الطفل العربي والمواقع الالكترونية

 

السيد نجم

 

منذ نشر كتاب "إميل" في القرن 18 بقلم الفيلسوف (جان جاك روسو) بدأ الاهتمام بدراسة الطفل كإنسان حر. الأمر الذي راج وتأكد مع القرن العشرين، حيث شكلت الطفولة كظاهرة سيكولوجية وسوسيولوجية محور الكثير من الأبحاث والدراسات التي تناولت هذه المرحلة من منظور شمولي متكامل، للكشف عن علاقات التفاعل والتأثير المتبادل بين جميع الدوافع والمتغيرات الذاتية والموضوعية والاجتماعية والثقافية، حتى إن هذه التطورات الحديثة التي مست الطفل والطفولة أدت في المجال الأدبي والفني إلى إنتاج ثقافي موجه للأطفال. يتجلى ذلك في كل الأجناس الأدبية والفنية من شعر ومسرح وتشكيل وموسيقى وقصة. كما تجلى مع كل منجز تكنولوجي جديد له تأثيره على الإبداع.. فكما نال الطفل مع التقنية الورقية، وتعددت أشكال كتاب الطفل، وأصبح لعبة في مرحلة عمرية معينة، ثم كتابا ذا مواصفات خاصة مناسبة وجاذبة إليه من حيث الموضوع والشكل. نال الطفل مع التقنية الرقمية الاهتمام الواجب، في كل معطيات التقنية الجديدة.

ما معنى أدب الطفل؟

حول تعريف أدب الطفل:

بدءا يجب التنبيه إلى التمييز بين دلالات الكتابة للطفل ودلالات أدب الطفل. إذا كانت الكتابة للأطفال تعني فيما تعنيه كل ما كتب للصغار، فإن أدب الطفل يعني "مجموعة الإنتاجات الأدبية المقدمة للأطفال التي تراعي خصائصهم وحاجاتهم ومستويات نموهم، أي في معناه العام يمثل كل ما يقدم للأطفال في طفولتهم من مواد تجسد المعاني والأفكار والمشاعر". وأمام تعاظم رصيد المعارف تجدر الإشارة إلى أن أدب الطفل يشمل الأدب المكتوب من قصة وأشعار ومسرح… كما يشمل الحكايات والقصص المصورة والمسموعة على الأشرطة من صوت وصورة، مثلما يتضمن جملة المعارف العلمية والتاريخية وغيرها، في إطار بسيط وجذاب. وهو ما يمكن الإشارة إليه بمعنى "ثقافة الطفل".

ويبرز السؤال/الأسئلة:

- هل أدب الطفل هو المقصود به ذلك الأدب الذي يبدعه الطفل بنفسه كما يتخيله ويتمناه؟

ـ هل يمكن اعتبار أناشيد الأم وأحجيات الجدة أدبا للطفل؟

ـ وهل يملك الطفل تربية الطفل؟

*إن بشائر القرن الجديد (مرحلة ما بعد الحضارة) تشير إلى الكثير من المتغيرات المتوقعة, ومن الواجب أن ننتبه لها في عالمنا العربي لوضع أطفالنا على الطريق الجديدة, وتسلحهم بالمعرفة المناسبة والتي تتلاءم مع معطيات القرن الجديد، ومنها منجز التقنية الرقمية. الجميع على قناعة الآن بأن صناعة الثقافة أهم صناعات العصر الجديد. منها فكرة "الإنترنت" أو المعلومات فائقة السرعة, وقد أصبحت ضمن البرامج السياسة للحكومات والأحزاب في أغلب دول العالم. كما أصبحت "التربية" مفهوما في مقابل "التنمية", وهو ما عبر عنه قلق رجال التربية في الولايات المتحدة من تخلف الطفل الأمريكي في التحصيل, مقارنة بالطفل اليابان وغيره. ومع عدم الانتباه لمتغيرات القرن الجديد, قد تعجز مؤسسات التربية من تحقيق أغراضها الكبرى, لزيادة تكلفة التربية والتعليم, ونقص آليات التكنولوجيا المعرفية الجديدة.

