العائلة المثالية في فكر الإمام الشيرازي ( قدس سره )

  

الأستاذ رضي العسيف

 

 

تمثل العائلة النواة الحقيقية للمجتمع، وعليها تتحدد مسيرة ذلك المجتمع، فإن كانت تلك العائلة تسودها أجواء المحبة والوئام، والتكاتف العائلي، وحينما ترفرف السعادة في أرجاءها فإن إشعاعات تلك العائلة تنتشر في ربوع المجتمع.

ولنا أن نسأل : كيف السبيل لخلق مثل هذه العائلة المثالية؟

وإجابة هذا التساؤل نجدها في العديد من كتب الأسرة والاجتماع، غير أننا نريد أن نستوحي مما كتبه سماحة المرجع الراحل الإمام الشيرازي (قدس سره) فهو ممن كان يدعو في العديد من أحاديثه إلى ضرورة تكوين الأسرة المؤمنة، وله أطروحاته في قضايا الزواج وغيرها.

وقبل رحيله (قدس سره) عن هذه الدنيا بسبع سنوات قام بكتابة كتيب ( العائلة ) يقول في مقدمته: ( العائلة في الإسلام، عنوان هذا الكتيب الذي كتبته ليكون مرشداً بدائياً لجانب هام من الحياة، عملت على هدمه قوانين الغرب، ومازالت) وفي سبيل بناء عائلة مثالية نموذجية يذكر الإمام الراحل العديد من النقاط في هذا الكتيب وفي غيره نقتطف منها:

أولاً : مقومات الزواج السعيد

لكي ينجح الزواج، ولكي يعطي ثماره، لابد من أسس رصينة يقوم عليها منها :

1) الدين والأخلاق

حيث تنشأ  الأزمة العائلية  من الإنسان نفسه أيضاً، وذلك قد يكون من جهة ضعف الالتزام بالدين عند أحدهما حيث يخون بالآخر أو ما أشبه الخيانة، وقد يكون لضعف الأخلاق حيث أنه يلزم على كل واحد منهما أن يتخلَّق بالأخلاق الإنسانية اللائقة بالزوجين، ولكنه لا يلتزم(1).

كما أنه إذا لم تكن أخلاق أي من الزوجين حسنة تحول البيت إلى جحيم كما إذا لم يكن لأيهما دين يردعه عن المنكر ربما باع عرضها أو ما أشبه ذلك(2).

2) مراعاة الحقوق والواجبات بين الطرفين

فعلى كل طرف منهما أن يعرف ماله من حقوق شرعية وعليه أن لا يتعدى تلك الحقوق ، وعلى هذا يلزم أن لا يتوقّع كل واحد من الزوجين عن الآخر ما لا يطيقه او يصعب عليه من الأمور المادية والتهيؤ وما أشبه ذلك، والا فكثيراً ما ينتهي الأمر بهما إلى ما لا يحمد عقباه من المفارقة أو التوتّر أو الطلاق.

3) البساطة في العيش وعدم التعقيد

إن ما يعيشه البعض من كآبة وقلق وغيرها من مظاهر التعاسة في الحياة إنما سببه الانجراف وراء الماديات والسعي الحثيث للظهور بمظهر الأبهة مهما كلف الثمن، والأمثلة في هذا المضمار كثيرة جداً، إن سيادة حالة الجشع والطمع الاجتماعي هي وراء ما تعانيه بعض المجتمعات من حالة التناحر والتنافر.

ولذا يؤكد المرجع الراحل على أهمية  القناعة في المعيشة فهي ـ القناعة ـ  كنز لا ينفد والاقتناع بالواقع دون المزايدات والمبالغات الفارغة التي تحف عادة بالأشياء من جهة الغرور أو العرف والعادة الضاغطين ذلك الاقتناع يسبب الراحة النفسية والجسدية(3).  

4) التعاون بين الزوجين

فلكي ترفرف السعادة في أرجاء البيت يلزم أن يتعاون الزوجان من أول يوم من أجل إنشاء أسرة قوامها المحبة والألفة ورائدها الهدفية والواقعية لا التبذير والإسراف والمظاهر المزيفة والمباهات التافهة(4) والتعاون يشمل جميع جوانب الحياة في بيت الزوجية، باعتبار أن هذا البيت يضم الطرفين وليس طرفاً واحداً ولذا لابد من الإسهام والاشتراك في الأعمال المنزلية.

