امرأة تترأس هارفارد للمرة الأولى

 

 

دائما ما تتذكر درو جيلبن فوست نصيحة والدتها "إنه عالم رجالي يا حبيبتي، وكلما أدركت ذلك بسرعة كلما كانت حياتك أفضل" ربما لم تعد هذه المقولة صحيحة منذ عقد أو بضعة عقود، لكن فوست رفضتها منذ البداية.

المؤرخة البارزة والأكديمية المتميزة فوست، عُينت في 11 فبراير من هذا العام رئيسا لجامعة هارفارد الأمريكية الشهيرة. وبهذا تصبح فوست أول امرأة تقود هارفارد منذ تأسيسها قبل 371 عاما. وبعد انتخابها من قبل مجلس الجامعة، ستتولى فوست مهام منصبها عمليا في الأول من يوليو، باعتبارها الرئيس الثامن والعشرين لجامعة هارفارد العريقة "إنه يوم عظيم يوم تاريخي بالنسبة لهارفارد"، كانت تلك كلمات جيمس هوتون عضو مجلس أمناء الجامعة، المسمى بمؤسسة هارفارد، في بيان وصف درو فورست بأنها "تجمع بين ثقافة واسعة رفيعة و قدرات قيادية مشهود لها وموهبة في تحفيز العاملين على تقديم أفضل ما لديهم، فرديا وجماعيا".

كان ذلك شعور أغلب من شارك في التصويت لاختيار فوست، لكن قرار تعيينها لم يكن سهلا. إذ كان على المجلس الاختيار من بين عدد من المرشحين البارزين، مثل توماس سيتش الحائز على جائزة نوبل ورئيس المعهد الطبي هوارد هيوز في تشيفى شيز بولاية ميريلاند. كما أن تسمية فوست لم تمض بدون انتقادات، لأن افتقارها إلى خبرات إدارية كبرى أثار مخاوف البعض في وقت يتزايد فيه القلق بشأن مستقبل جامعة هارفارد المرموقة. لكن العديد من أعضاء اللجنة دفعوا بأن مميزات فوست الشخصية تتجاوز نقص خبرتها النسبي وكان رئيس هارفارد، لورنس سومرز، أعلن استقالته قبل نحو عام، إثر تعليقاته حول الاختلافات الجينية بين الجنسين والتي أثارت جدلا كبيرا ومنذ ذلك الوقت، بدأ البحث عن رئيس جديد للجامعة. وفي ضوء عملها السابق في قضايا ذات صلة بالجنس، وجدت الهيئة المشرفة على المدارس أن فوست هي أفضل من يساعد على تهدئة التوترات داخل الكلية التي انقسمت على نفسها في عهد سومرز. وكان هذ العامل، إلى جانب صفاتها القيادية المتميزة الأخرى، وراء ترشيح فوست بقوة لشغل ما يوصف بأرفع منصب في المجال الأكاديمي. وقد علقت فوست على تعيينها رئيسا لجامعة هارفارد بقولها "إنه لشرف كبير أن تضع المجالس التعليمية ثقتها في شخصي. وسوف أعمل بكل جهدي، مع زملائي في أنحاء الجامعة، وعبر قطاعات المجتمع الأوسع، لكي نكون جديرين بهذه الثقة" وسوف تتسلم درو فوست مهام منصبها في بداية يوليو تموز المقبل من ديريك بو الذي شغل المنصب كرئيس "انتقالي" لهذا العام الدراسي فقط.

