الانتحار يهدد مجتمعات الغرب!

 

د.أكرم المشهداني

 

 

جاء إعلان منظمة الصحة العالمية "العاشر من سبتمبر" من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة الانتحار، بعد تفاقم ظاهرة الانتحار عالمياً، حيث أشارت آخر الإحصاءات إلى أن أكثر من (مليون شخص) يقدمون على قتل أنفسهم كل عام، وهي نسبة تفوق معدلات الوفاة الناجمة عن جرائم القتل العمد والحروب، فالانتحار هو السبب الرئيس للموت في أوساط المراهقين والبالغين دون سن ال35، كما أن الرجال يقدمون على الانتحار بمعدل يزيد عن ثلاثة أضعاف مما هو عليه عند النساء على عكس المعتقد خطأ ومع ذلك فإن معدلات الانتحار عند النساء أخذت في الارتفاع بشكل خطير في العقد الأخير!

كما أشار تقرير المنظمة إلى أن شخصاً في مكان ما من العالم ينتحر كل 40 ثانية، مما يتفق مع الحقائق التي سجلت سابقاً بأن شخصاً علي الأقل يحاول التخلص من حياته كل ثلاث ثوان.

انتحار شخص كل 40 ثانية

وأوضح التقرير أن عملية انتحار تتم كل 40 ثانية، وهو ما يمثل حوالي مليون وفاة تحدث سنوياً في العالم، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلي 1.5 مليون بحلول عام 2020م وأن شخصاً يحاول الانتحار كل ثلاث ثوان..وأشار الخبراء إلي أن الانتحار يشكل ما يقرب من نصف الوفيات العنيفة في العالم، إذ ظهرت حوالي 6003 حادثة انتحار ووفيات غامضة في بريطانيا وأيرلندا عام 2003م وهو ما يفوق عدد حوادث الطرق بأكثر من ثلاث مرات.

تنبيه العالم لأخطارالانتحار

ومثّل الاحتفال ب"اليوم العالمي لمكافحة الانتحار" مؤخراً تعاوناً وثيقاً بين "الجمعية الدولية لمكافحة الانتحار" و"منظمة الصحة العالمية" لجذب انتباه العالم لأخطار الانتحار، وصياغة رؤية دولية بين سكان العالم لتخفيف حالات الإحباط والميول الانتحارية.. وأكد الخبراء في بيان صحافي صدر قبيل الاجتماع الدولي لمناقشة "السلوك الانتحاري في الثقافات المختلفة" أن أعلى معدلات حوادث الانتحار وقعت في مناطق أوروبا الشرقية، بينما كانت الأقل في أمريكا اللاتينية والدول الإسلامية ولفت هؤلاء إلى أن الرجال أكثر ميلاً للانتحار من النساء في جميع المناطق، عدا الريف الصيني الذي تكثر أعداد النساء المنتحرات فيه.

وفي سياق متصل، دعت فعاليات "اليوم العالمي لمكافحة الانتحار" المجتمعات المحلية والأفراد والمهنيين والمتطوعين إلى المشاركة في الأنشطة الرامية إلي إذكاء الوعي بهذه المشكلة الصحية، واقتراح مبادرات وأساليب جديدة لمكافحة الانتحار ولفت الخبراء إلى أن الانتحار هو أحد أكبر مشكلات الصحة العامة التي تودي بحياة الكثير من الناس في العالم، بصورة أكبر من حوادث الحروب والقتل العمد، مشيرين إلى أن حوادث الانتحار التي تظهر كل عام أكثر بثلاث مرات من ضحايا كارثة تسونامي التي ضربت جنوب شرق آسيا العام الماضي، وأكثر أيضاً من الأرواح التي حصدتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م بمئات المرات وأشار التقرير الدولي إلى أن ملايين الأشخاص يلجؤون لمحاولات انتحار شديدة قد تتطلب في الكثير من الأحيان العلاج الطبي والنفسي، موضحاً أن هناك الكثير من الطرق والوسائل التي تساعد في منع مثل هذه الحوادث. ولكن الأمر يحتاج إلى اتفاقيات عالمية شاملة ومناسبة لتقليل الأعداد الضخمة من حوادث الانتحار الكاملة أو محاولاته أو المشكلات المرتبطة به أو السلوكيات المؤذية الأخرى.

أسباب الانتحار

وأوضح العلماء أن الانتحار ينتج عن تفاعل معقد لعوامل سببية معينة منها: الأمراض النفسية والعقلية، والفقر، والإدمان، والعزلة الاجتماعية، وفقدان عزيز، وصعوبات التواصل مع الآخرين، ومشكلات العمل، مما يستدعي توافر خبراء واختصاصيين في المجالات الطبية والصحة النفسية للتغلب على مشاعر الإحباط التي تدفع إلى الانتحار وقتل النفس وتقويم الأخطار وتوفير الخدمات الطارئة وسبل العلاج .. ويقول خبير الصحة النفسية بمنظمة الصحة العالمية "د.خوسيه مانويل برتولوني": إن ما بين 20 مليونا و60 مليون شخص يحاولون الانتحار سنويا، ينتحر منهم نحو نصف مليون حسب تقرير بثته وكالة "رويترز" مؤخراً، كما أن احتمال انتحار الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم فجأة أكثر من احتمال انتحار الأشخاص الذين يعيشون في ظروف اجتماعية بائسة لفترات طويلة.