ثانياً : التربية السليمة للأولاد

وفي هذا المجال يذكر المرجع الراحل (قدس سره ) العديد من التوجيهات في العديد من كتاباته نذكر منها :

1) تأهيل الطفل للمستقبل

اللازم تربية الطفل تربية تؤهله للمستقبل بملاحظة: صحته الجسدية ووقايته من ألأمراض المحتملة، صحته العقلية حتى لا ينشأ منحرف الفكر، وصحته العاطفية بأن لا يكون جامد العاطفة أو سيال العاطفة(5).

2) التربية بن الإفراط والتفريط

حيث أن الأبوان المعتدلان في التربية يهيئان المناخ الملائم لنمو الطفل نمواً صحيحاً خالياً من التعقيد والانفلات(6).

3) المساواة بين الأطفال

وكذلك يجب أن يلاحظ بالنسبة للطفل عدم ترجيح غيره عليه، فإذا كان له طفلان ساوى بينهما، وإن لم يساو أورث تعقيداً بالنسبة إلى كليهما، سواء المرجح، أو المرجح عليه(7).

4) اللاعنف مع الأولاد

فمن وصايا الإسلام الخالدة في مسألة اللاعنف في الأسرة هو أن تتعامل الأسر مع أطفالها بالمودّة والرحمة وما أشبه من أساليب اللين التي غالباً ما تربّي الصغار على الطريق السليم وتأخذ بيدهم نحو الصواب والسداد (8).

5) تثقيف الأطفال 

إن الثقافة في منهج الإمام الشيرازي ليست حكراً على فئة دون أخرى فهو ممن يدعو إلى أن تعمم الثقافة الإسلامية لمختلف المستويات، آخذاً من الأطفال، فتصنع لهم الثقافة في الصور والتماثيل الورقية والكرتونية والحلويات وما أشبه، مثل أن تصب صورة الكعبة من الشكولاتة ـ مثلاً ـ إذا كان ذلك مناسباً(9).

ومن وصايا الإمام الراحل الخالدة أن تكون في كل بيت مكتبة، بل أنه سخر شطراً من قلمه للكتابة فيما يخص الأطفال والناشئة ومن جملة ما كتبه : القصص الحق، كيف عرفت الله؟ كيف عرفت عدل الله؟ كيف عرفت النبوة؟ كيف عرفت الإمامة؟ كيف عرفت المعاد؟ وغيرها الكثير.

6) الأطفال وتجارب الآباء

على الآباء أن يجعلوا بيوتهم مدرسة لتربية أولادهم على تجاربهم اليومية، مهما كان شأن الأب، ومهما كان سن الولد، فإذا رجع الأب إلى منزله ظهراً أو ليلاً، جمع عائلته كلهم، ثم قصّ لهم ما عمل خارج البيت من تجارة أو زراعة، أو عمل سياسي، أو لقاء مع الآخرين، أو غير ذلك، وكذلك يقص لهم ما رأى وما سمع من مختلف الأخبار فإنه إذا عمل الآباء ذلك نضج الأولاد نضجاً بالغاً، يؤهلهم لممارسة الحياة العملية فور تسلمهم أزِّمَّة الأمور.

وإذا نضج الجيل بتجارب الآباء ومعلوماتهم، قفزت الحياة إلى الأمام، فإنه لا يصرف عمره في التجارب، بل يبني طوابق جديدة فوق ما بناه الآباء، ولا يرتطم الخطأ والتصحيح، بل يأخذ الطريق السوي وبذلك يصل الجيل الثاني إلى الهدف، من أقرب الطرق(10).

7) حفظ الأولاد

من الضروري على الأبوين حفظ الأولاد عن الانحراف العقائدي أو الخلقي فإن الحفظ واجب شرعا قال تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً).

وحين نقول حفظ الأولاد فليس مرادنا النصح والإرشاد فقط بل وضمهم الى ذلك في هيئة صالحة وتهيئة وسائل الــعمل والكسب لهم وربطهم بمســـجد أو مــدرسة أو مكتبة أو حسينية وتزويجهم إذا بلغوا والتماس كسب لائق بهم لهم(11). 

8) التربية على مائدة القرآن ومنهج أهل البيت 

ذلك أن القرآن كتاب حياة، فهو مجموعة متكاملة من التعاليم الإلهية التي تكفل السعادة الدنيوية والأخروية للتجمع الإسلامي(12).

ولهذا يوجه الإمام الراحل الناشئة بقوله: اهتمّوا ـ بحفظ القرآن الكريم ـ وأنتم بهذا السن اليافع لتسعدوا في الدنيا والآخرة(13).

