كيف نقرأ خريطة السعادة في العالم؟

 

إيريك وينر

 

 

فيما يدخل العالم سنة أخرى جديدة مازالت عقدة الذاتية، أو الاتكال الكلي على الذات لبلوغ السعادة سائدة ومهيمنة على العقول. لذا تكثر النصائح حول ضرورة تخسيس وزننا، أو بناء العضلات، أو تغيير المظهر الخارجي، وكل ذلك بحثاً عن السعادة وجرياً وراء حالة الرضا الداخلي وإذا كانت سنوات السبعينيات أطلق عليها "عقد الأنا"، فإن السنوات الأولى من الألفية الثالثة يمكن أن تسمى "عقد الأنت". والواقع أن الاختلاف طفيف بين العقدين لأنهما ينهلان معاً من فكرة راسخة لدى الأميركيين من أن السعادة تكمن في الداخل وتتمحور حول الذات سواء كانت ذاتي، أو ذات أي شخص آخر. لكن التركيز على الذاتية التي تحولت لاحقاً إلى صناعة تنتج الكتب والأفكار الرامية إلى إقناعنا بسعادة وهمية نابعة من الداخل أثبتت عقمها، كما أثبتت تلك الأفكار ضحالتها وبعدها عن الواقع فقد كشف علماء الاجتماع الذين يدرسون محددات السعادة ويسعون إلى وصفها أن العوامل الخارجية مثل طبيعة الحكم، والعلاقات الاجتماعية، وإلى حد ما المال تلعب دوراً كبيراً في تحقيق السعادة أكثر من أي شيء آخر. وبعبارة أخرى ليست السعادة ثاوية في دواخلنا كما يذهب إلى ذلك البعض، بل هي تكمن خارج الذات. لكن أي نوع من العوامل الخارجية يؤثر على حالة السعادة التي يشعر بها الناس؟ هنا لا بد من الإشارة إلى أن مستويات السعادة على الصعيد العالمي تختلف من شعب إلى آخر، حيث يبدو سكان ملدوفيا أقل مرحاً من الدانماركيين مثلا وقد وضع مؤخراً علماء النفس في جامعة ليكيستر البريطانية أول خريطة عالمية للسعادة، حيث اعتمدوا على بيانات يوفرها علم السعادة الجديد لوضع خريطة ملونة ترسم مناطق السعادة في العالم من الجزائر إلى زيمبابوي. والنتيجة أن السعادة ليست مرتبطة بمنطقة بعينها، أو "طاقة" غامضة توجد في مكان وتنعدم في آخر، بل ترجع أساساً إلى الثقافة الوطنية، حيث توجد ثقافات أفضل من غيرها في إنتاج مواطنين سعداء وليس غريباً أن يكون مواطنو الدول الديمقراطية أكثر سعادة من الدول الديكتاتورية، رغم أنه ليس واضحاً بعد من يؤثر في من، ومن هنا يأتي التساؤل التالي: هل الدول السعيدة هي التي تتبنى الديمقراطية، أم العكس؟ وكشف العلماء أيضاً أن الثقة في الآخرين أحد العوامل المحددة للسعادة، وهو أمر قد لا يروق لمناصري السعادة على الطريقة الأميركية فقد أبرزت استطلاعات الرأي أن 58% من الأميركيين خلال عقد الستينيات كانوا يشعرون بالثقة في الآخر، بينما تردت تلك النسبة إلى 35% في التسعينيات. والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة التي تعتبر الأقوى عسكرياً واقتصادياً في العالم تحتل موقعاً متواضعاً في خريطة العالم للسعادة. وخلافاً للولايات المتحدة تحتل أميركا اللاتينية موقعاً متقدماً، إذ تعتبر إحدى أسعد المناطق في العالم، بالرغم من فقرها النسبي ووضعها السياسي المضطرب إلى درجة أن الباحثين أطلقوا عليها اسم "الظاهرة اللاتينية". ولعل السبب وراء ذلك هو متانة العلاقات العائلية السائدة في أميركا اللاتينية، والتي يمكن العثور عليها أيضاً لدى المواطنين الأميركيين من أصول لاتينية وإذا كانت مقولة الفيلسوف "جون بول سارتر" الشهيرة "الجحيم هو الآخر" ترى الشقاء في العلاقات الاجتماعية، فإنه لا بد قد أخطأ التعبير، أو ربما كان يخالط الرفاق غير المناسبين. فقد كشف الباحثون في علم الاجتماع أن أكبر محدد للسعادة هو حجم العلاقات الاجتماعية وجودتها. واللافت أن هذه العلاقات، أو طبيعة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض تختلف من دولة لأخرى، وبدرجة أقل من مدينة إلى أخرى، وهي اختلافات تظل قائمة رغم تطور تكنولوجيا الاتصالات وظهور الهواتف النقالة والإنترنت، وباقي الوسائل الحديثة التي قربت المسافات.

فوفقاً للمدافعين عن تطور وسائل الاتصال وإلغائها للحيز المكاني يمكن تحقيق السعادة في أي مكان؛ والحال أن الأطروحات التي تتحدث عن موت المكان وأفول الجغرافيا تنطوي على الكثير من المبالغة. فالغالبية العظمى من المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني نادراً ما تجتاز الحدود الوطنية، وحتى الإنترنت تعتبر وسيلة محلية بامتياز، حيث معظم المستخدمين يطالعون أخبار الرياضة، أو حالة الطقس في بلدانهم ومع أن قوى العولمة الكاسحة سعت إلى إلغاء الحدود وتقليص المسافات، إلا أنه لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تلعبه الجغرافيا في تحديد مستويات السعادة. ولعل ذلك ما يفسر لماذا يقدم حوالي أربعين مليون أميركي على تغيير مقرات إقامتهم كل سنة والذهاب إلى أماكن أخرى سعياً وراء الأفضل والأقرب إلى السعادة ويبدو أن التكنولوجيا الحديثة بكل ترسانتها المتطورة بدلاً من أن تروي عطشنا في الانتقال وإقناعنا بالبقاء والاستقرار، إنما ساهمت في تأجيج توقنا نحو النزوح والبحث عن الأفضل.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-11-1-2008