الحياة والتعليم والإنجاز 

ولدت دروجي فوست لأسرة ميسورة في منطقة وادي شنيندواه بولاية فيرجينيا، حيث تربت وترعرعت. ثم التحقت فوست بأكاديمية كونكورد بولاية ماساشوستس. وهي متزوجة حاليا من تشارلز روزنبرغ، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة هارفارد وأحد أبرز مؤرخي الطب الأمريكيين. ويعيش الزوجان مع ابنتيهما في مدينة كمبريدج وستكون فوست أول من يتولى رئاسة جامعة هارفارد من غير خريجيها منذ العام 1672. إذ حصلت فوست على درجة البكالوريوس في التاريخ من كلية برين ماور، وهي مدرسة نسائية في ضواحي فيلادلفيا. كما حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في الحضارة الأمريكية من جامعة بنسلفانيا. ومنذ حصولها على الدكتوراة، ألفت فوست خمسة كتب، من بينها "أمهات الاختراع: نساء الجنوب النخاسي في الحرب الأهلية الأمريكية"، وهو العمل الذي فاز بجائزة فرانسيس باركمان عام 1997 كأفضل كتاب عن التاريخ الأمريكي. كما اشتهرت فوست بكتابها "راسمو التاريخ الجنوبي: أصداء انثروبولوجية"، والذي ناقشت فيه بصراحة أفكارها النسوية وفي 2001 اختيرت فوست لشغل منصب عميد معهد ردكليف، على أمل تحويل هذه الكلية النسائية المستقلة إلى جزء مندمج في الجامعة. ولم تخيب فوست الآمال العقودة عليها. والحقيقة أن نجاحها السابق في تطوير عمل معهد ردكليف كان عاملا حاسما في تعيينها الأخير رئيسا لجامعة هارفارد العريقة. ولدى إعلان تعيينها في هذا المنصب، أثنى العضو البارز في مؤسسة هارفارد ورئيس لجنة اختيار رؤساء الجامعة،جيمس هوتون، على فوست واصفا إياها بأنها "تجمع بين الفهم الواعي للتراث والفاعلية في قيادة الإبداع. وفي إشارة إلى عمادتها الناجحة لردكليف، أشاد هوتون بقدرة فوست على "إظهار مهارة غير عادية في تصميم وتنفيذ أجندة متطورة للتغيير المؤسسي".

وما زالت فوست عضو مجلس أمناء في كل من كلية برين ماور، ومؤسسة اندري ميلون في نيويورك، ومركز الإنسانيات القومي. كما أنها ترأست الجمعية التاريخية الجنوبية بين 1999- 2000، وشاركت في فريق العمل الخاص بكلية البنات وبالمرأة في العلوم والهندسة عام 2005، وفي لجنة هارفارد لدراسة وضع المرأة 2001-2006. وكانت فوست أيضا أستاذا للتاريخ بجامعة بنسلفانيا حيث مارست مهنة التدريس على مدى 25 عاما. وعلاوة على ذلك، شاركت فوست في العديد من الهيئات التحريرية ولجان التحكيم، ومن بينها هيئة جائزة بولتزر الصحفية المرموقة بين 1986- 1990.

الأولويات والأهداف

مع انتهاء مرحلة البحث عن رئيس لهارفارد، ستشرع فوست في تحديد ملامح دورها كقائد لهذه المؤسسة التعليمية المرموقة، في الوقت الذي ستعمل فيه على إرساء خططها وتصوراتها للمستقبل. وعبر مشروعات عديدة مقبلة، تعتزم فوست وضع خطط للتوسع، وتغيير المناهج، ومعالجة مشكلة الفجوة بين الجنسين، فضلا عن توفير مصادر للتمويل والتبرعات ومن بين مشروعات أخرى معنية بتطوير الجامعة، ستتولى فوست الإشراف على تطوير حرم جامعي جديد على ضفتي نهر تشارلز في بوسطن، وهو ما يعد التوسع الأضخم في تاريخ هارفارد. وفي إطار الحرم الجديد المقام على مساحة مائة هكتار (حوالي 250 فدانا) في حي الستون بولاية بوسطن، ستنشئ هارفارد مبنى جديدا للأبحاث العلمية ومركزا آخر للفنون. وحسب فوست، فإن ذلك (التوسع) من شأنه أن يدعم جهود الجامعة الرامية إلى تذويب الحواجز بين  العلوم الإنسانية (الأدبية والاجتماعية) من ناحية والعلمية (الفيزيائية والكيميائية وغيرها) من ناحية أخرى، والتي تسببت في انقسام بين طلاب الجامعة لزمن طويل وفي مقدمة أولويات فوست في المرحلة المقبلة، ملء منصب العميد في كل من كليات الآداب والعلوم والطب، علاوة على إيجاد من يحل محلها في منصب عميد معهد راتكليف التابع لهارفارد. ومع تدني معدل التبرعات للجامعة في 2006 إلى أدنى مستوياته منذ 17 عاما، سيكون تنشيط التبرع والتمويل على رأس أجندة رئيسة هارفارد الجديدة خلال العام المقبل.