 كما أن من وصايا الإمام الخالدة أن تكون في كل بيت عادة ( مجلس ) أسبوعي، ذلك أن المجالس في البيوت لها أكبر التأثير في التثقيف الإسلامي وفي الاجتماع الإسلامي، بل وفي التربية الإسلامية أيضاً(14).

ويلزم اصطحاب الأطفال والنساء للمجالس الحسينية، فعلينا أن نربيهم ـ الأطفال ـ  على ولاء أهل البيت  وعلى معرفة القرآن والأحكام الإسلامية(15).

عن والدة المرجع الراحل

وينقل الإمام الراحل عن والدته ( رحمها الله ) أنها كانت تزور الإمام الحسين (عليه السلام) في كل يوم..ولم يفتأ لسانها يلهج بالذكر والدعاء والصلوات..وتواظب على الأدعية الواردة في المناسبات..

وكان والدي رحمه الله، يقرأ مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) لها وللأولاد، في كل يوم، عن كتاب معتبر مثل (جلاء العيون) للمجلسي (رحمه الله) وكانت تزور الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في النجف والكاظمية وسامراء.. في المناسبات(16).

وهذا العمل له الأثر في نفوس الأبناء حيث يتخذون من والديهم قدوة وأسوة، ولذا تجد بعض الأطفال يقلد والده أثناء الصلاة أو ما أشبه، ولهذا على الوالدين أن يعلما بأن الطفل يقلد ما يقومان به من أعمال حسنة أو سيئة.

ثالثاً : كيف نتعامل مع المشاكل العائلية ؟

قد تعتري العائلة حالة من التنافر أو التخاصم أو حالة من الاختلاف في أمر ما مما يعكر صفو تلك العائلة ويخيم عليها ظلام البؤس، فكيف السبيل والتصرف حيال ما يطرأ على العائلة من مشاكل؟

في هذا السياق يضع لنا الإمام الراحل جملة من الحلول نذكر منها:

1) اللاعنف والتغاضي

مع مراعاة الحقوق والسعي الحثيث لتجنب أكبر قدر ممكن من التنافر إلا أنه قد تظهر بعض الشوائب في أجواء العائلة وهنا لابد من أن يتعامل الزوج مع زوجته باللين والرحمة وترك العنف وأساليبه،والتغاضي عن أخطائها والمغفرة لها حتّى وإن كانت سيّئة الخلق، فانّ اللاعنف واللين يقودانها في النهاية إلى التراجع نحو الخير والمحبة.

وفي موضع آخر يتحدث عن خلق المدارة وماله من أثر في حل المشاكل العائلية فيقول: (لا يخفى إنّ للمداراة أثراً كبيراً في حفظ النظام الاُسري، فالاُسرة التي تسودها المداراة تجدها غالباً ما تتجاوز المشاكل والمشاحنات... من هنا، فإنّ الروايات راحت تؤكّد على مسألة المداراة في الاُسرة خاصّة مع الزوجة) (17).

2) الإصلاح والمصلح

في حالة نشوب حالة من التخاصم أو المشاكل العائلية نحتاج إلى دور الإصلاح حيث يقول تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) النساء / 35 .

ويقول الرسول الأكرم  : («من مشى في إصلاح بين امرأة وزوجها، أعطاه الله أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله حقا، وكان له بكل خطوة يخطوها وكلمة في ذلك عبادة سنة قيام ليلها وصيام نهارها»

ولهذا (فاللازم على الإنسان أن يقوم بدور المصلح مهما تمكن ) كما يقول الإمام الراحل (قدس سره ) كما نحتاج إلى من يجمع الكلمة حيث يقول الإمام الراحل في هذا الصدد : (ان جمع الكلمة من أهم اسباب رقي الاُمّة، كما ان الخلاف والتفرقه من أهم عوامل السقوط) وحبذا لو يكون في كل عائلة مرشداً ومصلحاً حكيماً ترجع إليه العائلة لحل مشاكلها قبل أن تلجأ إلى الخارج.

3) اللجوء إلى مؤسسات الإصلاح

من الدعوات التي ينادي بها الإمام الراحل دعوته لإنشاء المؤسسات الخيرية التي تسهم في تقدم المجتمع، وفي هذا الصدد يدعو لإنشاء مؤسسات الزواج، ومؤسسات تعنى بحل الأزمات العائلية حيث يقول: (ولا ريب أنه لو وجدت في المجتمع هيئات للإصلاح وأفراد مصلحون وجمعيات خيرية لقللوا من هذه المشكلات التي تبد د العائلة وتوجب دمار الأولاد وتنافر الأقرباء وأحيانا ينتهي إلى القتل والانتحار(18).

