أبناؤنا..حصادنا

 

 

نعيمة رجب

 

من زرع حصد.. وأبناؤنا زرعنا، فماذا زرعنا؟!.

استدعت إدارة مدرسة ثانوية والد طالب، ضُبط وهو ينقل إجابة أسئلة الامتحان من أوراق صغيرة أعدها مسبقا وخبأها في ملابسه، صُعق الأب وهو يسمع هذا عن ابنه، ولم يُصدق إلا حينما اعترف الابن إنه قد فعل، صرخ الأب في وجهه أوَلم أُحسن تربيتك، رد الابن أنت من دفعني لذلك يا أبي!!!

مثال صغير لمشكلة كبيرة، يدفعنا إلى التفكير ملياً، في ماهية زرعنا الذي نزرعه كل يوم في أبنائِنا، في نوع القيم التي نمنحها إياهم، وفي مقدار بعدنا عن القدوة الصالحة التي يجب أن يروننا فيها، فهذا الأب المذكور في شاهِدِنا أعلى من قيمة النجاح واهتم بالتفوق في الدراسة، دون أن يُحصن ابنه بقيمة أخرى أكثر أهمية وهي الأمانة، وإن أعطاه تلك القيمة فانه لم يمنحها الزخم الكافي مقارنةً بالقيمة الأولى، فكان النتاج ما كان.

أبناؤنا سيمنحوننا من سلوكهم وتفكيرهم، بمقدار ما أعليناه من قيم في مسيرة تربيتنا لهم، وتلك القيم - مهما كانت - ستتسلسل حتما وستستقر عندهم في ترتيب يشبه الهرم، ستكون قمته ما رفعناه نحن وجعلناه في الصدارة، عمليا وليس نظريا أو كلاما، وأسفله ما تغاضينا عنه أو اعتبرناه تحصيل حاصل أو ادعيناه ونصحناهم به دون أن نمارسه، وفي خيارتنا الصغيرة التي نختارها لهم وندعوهم إليها كل يوم ستترتب سلسلة قيمهم.

فان قمنا بمساعدة امرأة عجوز في الشارع تحتاجنا وقدّمنا ذلك على نقل أبنائِنا إلى مدارسهم، فقد أوصلنا لهم رسالة مفادها أن لإغاثة المحتاج قيمة أعلى من قيمة تفوقهم الدراسي، وإن أيقظناهم فجراً لأداء فريضة الصبح رغم سهرهم ليلاً، أوصلنا لهم رسالة تُعلي من شأن العبادة وتقدمها على حاجات النفس والبدن، وإن أثنينا على خُلقهم الطيب أكثر من ثنائنا على شكلهم ولبسهم، أعطيناهم حقيقة عظيمة لا تُقدر بثمن، وهي أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في جمال عمله لا جمال صورته وبذلك يتحدد مقدار صلاح أبنائِنا

بنوع الرسائل التي تصلهم منا، وبمقدار ما نُفَعِّل نحن من تلك القيم التي تحويها تلك الرسائل، فلن يعيش الابن قيمة الصدق التي نطالبه دوما بالتزامها، وهو يرانا نكذب، ولو تغّلف كذبنا واختلفت مسمياته، ولن يعيش الابن قيمة التواضع وهو يرانا نتكبر، بشكلٍ ما ولو اختلف مسماه.

فالحقيقة المرة، أنه ليس ممكن وبأي حال من الأحوال، أن ننتج أبناء صالحين لمجتمعهم، دون أن نكون نحن أولاً صالحين في مجتمعنا، ولن تتسلسل قيمهم تسلسلاً صحيحاً إن لم نفعل نحن ذلك بقيمنا، فتربيتهم نتاج تربيتنا لأنفسنا، وأخلاقهم وسلوكهم ثمرة لأخلاقنا وسلوكنا سيحبون بقدر ما نحب، وسيعملون بقدر ما نعمل، وسيكون عطائهم بحجم ما أولينا من قيمة للعطاء في حياتنا.

فأبناؤنا حصادنا.. لننظر ماذا نزرع.. لنعرف ما نحصد اليوم وغداً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الركن الأخضر-23-9-2007