المدرسة وصناعة المستقبل .. النشاط المدرسي انموذجاً

 

ضياء الجصاني

 

 

تعد المدرسة واحدة من بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وهي كمؤسسة تربوية تعتمد لتحقيق أهدافها، منظومة واسعة ومعقدة من الأدوات والفعاليات، ذات العلاقة المباشرة بارساء الكثير من السمات، العقلية والوجدانية والبدنية المميزة للشخصية وعلى وفق ما هو مرسوم ومخطط لها من الأهداف. ومن المؤكد ان اهداف المدرسة ترتبط ارتباطاً وظيفياً وحيوياً، بفلسفة تربوية وفكر تربوي، تفرضهما وقائع وحاجات مجتمعية واقتصادية وثقافية، تكون بمجموعها اطاراً عاماً تتحرك في فضائه، البنى المؤسسية الفاعلة في مجتمع ما، لتحقيق أهداف وغايات تفرضها استحقاقات متجددة.

كل ذلك ليس ثوابت أزلية، بل انها ولأسباب كثيرة متغيرات متحركة اقداماً أو نكوصاً، طالما ان التغيير الاجتماعي هو حتمية تقتضيها حركة الحياة نفسها، وهو ما يضع التربية بفلسفتها وفكرها ومؤسساتها، امام تحديات مستدامة لا فكاك منها ولافرار. ولعل نجاعة النظام التربوي اياً كان وحيويته، انما تقاس بقدرته على التكيف لما يستجد، من الوقائع والحاجات التي تفرضها التحولات، مهما كانت درجتها وطبيعتها. بخاصة وان النظام التربوي ولأسباب كثيرة، هو من بين كل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، يعدّ الأقل محافظة، والأكثر قدرة على مجاراة التغيير الاجتماعي، والاستجابة لما يتطلبه من سمات وخصائص سلوكية جديدة، عندما تتوفر الارادة الوطنية الواعية، لصناعة الشخصية الوطنية القادرة على تمثيل المستجدات، والتكيف لها تكيفاً خلاقاً يجعل من الانسان/ الفرد/ المواطن، قدرة واعية ومؤثرة وبناءة في تقويم التحولات، ومجاراتها بطاقات خلاقة ومتجددة، بخاصة وان هذه التحولات ستمتد نتائجها لعقود متعددة، وهي بطبيعة الحال سوف تشغل أجيالاً قادمة.

واذا كان المستقبل ومن جوانب متعددة مرتهنا بالحاضر، فان الطفولة اليوم هي واحدة من أكثر رهانات الغد اهميةً، بل وليس من المبالغة القول: انك ان كنت تريد قراءة الغد فاقرأه بعيون الطفولة، ولعل مساحة واسعة من طفولتنا، انما تتشكل ملامحها في ساحات المدارس، وفي فناءات الدرس وحجرات الدراسة. ومن الأهمية بمكان وبخاصة في مراحل تاريخية معينة، وعندما يكون هذا المجتمع أو ذاك، يعاني من تغيرات جوهرية وجذرية وشاملة، ان يعمد المعنيون الى معاينة نظامهم التعليمي، بهدف تقويمه والبحث في مكامن الخلل فيه، والتحري عن ما يعتوره من البنى المرتهنة للماضي، والتي يمكن ان تكون مصدات تعسفية مؤثرة، لما يُنتظر من مخرجاته المعرفية والسلوكية.