الإمام الشيرازي ( قدس سره ) من النظرية إلى التطبيق

بعد هذه الجولة السريعة في فكر الإمام الراحل نقول: أن الإمام الشيرازي لم يكن ممن ينظرون ويكتبون فقط، بل كان ممن يلتزم بما ينظر وما يكتب التزاماً عملياً وضرب أروع الأمثلة في هذا المضمار، وأنقل إليكم ختاماً لمحة سريعة عما كان يمارسه الراحل مع أسرته:

( أما أخلاقه مع أسرته ـ من بنات وبنين ـ أولاداً وأحفاداً فكان يذكّر بأخلاق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

فقد كان شديد المحبة لهم جميعاً.ويظهر المحبة لبناته أكثر من الأولاد. يحترمهم.ويجلس معهم ويكرمهم. ويتعاطف مع مشاكلهم. وينصحهم. ويستنصحهم، وحتى يستشيرهم. وكان يستضيفهم بنفسه، وبإلحاح وإصرار. لم يكن يضرب أحداً من أطفاله.. ولا يتذكر منهم أحد انه قد تلقى الضرب منه ولو في صغره، (علماً بإنه كان ذو أطفال عديدين، ومتقاربين في العمر) ودائماً كان الإمام الشيرازي يعدّ بنفسه وجبة العشاء في المنزل له ولأولاده بنفسه، حتى أواخر أيام حياته.. ولم يترك هذه العادة حتى في الصيف حيث كان منزله مكتظماً بمن يزوره من أبنائه وأحفاده من شتى الأنحاء، وكان يشترك مع أهله في إدارة شؤون المنزل خصوصاً عندما يجيء الضيوف إلى منزله بل وحتى بعد أن أصيب بالجلطة القلبية، قبل أربعة أعوام من وفاته. لم يترك هذه العادة الحسنة.

وكان إذا مرض أحد أبناءه يمرضه بنفسه، سواء كان صغيراً أو كبيراً. وقبل عشرة سنين كان قد وضع مجلساً أسبوعياً لجميع من حضر من نساء عائلته الخاصة. لتعليم الخطابة (بما فيه من التعزية الحسينية) وكان يلقي عليهم في نهاية الجلسة محاضرة توجيهية.

وكان يحب أحفاده الصغار ويلاطفهم ويمزح معهم وله مع كل واحد منهم قصة وذكرى.. وصورة تاريخية.

ولم يكن يسمح لأحد من أبنائه أن يزعج الأطفال، أو يغلق عليهم الأبواب. فهم خارجون داخلون عليه. وما أكثر ما كانوا يزعجونه وهو نائم. أو مشغول بالكتابة والمطالعة..

ولم يكن ينهر أحدهم أبداً، بل كان يمنع الآخرين من ذلك.

في أواخر أيام حياته اقترح أحد أولاده أن يغلق عن الأطفال باب غرفته المؤدية إلى ديوانية مجلسه. ويفتح باباً خاصاً للأطفال كي لا يتخذوا غرفته المتواضعة معبراً لهم.. فرفض ذلك وقال: أترك الأمور كما هي(19).

وبهذا يكون الإمام الراحل نموذجاً رائعاً للعائلة المثالية، فهل نقتدي به؟!

جميع المصادر: من مؤلفات الإمام الشيرازي ( قدس سره )

1) الأزمات وحلولها ص 32

2 ) العائلة ص 55

3 ) العائلة ص 52

4 ) العائلة ص 91

5 ) الاجتماع ج2 ص 49-50

6) الاجتماع ج2 ص 51

7) الاجتماع ج2ص52

8) اللاعنف في الإسلام ص 151

9) إلى نهضة ثقافية إسلامية ص 83

10) نحو يقظة إسلامية ص 21

11) العائلة ص 77-78

12) إلى الوكلاء في البلاد ص 101

13) حديث مع الناشئين ص 15

14) إلى نهضة ثقافية إسلامية ص 100

15) إلى الهيئات الحسينية ص13

16) والدتي ص 18

17 ) اللاعنف في الإسلام ص 142

18) العائلة ص 101

19) في رحاب الإمام الشيرازي ص 23

www.mozn.net