الدول الشيوعية الأكثر انتحاراً

وطبقاً لآخر المعلومات التي أعلنتها "منظمة الصحة العالمية" مؤخراً، تتصدر ليتوانيا قائمة الدول بالنسبة لحالات الانتحار في مجتمعها، حيث يقدم على الانتحار 75 رجلاً وإحدى عشر امرأة من كل 100 ألف من السكان، تليها روسيا في المرتبة الثانية 70 رجلاً و12 امرأة، تتبعهما بيلاروسيا 63 رجلاً و10 نساء ويرجع رئيس المنظمة العالمية لمكافحة الانتحار "د.براين ميشارا" أسباب ارتفاع نسب الانتحار في دول الاتحاد السوفيتي السابق لافتقار تلك الدول لبرامج وسياسات لمكافحة الانتحار..

العلاج بين النفسي والقانوني

من جانبه يشير "د.براين ميشارا" إلى إمكانية خفض معدلات الانتحار إذا حدَّت الدول من إمكانية الوصول إلى المبيدات الحشرية والأسلحة النارية والأدوية المخدرة والسامة، وحَسَنَت أسلوب التعامل مع الأشخاص المصابين بالاكتئاب وإدمان الكحوليات وفصام الشخصية، نظراً لأن ثلث حالات الانتحار في شتى أنحاء العالم تنجم عن تعاطي مبيدات حشرية وحول الوسائل القانونية الرادعة أوضح "د.براين" إلى أن احتمال سعي الناس الذين يعيشون في دول تحظر الانتحار قانونياً؛ مثل سنغافورة ولبنان والهند، إلى طلب المساعدة يقل إذا تملكتهم أفكار انتحارية، خشية احتمال أن تعاقبهم الحكومة وبعد عام من الشكوك التي حامت حول دور أدوية الاكتئاب في زيادة خطورة ارتكاب محاولات الانتحار، صدرت دراسة جديدة تظهر أن جلسات العلاج النفسي بالمحادثة المتبادلة مع المريض توفر أكبر ضمانة وأفضل فرصة لإنقاذ حياة من هم على درجة عالية من خطورة الإقدام الجدي على التخلص من حياتهم ويلغي هذا النوع من العلاج خطورة محاولات الانتحار بمقدار 50% لدى المرضى المصنفين بأن لديهم رغبة عالية في الانتحار، الذين يتناولون أدوية لعلاج الاكتئاب.. وتعد الدراسة التي نشرت في العدد (الثالث) أغسطس 2006م من مجلة (رابطة الطب الباطني الأمريكية)، أكبر دراسة وأدق فحص لاختبار جدوى هذه الوسيلة من وسائل العلاج النفسي بين مجموعة الناس الذين تمثل محاولاتهم التخلص من الحياة أمراً جادا،ً لدرجة وصولهم بالنتيجة إلى المستشفى، على حد قول الخبراء وكان من عادة الدراسات النفسية حول الاكتئاب أن تستثني هذه المجموعة من الناس، وجانب من السبب في هذا يتمثل في أنهم يمثلون مجموعة من المرضى الأكثر عرضة لقتل أنفسهم، فالنسبة تتراوح لديهم بين 30 إلى 40 مرة، مقارنة بمن لم يعمدوا إلى القيام بمحاولات جادة في الانتحار من مرضى الاكتئاب وعلق على الأمر "ستيفن هولون" أستاذ الصحة النفسية بجامعة فاندربلت، وهو ممن لم يشاركوا في الدراسة بقوله: "بالإمكان إلغاء نصف محاولات الانتحار بين هؤلاء الناس، عبر ما يتراوح بين 8 إلى 10 جلسات من العلاج، وأضاف: هؤلاء هم الناس الذين لم تشملهم 90% من الدراسات التي تمت".

دراسات أخرى أجريت في السنوات الأخيرة أظهرت أيضاً أن هناك علاقة بين الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب المعروف بالأيدز وارتفاع معدلات الانتحار، إذ بينت إحدى تلك الدراسات ان المصابين بهذا المرض يقدمون على الانتحار بمعدل يفوق ثمانية أضعاف الناس العاديين.

المناعة الإيمانية علاج رباني

وبتحليل تلك الأرقام والبيانات، لا يملك المرء إلا التمسك بدينه وقيمه، عندما يفكر المرء في أن معدلات الانتحار الرسمية في العديد من البلدان الإسلامية أقل بكثير من مثيلاتها في البلدان ذات الأغلبية المسيحية وتثير قضية مكافحة الانتحار العديد من الخلافات الاجتماعية، فالسياسيون وخبراء الصحة يتساءلون ما إذا كان ينبغي على الحكومات أن تتدخل في القرار الشخصي الذي يتخذه المرء لوضع حد لحياته، لكن بيرتولوتي لا يعتقد ذلك، منوهاً إلى أن الدراسات تظهر أن 96% من الذين حاولوا الانتحار كانوا يعانون من قدرات عقلية منخفضة أو مشوشة إلى حد كبير ويرى الخبراء أن توفير طواقم من الخبراء والاختصاصيين لا يكفي لحل هذه المشكلة، بل لابد من أن يعمل جميع الناس جنباً إلى جنب لتقليل عدد الأشخاص الذين يحاولون قتل أنفسهم والتخفيف من السلوكيات المؤذية في المجتمع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: marebpress