*من خلال هذا المعطى البارز في القرن الجديد.. التقنية الرقمية ومنجزاتها، ثم أهمية شيوع الثقافة العلمية، نتوقف مع صورة الطفل العربي. تلاحظ أن الطفل في تقنية النشر الالكتروني يوجد مبعثرا على عدد من الأشكال داخل المواقع المختلفة على شبكة الانترنت:

- الطفل في مواقع المرأة../الطفل في مواقع الأسرة../الطفل في مواقع عامة وجامعة../الطفل في مواقع تسلية وترفيه../الطفل في مواقع دينية عقائدية../الطفل في مواقع تعليمية../الطفل في مواقع خاصة بالطفل..

يلاحظ المتابع أن الطفل العربي يتواجد في النشر الالكتروني مبعثرا بين مواقع ذات اهتمامات متعددة ومختلفة.. منها التي تتناول من جانب صحة الأم مع العرض للعديد من الجوانب المعلوماتية الطبية الخاصة بالأم ثم بالطفل في المرحلة الجنينية (فترة الحمل).. ومنها ما يعرض للحديث عن الطفل, من حيث هو عضوا إضافيا في الأسرة, مع الإشارة إلى معلومات تربوية يجب التزام الأبوين بها.. ثم هناك من المواقع العقائدية/الدينية التي تخاطب الطفل, من مفهوم كونه النبتة الأصيلة لإنسان ملتزم دينيا وأخلاقيا.. كما توجد المواقع التعليمية التي تخاطب الطفل من خلال المناهج الدراسية والمعلومات المدرسية.. وأخيرا هناك المواقع التي تقدم الألعاب والتسالي للترفيه بعامة.

أما الحديث عن طبيعة وخصائص المواقع المختلفة التي تتعامل مع الطفل.. فهي إما مواقع ذات اهتمام ثقافي عام, ويمكن نشر ما يخص "الطفل" عليها, باعتباره ثقافة عامة.. مثل موقع "إيلاف"،"ميدل ايست أون لاين". ومواقع ثقافية/أدبية بالدرجة الأولى, ترعى الأدب والكلمة وتضع من جوانب اهتمامها, نشر ما يخص الطفل إبداعا ومقالات أدبية.. مثل موقع "القصة السورية". كما توجد مواقع مخصصة للطفل ولا تخاطبه بالدرجة الأولى, بل تسعى لنشر كل ما يتعلق بالطفل: أخبار- إبداع- دراسات- وغيره.. مثل موقع "أدب الأطفال". وأخيرا هناك المواقع التي تعيد نشر منتج ورقى سبق نشره, مثل مواقع المجلات والدوريات الخاصة بالطفل.. وهى عديدة لمجلات "علاء الدين- العربي الصغير- ماجد- براعم الإيمان...وغيرها".

والسؤال هو: من أين نبدأ؟

البداية في التربية ولا يمكن إغفال التعليم وليس التعليم التقليدي فقط, بل التعليم عن بعد, بتوظيف التقنيات الحديثة لتسهيل العملية التعليمية داخل دور الدراسة, ثم مع توظيفها للحصول على الدرجات العلمية المعتمدة, فمن المعروف أن مرحلة الطفولة (حتى 18سنة) هي أهم مراحل التحصيل العلمي, وربما بعدها قد يتجه المرء للحياة العملية. لذا فالبدء مع تصميم البرامج الثقافية والتربوية والتعليمية للطفل, يعد الخطوة الأعلى لإنجاز تلك المهمة.. مع ضرورة توافر ملمح عام وهام:

- أن يوفر للطفل المعلومة.. وإبراز السلوك القويم والقيم العليا, كل ذلك في إطار جذاب وشيق, معتمدا على مراعاة المرحلة العمرية للطفل, مع إعمال التفكير الابتكار لدى الطفل.

- كما أن توفير الاسطوانات أو الأقراص الإلكترونية (الديسكات) بات شائعا, ولا يجب إغفال أهميته كخامة وكوسيلة قادرة على احتواء كم هائل من المعرفة.

- أن يضم الديسك أو الاسطوانة على التتابع والتوازي.. المادة اللغوية والمادة الفنية أو الرسومات المكملة التوضيحية. وقد وجد المختصون أن الألوان "الأصفر-الأحمر-الأزرق" هي أهم الألوان للطفل حتى سن التاسعة.