سلوكيات مدانة

ان ما يشهده العراق اليوم، من احداث صعبة، وما يعانيه من تحولات مشوبة بالعنف، انما يكمن جانب منه فضلاً عن عوامل أخرى، في طبيعة الشخصية العراقية التي وسمتها عقود من الحروب، بما جرته على المجتمع من مشاكل خطيرة، كالبطالة والفقر والتراجع المعرفي والثقافي، وتفشي الأمية بشقيها الأبجدي والمعرفي /التقني، وهيمنة الخوف وتفشي ثقافة الريبة، بديلاً عن الشعور بالامان وثقافة ( الثقة ). وقد اقترنت هذه المشكلات، بفترات تاريخية عصيبة، كان من بين ثمارها المسمومة، تراجع دولة المؤسسات ، لصالح مرجعيات اجتماعية تقليدية، قوامها عصبية القبيلة والدين والمذهب أو الطائفة، وانحسار سيادة القانون، لصالح الفرد القابض على السلطة، اياً كانت صفته ورتبته. وبوسع الباحث في الشخصية العراقية اليوم، ان يلاحظ من دون عناء كثير، ما لحق بها من اصابات مؤثرة، أشاعت الكثير من مظاهر السلوك الجانح نحو العنف، والتطرف والنزعة الجامحة الى فرض الذات، واقصاء الآخر وتهميشه من خلال عملية متعسفة، لإعادة رسم الأدوار وتحديد العلاقات الاجتماعية، في فضاء اجتماعي مضطرب، سادت به معايير القرابة والمصالح الضيقة، على حساب معايير الوطنية وقيم المواطنة.ان صناعة المستقبل، من خلال اعادة تأهيل السلوك والشخصية وتقويمهما، بما يتناسب والتحولات الجديدة، هي من العمليات الشاقة والمعقدة، وهي اذا ما تجاوزنا بعدها الآني، المتعلق بما هو سائد من العلاقات والأدوار والمواضعات السلوكية الشائعة، وما تتطلبه من تعديل وتأهيل بالطرائق والآليات المعروفة، فانها في بعدها الآخر المرتهن للمستقبل، قد تتطلب مديات زمنية تستغرق أجيالاً قادمة. وستكون المدرسة هي الورشة المجتمعية الأكثر حيوية وأهمية، وستشكل مخرجاتها المعرفية والسلوكية، القوى الأكثر تأثيراً بما ستتوسم به شخصية الغد وبالتالي مجتمعه. ولكي تساير هذه المخرجات وبشكل ايجابي ومتصاعد، الحاجات الحيوية للمستقبل، ومعطياته الثقافية المعرفية والسلوكية، ولكي نعوض الخلل البنيوي المزمن، الذي تتسم به الأسرة، وما يسودها من طرائق التنشئة الاجتماعية المتخلفة، فضلاً عن طبيعتها المحافظة، فلا مناص من مواجهة استحقاقات المستقبل بشخصية وطنية، متحررة من أمراض الحاضر وعقده. واحسب ان تحقيق مثل هذه المهام، لا يمكن ان تتحقق من دون عملية نقدية شاملة، ومراجعة عقلانية واعية، للنظام التربوي الوطني بكل وقائعه ونظمه الفاعلة، وهو ما يعني تفكيكه بنيوياً،  كمقدمة موضوعية مضمونة النتائج، لتحقيق بيئة تربوية فعالة، وقادرة على الاستجابة المرنة، لاستحقاقات التحول الاجتماعي، الذي يتطلب انماطا من السلوك، وانساقا من الثقافة تختلف عما هو سائد اليوم. 

نماذج النشاط الدراسي

الدراسة هي في حقيقتها مجس محدود القدرة، لميدان يتسع لآماد من البحث والتقصي، فسوف نكتفي بالاشارة الى نماذج من النشاط المدرسي، كما تعبر عنه بعض الفعاليات العملية والاجرائية، خارج مساحة النشاط المعرفي التقليدي، الذي يعتمد في الغالب، الدرس المعرفي النظري الذي ينجز داخل حجرات الدراسة. مؤكدين على (أغاني الطفولة والأناشيد المدرسية، والمسرح المدرسي، والمرسم والألعاب الحرة، والالعاب الرياضية المعيارية، ودروس المحادثة والقراءة، والمكتبة المدرسية، والمسرح المدرسي)، كعينة انتقائية من مجمل الفعاليات المدرسية المنهجية الصفية واللاصفية، وهي جميعها قادرة على اغناء البيئة المدرسية، واضفاء طابع الحيوية على الجو المدرسي، وتهيئة الفرص البناءة للتلاميذ والطلبة، للتعبير عن قدراتهم وتنمية مواهبهم، واستنفاد طاقاتهم الحيوية بطرائق ايجابية بناءة، وتنقية الجو المدرسي من الرتابة وعوامل التوتر، التي تعدّ من بين اكثر العوامل، اثارة لنوازع الشغب والنفور من الدرس، والتمرد على النظام، وما تفرزه هذه المظاهر من النتائج، التي تعاني منها الادارات المدرسية، كما يعاني منها المعلمون والمدرسون، فضلاً عن التلاميذ والطلبة انفسهم.

