ادمان الأطفال للتلفزيون: التبعات النفسية والجسدية

 

 

الأطفال، خصوصاً صغار السن، الذين يقضون ساعات طويلة في مشاهدة التلفزيون، يصبحون أكثر عرضة للاضطرابات السلوكية في مراحل لاحقة من حياتهم. هذه خلاصة دراسة أجراها علماء جامعة "جونز هوبكنز" بالولايات المتحدة، ونشرت نتائجها في العدد الأخير من إحدى الدوريات الطبية المرموقة (Pediatrics).

وتأتي هذه الدراسة لتعزز نتائج العديد من الدراسات الأخرى، التي أظهرت غالبيتها التأثير السلبي الفادح على الأطفال من جراء قضاء ساعات طويلة أمام التلفزيون. فقبل أعوام قليلة، كشفت دراسة بريطانية أن الأطفال الذين يقضون وقتاً طويلاً أمام التلفزيون، وخصوصاً البرامج المخصصة للكبار، يعانون من ضعف وتدهور واضحين في قدراتهم اللغوية عند وصولهم إلى سن الدراسة وفسرت الدراسة هذه الظاهرة، بأنها نتيجة احتواء برامج الكبار على ألفاظ كثيرة وعبارات متنوعة، لا يفهم الطفل معناها ولا يستطيع مجاراتها بما يملك من قدرات لغوية بدائية.

هذا مقارنة بالألفاظ السهلة والأصوات البسيطة التي تستخدمها الأم وتكررها غريزياً مع طفلها، لتزيد من قدراته اللغوية وتثبت فيه ما يعرف بلغة الأم  وبعد ذلك بقليل خلصت دراسة أخرى صدرت عن مستشفى الأطفال بمدينة "سياتل" بالولايات المتحدة، إلى أن مشاهدة التلفزيون من قبل الأطفال الرضع، تحدث تغييرات في التركيب الوظيفي، وربما أيضاً التركيب التشريحي لأدمغتهم، بما يجعلها عرضة لاضطراب فقدان التركيز ويفسر القائمون على الدراسة، هذا التأثير السلبي للتلفزيون على الجهاز العصبي للأطفال، بأنه ناتج من الإيقاع السريع للصور والأصوات التي تتلاحق على الشاشة، مما يعيد تنظيم التوصيلات الداخلية لمخ الطفل، حتى يتمكن من التعامل مع تلك التغيرات السريعة المتلاحقة.

هذه الآثار السلبية على سلوكيات الطفل، وعلى قدراته اللغوية، وعلى التركيب الوظيفي والتشريحي لدماغه، دفعت هذا الأسبوع مسؤولي إحدى أكبر قنوات التلفزيون الأميركية المخصصة للأطفال، إلى الإعلان عن عزمهم وقف بث القناة لمدة ثلاث ساعات، لإفساح وقت للأطفال لممارسة الألعاب البدنية.

وهو ما يسلط الضوء على جانب آخر من تأثير التلفزيون على صحة الأطفال والبالغين على حد سواء، وهو مساهمته بشكل كبير في وباء البدانة الذي يجتاح العالم حالياً. فحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يوجد حالياً 22 مليون طفل دون سن الخامسة مصابون بالبدانة، وهو العدد المرشح للزيادة بمرور الوقت.

وبين من هم فوق سن الخامسة عشرة، تقدر المنظمة أن أكثر من مليار ونصف مليار شخص يعانون من زيادة الوزن، بينهم 400 مليون مصابون بالسمنة المفرطة، وهو أيضاً العدد المرشح للزيادة بمرور الوقت.

وقد يعتقد البعض أن العلاقة بين التلفزيون والسمنة لدى الأطفال، علاقة سلبية فقط، أي أن مجرد الجلوس دون حراك أمام الشاشة يضيع على الأطفال فرصة اللعب والحركة، وما يترافق مع هذه النشاطات من استهلاك للسعرات الحرارية وللدهون، والتي لا تجد ساعتها بديلاً غير التراكم حول البطن والأرداف وبقية مناطق الجسم. وهو الاعتقاد الصحيح إلى حد ما، حيث نجحت بالفعل بعض برامج الحمية في خفض وزن الكثيرين بشكل درامي، من خلال خفض عدد ساعات مشاهدة التلفزيون بمقدار النصف فقط، ليس إلا ولكنْ هناك جانب آخر للعلاقة بين السمنة وبين التلفزيون، يظهر في الإعلانات الموجهة للأطفال، والمروجة لأغذية غير صحية مرتفعة المحتوى من السعرات الحرارية. وحتى إذا ما استبعدنا السمنة، نجد أن الوقت الذي يقضيه الأطفال في مشاهدة التلفزيون، ينتقص من الوقت الذي يلعبون فيه خارج المنزل ومع أقرانهم.

هذا اللعب في المساحات المفتوحة، لا يقيهم من زيادة الوزن فقط، بل يلعب دوراً رئيسياً في نمو أعضائهم الداخلية مثل القلب والرئتين، ويساعد عضلاتهم وعظامهم على النمو أيضاً، ويكسبها القدرة على تطوير التوافق الحسي الحركي. أما اللعب مع الأقران، فيلعب دوراً أساسياً أيضاً في تنمية الصفات الشخصية للطفل، مثل القدرة على التواصل مع الآخرين، وبناء الأصدقاء، والعمل والتعاون ضمن فريق، وتنمية الصفات الاجتماعية الأخرى.

وأمام هذا السيل المنهمر من الدراسات التي تظهر سلبيات قضاء ساعات طويلة أمام التلفزيون، ماذا يجب على الآباء فعله للمحافظة على صحة وسلامة أطفالهم البدنية والنفسية؟ إجابة هذا السؤال تقع في عدة نقاط: 1- يمنع منعاً باتاً السماح لمن هم دون سن الثانية بمشاهدة التلفزيون.

2- بعد هذه السن، لا ينبغي أن تزيد ساعات المشاهدة اليومية للطفل عن ساعتين، وهو الحد اليومي الأقصى.

3- يجب على الآباء التوقف عن استخدام التلفزيون كوسيلة لشغل الطفل، كي تقضي الأم بعض أشغالها، أو لإراحة أعصابهم من البكاء والصراخ.

4- يجب على الآباء تنظيم نشاطات أخرى للطفل، يمارس فيها الألعاب العقلية أو البدنية، حتى لا يشعر بالملل ويتجه حينها للتلفزيون كجليس وأنيس.

5- يمكن للآباء مراجعة برامج التلفزيون، أو تسجيلها مقدماً، بحيث يتم اختيار البرامج والمواضيع التي تزيد من ثقافة الطفل وعلمه، مثل برامج الحيوانات والبيئة، أو برامج السفر والمغامرات، أو برامج الكرتون التي تعلم الحساب وأساسيات العلوم. فإذا ما كانت محاولات إغلاق التلفزيون ومنعه التام لن تجدي، يمكن على الأقل تحديد مواعيد المشاهدة، وطول وقت المشاهدة، ونوعية البرامج. ولاشك أن تحقيق هذه الأهداف سيزيد من أعباء الأبوين المثقلين أساساً بأعباء أخرى كثيرة، ولكن ما الهدف من بذل بقية الجهود بغرض تحقيق التربية السليمة، وإنفاق الأموال الطائلة على التعليم، إذا ما كانت النهاية هي طفل بدين، فاقد للتركيز، ومضطرب سلوكياً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-4-10-2007