ماذا يعني ذلك للتعليم العالي؟

أكدت فوست أنها لا ترى في وظيفتها الجديدة فرصة لقيادة إحدى أبرز الجامعات الأمريكية وأكثرها شهرة عالميا  فقط، وإنما تراها أيضا فرصة للدفع قدما بقضية التعليم العالي في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أوضحت فوست أن رؤية أميركا لنظام التعليم الجامعي زاخرة بالتناقضات، إذ غالبا ما يحظى بالإشادة باعتباره "على أعلى مستوى عالمي"، لكنه يتعرض في الوقت نفسه لانتقادات بسوء الإدارة وضيق التفكير. ومن موقعها كرئيس للجامعة، تنتوي فوست تغيير هذه النظرة معتبرة أن "ما سوف تفعله هارفارد في العقد المقبل سيساعد على تحديد شخصية ومعنى الجامعات في القرن الحادي والعشرين" وبرغم تأكيد فوست أنها أكثر حرصا على أن تُعرف برئيس جامعة هارفارد من أن تلقب "بالمرأة التي ترأس هارفارد"، فإنها تدرك جيدا المغزى الرمزي العميق لهذا اللقب. فتقول "أعتقد أن ذلك يترجم تغييرات مهمة في وضع المرأة في التعليم العالي، وفي الحياة العامة، بل وفي وضع المرأة في أميركا والعالم بوجه عام".  وتضيف "أتمنى أن يصبح تعييني في هذا المنصب المتميز رمزا مهما لإمكانية حصول المرأة على فرص لم يكن تخيلها واردا قبل جيل واحد فقط".

قيادات نسائية

فوست هي واحدة من بين عدد متنام من النساء اللاتي حصلن على مناصب قيادية في بعض أبرز الكليات والجامعات الأمريكية إذ كانت جوديث رودن، رئيسة جامعة بنسلفانيا  1994 – 2004، أول امرأة تقود مؤسسة تحت لواء دوري أيفي Ivy League الذي يضم ثمان من أبرز مؤسسات التعليم الجامعي في شمال شرق الولايات المتحدة، ويرتبط اسمه بالكليات المتميزة تعليميا وهناك ثلاث نساء أخريات يقدن حاليا أهم الجامعات الأمريكية، هن آمي غوتمان رئيس جامعة بنسلفانيا، وشيرلي تيلغمان رئيس جامعة بريستون، وروث سيمونز رئيس جامعة براون ومع انضمام درو جي فوست، يصبح نصف عدد أهم الجامعات الأمريكية تحت قيادة نسائية ووفقا لتقرير أصدره المجلس الأمريكي عن مركز التعليم للقيادة الفعالة في واشنطن، في 12 فبراير 2007، تشغل المرأة 23 في المائة من مناصب رؤساء الجامعات والكليات في أنحاء الولايات المتحدة. ومع تنامي هذا العدد، يتساءل البعض عما إذا كانت النساء أفضل في رئاسة الجامعات. وفي دراسة حديثة قام بها جيمس فيشر وجيمس كوش واليس ممادوري، وجد أن "رؤساء الكليات من النساء أكثر إبداعا ومغامرة من نظرائهن الرجال. وأن النساء أكثر ميلا للدخول في مغامرات محسوبة، قارنة مع الرجل" وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في مقال بدورية انسايد هاير إد Inside Higher Ed الإلكترونية التي تعد مصدرا لخبار والآراء وإعلانات الوظائف في مجال التعليم العالي وبرغم أن محاباة جنس على آخر هي مشكلة يسعى نظام التعليم الجامعي إلى تفاديها، فإن النجاح الآني للقيادات النسائية في المجال الأكاديمي بات معترفا به على نطاق واسع والآن، يبدو أن فوست ستجابه بأصعب مهماتها على الإطلاق؛ ألا وهي السير على خطى القيادات النسائية اللاتي أرسين معايير عالية للنجاح في مجال التعليـــم العــالي.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقريرواشنطن-العدد104