المكونات السلوكية للعملية التربوية

ولعل من فضائل هذه النماذج من الانشطة المدرسية، انها توفر للعملية التعليمية، بيئة تربوية طبيعية خصبة، لتنمية المهارات السلوكية، المرتبطة بما يتحصل عليه التلاميذ، من المعرفة النظرية البحتة، وهي بهذا تعطي للعملية التعليمية، مناعة تعصمها من الانغلاق المعرفي، والجنوح للتلقين المحض، والحؤول دون تحول المجهود التعليمي، الى مجرد طقوس ( كتاتيبية ) صماء وعقيمة، وهو ما يعاني منه اليوم نظامنا التربوي للأسف. ولا جدال بان الاغراض النهائية للنظام التعليمي، أياً كان هذا النظام، هي اهداف تربوية (سلوكية)، وان هذه الاهداف لا ولن تتحقق، ما لم تتحول المخرجات التعليمية (المعرفية)، الى مخرجات سلوكية تتوسم بمقتضاها شخصية المتعلم، وهي قد تعبر عن نفسها بنظام من المهارات الحركية، وانساق من قدرات عقلية فكرية مبدعة، وسمات نفسية انفعالية ايجابية وخلاقة. ان المكونات السلوكية لهذه الفعاليات، ستكون لو احسن استثمارها، حاضنة مثالية لتحصيل ما لا يحصى، من المهارات والعادات السلوكية الضرورية، المرتبطة بفنون التعامل مع الآخر، وتنمية القدرات العقلية، والسمات الانفعالية والمهارات السلوكية، الضرورية لقبول المختلف ومعايشته والتعايش معه. وهي انما تحقق كل ذلك، بما توفره من الخبرات العملية والمباشرة، وما تحفزه في شخصية الطفل والناشئة، من قدرة عملية على التمييز، المستند الى المعايرة الموضوعية، بين انماط متضادة من السلوك، من بينهـا على سبيل المثـال لا الحصر، سلوك (التغالب /التعـاون )، وسلوك (التنافس/ التصارع)، وسلوك ( التشدد/ التسامح). وليس ثمةَ شك بان هذه النماذج وسواها، هي في النهاية مكونات قيمية، يفترض ان تتشكل بطريقة متوازنة وتعتمد التجريب والممارسة، وهي تعدُّ في النهاية شرطاً حيوياً، لتنمية شخصية سليمة وايجابية وبناءة. ومن الواضح ان الممارسة العملية، ومواجهة كل هذه النماذج من خلال مواقف اجرائية، ستعمق وعي المتعلم بها، وستمنحه حرية اختيار ما هو ايجابي وبناء منها، وما يحضى بالتعزيز والمكافأة الميدانية المباشرة، لا التلقين وتلقي الأوامر والتعليمات، المعززة بالعقوبات البدنية المشددة، او بالتهديد بهذه العقوبات.

