|
استقالة الآباء تربويا!!
د .عجيل جاسم النشمي
الاسرة هي المحضن الاول للطفل , يؤسر في داخلها لا لذات
الأسر وإنما ليتلقى ما يحتاجه من غذاء تربوي ورعاية صحية , والذي يزاول
مهمة الاسر التربوي هما الوالدان : الاب والام , فيأسران الطفل ويحيطان
به تربويا كما يحيط الأسار أو السوار بمعصم اليد , وأي تراخ في هذا
الاسار يجعل الطفل عرضة للتسيب داخل وخارج الاسرة.
إنها مسؤولية تربوية تضامنية مفروضة عليهما , لأنهما
ارتضياها يوم اتفقا على اقامة الاسرة بالعلاقة الزوجية , وبالتالي لا
يحق لأي منهما أن يقدم على استقالة شفوية أو مكتوبة يترك بموجبها مهمته
التربوية تجاه ابناءه , ولم نشهد احدا في هذه الارض يفعل ذلك , ولو حدث
فإنه سيكون موضع استهجان واستنكار شديدي اللهجة من افراد المجتمع.
لكن منطق الشجاعة التربوية مع انفسنا يجعلنا ننظر
للواقع الذي نعيشه,ونستنطقه إن كان يعرف استقالة من هذا النوع ,
والجواب لا يحتاج الى طول نظر ورؤية , فالواقع يثبت فعلا بما لا يدع
مجالا للشك إن استقالة فعلية واقعية تربوية حدثت وتحدث وموجودة , لا
بصورة استقالة فردية فحسب بل بصورة استقالات جماعية يزاولها المجتمع بل
المجتمع في مجموعه.
لقد استقال الاباء تربويا ولم يعودوا يفهمون من مهامهم
تجاه الابناء , الا مسؤولية المصروف والكسوة والاكل وتوفير اسباب
الراحة , وحسبوا أنهم بذلك قد ادوا الامانة واستحقوا تكريم وتقدير
المجتمع لهم ... واصبح هؤلاء الآباء مشغولين فيما عدا ذلك خارج اسرهم
يقتلون أوقاتهم في المهام الادارية والوظيفية ثم التجارية , ناهيك عن
الاسفار والحل والترحال , فإن بقي من وقت يومهم رمق إخر النهار أجهزوا
عليه في جلسات ما ربما كان فسادها اكثر من صلاحها .
وكثيرا ما يرجع الاباء إخر ليلهم ليجدوا ابناءهم في نوم
عميق , ويصبحون والابناء في مدارسهم , وهكذا .. ولربما مضت ايام دون ان
تقع أنظار الاباء على ابناءهم .
هؤلاء الأبناء في حقيقة الأمر يملكون أبا كل صلتهم به
انه كان سببا في وجودهم , لكنهم لا يملكون أبوة الأب بمعناها التربوي
الواسع .. أبوة التربية , ابوة العطاء والتجربة والخبرة , غن وجود هذا
الاب بين ابناءه ولو صامتا , فيه من عمق التربية ما فيه , فيه التضحية
بوقته , فيه التقدير لهم , فيه احساس المشاركة فيه الطمأنينة ..
فما بالك اذا نطق الاب وهو بينهم خيرا أو حل مشكلة او
ناقش همومهم .. إنه بذلك يكسر الحواجز بينه وبينهم ويسبر غور نفوسهم ,
بل يصبح مخططا لحياتهم خارج هذه الاسرة بما يعود عليهم بالنجاح والسداد
.
إن قضية هذه الاستقالة جرح عميق تدمى له صدور الكثير من
الابناء , وتذبح من خلالها اسر بكاملها .
فإذا انضمت الى هذه الاستقالة الابوية استقالة مقدمة من
الام , فى تسأل عن اسرة ولا سار ولا سوار , سينفرط العقد وتتسيب الاسرة
بكاملها , ويصبح الابناء يتامى تربويا , يقتاتون تربيتهم من الخادمة او
الشارع وأجهزة الاعلام , وما ادراك .. ؟
الأم بهذه الاستقالة فقدت امومتها كما فقد الاب ابوته ,
لانها لم تستحق لقب (أم) في مقابل الولادة فحسب , وانما استحقته حين
امتزج دمها بدم ابنائها , وامتزج حنانها بمشاعرهم , واصبحت نفوسهم
مهيأة للتلقي التربوي عنها من أول رضاعة لهم .
وهذه الاستقالة لا تضر الابناء فحسب وإنما تضر الاباء
والامهات وهي بالتالي تضر ابناء الابناء وابناءهم وهكذا .. وما وصل
إليه المجتمع الاوروبي في هذا الشأن خير شاهد , حيث أصبحت القاعدة
الاسرية عندهم أن الابوين كلما كبرت سنهما قلت منزلتهما وهانت على
المجتمع بل على ابنائهما , وأصبح منتهى ما يتمنيانه ملجأ مناسبا للعجزة
يأويان اليه , وقد يكون لهما من الابناء من هم في قمة الوظائف والمركز
في الدولة , إنهم يعاملون الإباء والامهات كما عاملوهم , وكما تدين
تدان .
وعكس هذه القاعدة نجدها في النهج الاسلامي فإن الابوين
كلما كبرت سنهما عظمت منزلتهما وتقديرهما من المجتمع ومن ابنائهما ,
وحسبك دليلا ان النبي (ص) يلوم ويعيب من الابناء من ادرك ابويه شيخين
كبيرين ولم يدخل بسببهما الجنة فيقول : ( رغم انفه ثم رغم انفه ثم رغم
أنفه قيل من يا رسول الله ؟ قال : من ادرك والديه عند الكبر أحدهما او
كلاهما ثم لم يدخل الجنة ).
إن قضية هذه الاستقالات التربوية الواقعية قضية خطيرة
تحتاج من الى وقفتين :
وقفة من الدول فاحصة شاملة تتناول أسلوب التعامل مع
افراد المجتمع كأسر وكآباء وأمهات , وتتناول الاجهزة الاعلامية
التربوية , والهيكل التعليمي واهدافه , والتنسيق بين ذلك كله ليعالج
هذه القضية .
ووقفة من الآباء والامهات ليراجعوا مهامهم الفطرية التي
حملها الله اياهم وسطرها في كتابه وبينها نبيه (ص) وطبقها صحبه الكرام
ومن واكب مسيرتهم , نحتاج جميعا الى جلسة مذاكرة نتلقى فيها مهامنا
التربوية من جديد تلقيا للتنفيذ في واقع الأسرة والمجتمع , وبغير ذلك
سيظل الآباء والأمهات والأبناء بل المجتمع في تشرد وهوان وضياع .
و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون
تعليق.
المصدر:
balagh
|