- كما يجب أن يكون الخط واضحا وكبيرا.

- يجب أن تكون الرسوم مكملة للمعنى, بل ويمكن الاستغناء عن المفردات الكثيرة، مقابل التوضيح بالرسم مع الجمل القصيرة.. هذا بالإضافة إلى إبراز الصورة المقربة، وإهمال الخلفية في الرسوم التوضيحية, وتوظيف تقنيات الكمبيوتر (لفوتوشوب وغيرها)في إبراز الصورة من أكثر من جانب أو بأبعادها الطبيعية.

- مع استخدام التقنيات الحديثة في إطار من الإخراج الفني الملائم الجذاب.

- البعد عن النصح والإرشاد وبالعموم عن المباشرة وإصدار الأوامر للطفل, حتى يعتاد الطفل على استنتاج الحقائق.

- أن تغلب روح الطفولة على المادة المنشورة (الملائمة لسن الطفل ولجنس الطفل)

- تقديم المادة الثقافية/العلمية/التعليمية في إطار يحث الطفل على المشاركة, وتأهيله للتفكير والابتكار, بعيدا عن التلقين.

- أن يصبح التعامل مع جهاز الكمبيوتر ومعطياته (في النهاية) لعبة بين يدي الطفل.

بالإضافة إلى حث مؤسسات التعليم الأولي على تجهيز ركن للمكتبة، بما يناسب الصغار وحاجياتهم، كتجهيزه بالرفوف المنخفضة، وتأثيثها بالكتب والأشرطة والمجلات والقواميس المصورة، بالإضافة إلى توفير أجهزة الكمبيوتر.إنشاء أجنحة خاصة بالأطفال بالمكتبات المنزلية وبدور الثقافة والشباب.. إدراج مادة أدب الطفل في برامج تكوين المعلمين والمشرفين التربويين.. إقامة معارض لكتاب الطفل ولقاءات مفتوحة للأطفال مع المبدعين.. ترجمة كتب الأطفال ذات الطابع العالمي الجيد.. إمداد الكتاب الصغار بالوسائل اللازمة ونشر إنتاجاهم بين جمهور الأطفال بتهييء الظروف الملائمة للإنتاج الثقافي.. إقامة مسابقات بين المبدعين.. حث وسائل الإعلام على تخصيص برامج لمتابعة الإصدارات الطفولية الجديدة والتعريف بها.. تخصيص صفحة أسبوعية للأطفال بالجرائد الوطنية.. إخراج الدراسات والبحوث المنجزة حول الطفل والتي قد تفيد مبدعي الصغار بالمعطيات العلمية وتوظيفها في إنتاج ما يناسب خصوصية الطفل العقلية والوجدانية.

وقبل هذا وذاك ينبغي الإشارة إلى أن أدب الطفل مع التقنية الرقمية، لا ينبغي أن تحتكره شريحة من الأطفال دون أخرى بل يشمل الاهتمام الطفل في القروي والمعاق علاوة على أطفالنا بالمهجر حتى يتمكنوا من مناعة ثقافية تجنبهم أي تشويش لشخصيتهم.. (وهى قضية هامة في حاجة إلى بحث خاص).

*خاتمة: يجب أن يعرف أن الطفولة في العالم العربي تمثل نسبة 40 إلى 45% من البنية السكانية أي ما يعادل نصف سكان البلاد. كما أننا في عالم لا يسمح لنا بتهميش هذه الشريحة الصغيرة ويجب تسليحها بأسلحة العصر. ولعل من أهم هذه الأسلحة هي الثقافة والمعرفة الرقمية الجديدة، وتيسير تداولها وتوفير بنياتها الشرطية حتى لا تهمشنا العولمة. 

أخيرا.. لم يفقد الكتاب التقليدي مكانته (ولن!!), أما القضية فهي ضرورة الاستفادة من المنجزات التقنية الحديثة, فالإرادة البشرية وحدها هي القادرة على توجيه أي أنواع تكنولوجية تستجد في ساحة المعرفة, ولا خيار أمامنا إلا الهرولة نحو إنجاز الطفل القادر على التعامل مع التقنيات الجديدة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:إيلاف-22-10-2007