشرية من هذا التهتك والإباحية التي تكاد تفتك بالإنسان في عالم حضارة المادة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: lahaonline