بومدين.. ومجانية التعليم

 

 

خالد عمر بن ققه

 

 

بتغير المعطيات على الساحة الدولية غابت قضايا كثيرة من حياتنا، بما فيها تلك الخاصة بشرعية الدولة قياما ووجودا ورهانا مستقبليا، ومنها قضية ''مجانية التعليم ''، التي يحاول كثير من المسؤولين وعناصر النخبة التخلي عنها مع تقديم تبريرات مختلفة، منها: فشل التعليم الحكومي وحاجة الناس إلى تعليم عصري يتميز بالخصوصية وقدرة الطبقات الاجتماعية على دفع مصاريف الدراسة، وعدد آخر من التبريرات التي لا يقبل بها صاحب البصيرة·

كل الدوافع السابقة وغيرها،الهدف منها تقديم التعليم الخاص كبديل عن التعليم الرسمي،وبالتأكيد ليس مرفوضا في المطلق ، لكن يجب أن يكون ضمن فلسفة الدولة، و يراعى فيه طبيعة المجتمع ووعيه بمصيره ومستقبله، الأمر الذي لا نراه جليا في كثير من التجارب العربية، وأمامنا تجربة حيّة في الجزائر، حيث سمح بإقامة مدارس خاصة، فكانت النتيجة اعتقاد بعض المثقفين بأنها الطريق نحو الغنى كما أبلغني أحد المفتشين القدامى في وزارة التربية الجزائرية، أو كما جاء على لافتة كتب عليها '' رمسيس سكول '' والعنوان لا علاقة له بالتاريخ الجزائري ولا الدائرة الثقافية التي تتحرك ضمنها وأقصد هنا الدائرة الفرانكفونية·

تحرر المجتمعات من التخلف يقاس بمدى اهتمامها بالتربية والتعليم، لأن ذلك هو الاستثمار الحقيقي، وهنا يكون للدولة حضور وفاعلية وتأثير، وأذكر هنا أنني سألت ذات مرة رئيس الحكومة الجزائري الأسبق '' عبد السلام بلعيد ـ وزير الطاقة في عهد الرئيس الراحل ''هواري بومدين'' عن أسباب انفاق هذا الأخير على التعليم لدرجة التبذير، فكان أن رد علي بقوله : ''لقد كان الرئيس بومدين يصر على أن يتناول كل طفل في المدارس الجزائرية وجبة كاملة، وحين سألناه عن السبب، قال : إني لا أضمن الطفل بأن يتناول وجبة عشاء كاملة في بيته··''·

ومع أن الحياة قد تطورت وتغيّرت خلال خمس وأربعين سنة من عمر الاستقلال إلا أن التعليم لا يزال مجانا في الجزائر في كل المراحل لعدد تجاوز السبعة ملايين تلميذ، بل إن سعر وجبة الطعام في الجامعات منذ 1962 إلى الآن لم يتغير، وهو ما يعادل 12 فلسا إماراتيا لعدد يفوق اثنين مليون طالب بالإضافة إلى المنحة والسكن الجامعي ، ويشمل هذا حتى الوافدين من الدول العربية والأفريقية والآسيوية، بل إن لكل طالب جزائري الحق في إكمال دراسته العليا في الداخل والخارج لدرجتي الماجستير والدكتوراه في الداخل والخارج على حساب الدولة، ومتاحة للطلاب الأجانب مجاناً أيضاً·

من ناحية أخرى تتحدث المصادر الرسمية الجزائرية عن أن ثلث الميزانية ينفق في مجال التعليم، ومع هذا يشتكي أولياء الأمور وحتى المشتغلين في مجال التعليم من تدني المستوى وهذا لا يعود إلى مجانية التعليم ، وإنما إلى تغير أهداف المجتمع واهتمامات الشعوب ودخول عوامل جذب وقتل للوقت غير تلك التي كانت في السنوات الأولى للاستقلال·

على العموم فإن مجانية التعليم هي آخر خطوط الدفاع التي يجب ألا تسقط وقد رأينا كيف قدّمت حماية للمصريين في سنوات الأزمة وللعراقيين اليوم ولباقي العرب في المستقبل، حين يكون التعليم ـ وليس مجانيته ـ جريمة ·· لقد قرب ذلك الزمان فلنستعد له بمزيد من الدفاع عن دور الدولة في المحافظة على التعليم كيفاً وكماً، ولا يلهينا قول الآخرين المطالب بالتخلي عن التحصيل المجاني مادامت النتائج لا تشير بمستوى عالٍ من الجودة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-29-8-2007