والجانب المهم الآخر في هذه الأنشطة، انها انشطة مساندة للدرس المعرفي النظري، ومتممة له في الكثير من الحالات، اذ ان كل ما يتعلمه الطالب في حجرة الدرس، وفي المواد الدراسية كافةً، لا يتعدى كونه، مجموعة من الحقائق ( النسبية طبعاً)، والمعلومات والمبادئ والقواعد والقوانين، التي يتم تضمينها في الكتاب المقرر. وهي سواء كانت بشكل نصوص لغوية، او جمل او مفردات او رموز او أرقام، سيعمد المتعلم الى تلقنها وحفظها، لكنها سرعان ما تندثر ويلفها النسيان، مهما عمد المتعلم الى استذكارها بالمراجعة والدرس. كما انها أياً كانت قيمتها العلمية، ستكون لا معنى لها ان لم تأخذ طريقها، الى التطبيق وتشعر المتعلم بالمنفعة، بما يمكن ان تضفيه على حياته من مردودات محسوسة، وعلى سبيل المثال، فان ما يتعلمه المتعلم من قواعد اللغة، او من القوانين العلمية، او طرائق التعامل مع عناصر البيئة المتنوعة، ستكون في النهاية عبئا تعليمياً، مضافاً الى ما ينوء بحمله المتعلم من الأعباء. ولو اننا نجحنا، باستخدام بعض الفعاليات السلوكية (النشاط)، بتحويل هذه التعليمات، الى مهارات سلوكية يتحسس المتعلم، مردوداتها بشكل عملي، بما تضفي عليه من تحسن، في جوانب محددة من أدائه السلوكي، نكون قد حققنا هدفاً حيوياً من اهداف العملية التربوية. ان ما يتعلمه الطالب من قواعد اللغة، يمكن ان يتحول عن طريق النشاط الخطابي او المسرحي، او عن طريق اداء بعض الأغاني والأناشيد، الى مهارات سلوكية لغوية، تتمثل بما يتحقق للمتعلم، من الطلاقة اللغوية والفصاحة وقوة التعبير، وهي جميعها أهداف يتوخاها المنهج، لتعليم اللغة في المدرسة، والتي قد يتم التعبير عنها، باكتساب المتعلم، الاداء اللغوي السليم، وقل الشيء نفسه عن المهارات العلمية المتنوعة.  ويمكن للفعاليات والأنشطة المدرسية العملية، سواء منها ما كان منهجياً او غير منهجي، أو ما كان منها صفياً او غير صفي، يمكن توظيفها بنجاح فائق، لتوفير فرص نموذجية للعلاج السلوكي الجمعي، للكثير من انماط السلوك المضطرب، الذي تضج به ساحات المدرسة وفناءاتها. فالتسرب المدرسي، وسلوك العدوان واللجوء الى العنف، والنزوع نحو السيطرة والتحكم بالآخرين،وانواع لا حصر لها من الصراعات العنيفة، ونماذج عديدة من النزاعات، وسواها من المشكلات السلوكية، التي تقض مضاجع المعلمين والمدرسين وأولياء الأمور، يمكن التعامل معها بايجابية أكثر، اذا نحن عمدنا الى تفعيل بعض الفعاليات، والمناشط الصفية واللاصفية، واستثمارها بطريقة حكيمة. ومرةً اخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان بوسعنا لو اردنا، ان نخلق من دروس المحادثة، فرصاً للنقاش الهادئ، وفتح الحوارات البناءة، لمناقشة الكثير من المشكلات، التي تحظى باهتمام التلاميذ والطلبة، كما ان بوسعنا ان نرتقي بنظام مراقبي الصفوف، ومراقبي الساحة المدرسية، الى لجان فاعلة لفض النزاعات، بعد ان نشرك معهم، مجاميع أخرى من التلاميذ أو الطلبة، ممن نتوسم بهم الحصافة والقدرة على القيادة. وبتقديري فان نظام المراقبة هذا، اذا أريد اصلاحه فعلاً، فان اول ما ينبغي فعله، هو الخروج به من وظيفته (الانضباطية) القمعية، الى وظائف ادارية تعاونية، تسهم بتعميق وعي التلاميذ والطلبة، بقواعد النظام العام، ومساعدتهم على حسن تطبيق تلك القواعد، كما ان انتخاب اعضاء اللجان والهيئات المختلفة وقياداتها، هو الآخر من شأنه ان يرسخ أعرافاً مدرسية، تستندعي قواعد السلوك الانتخابي، في الترشيح والانتخاب.

الخاتمة

حاولنا في هذه الدراسة ان يسلط الأضواء على واحدة من أهم معضلات نظامنا المدرسي. اذ من المعروف ان العملية التعليمية اليوم، لا تعدو ان تكون إنموذجاً محدثاً، لتعليم القرن التاسع عشر، كما ان مدارسنا عدا استثناءات محدودة جداً، لا تعدو ان تكون صورة ممسوخة، لكتاتيب ذلك العصر. وقد اصبح التعليم عندنا عملية قسرية، يتعرض خلالها المتعلم الى مستويات فائقة، من التعسف والعنت، وظلت العصا هي الأداة التربوية التي تحظى بالأولوية، بعد ان حرمت مدارسنا، من كل ما يمت بصلة لتكنولوجيا التعليم، وجُرد معلمينا ومدرسينا من مهارات استخدامها. ولقد فضلنا الكتابة في النشاط المدرسي، لإعتقادنا الراسخ، بان لا اصلاح يرجى للنظام التربوي في العراق، طالما ظل واقفاً على ساق واحدة، غير كفوءة، ونحن نهمل عن عمد وسبق اصرار، الشطر الحيوي المرتبط بالوظيفة التربوية للنظام. هذه الوظيفة التي تعني تقويم سلوك المتعلم، وتنمية قدراته البدنية والعقلية والوجدانية، وهو ما لا يكتمل بالتعليم وحده، بل ان ما يتعلمه المتعلم من المعرفة البحتة، سيفقد قيمته مع الزمن، وسيؤول الى النسيان، اذا لم يتحول الى اداء سلوكي، وهو ما تعنيه التربية ويستكمل التعليم به عدته.