المرأة العراقية في الدستور : الواقع والطموح

 

 المحامي طارق حرب*

 

 

اذا كان دستور 2005 العراقي قد آمن بمبدأ ان لاتقدم للمجتمع العراقي بدون المرأة العراقية وأعتنق فكرة التكريم للمرأة كونها الام التي كانت سبباً في الوجود والنبت التي تحمل الاسم بعد الوفاة والاخت التي يجد الاخ فيها ابوه وأمه فأعلى من شأن المرأة لابل خالف مبدأ المساواة المقرر في المادة( 14) منه عندما منح في المادة( 49) حصة للنساء ( كوتا) حتى ولو لم ينتخب المرأة اي ناخب بحيث لايكون مجلس النواب دستوريا ومؤهلاً للقيام بواجباته مالم يتضمن نسبة (25%) من عدد اعضائه من النساء على الاقل وألزم قانون الانتخابات رقم 6 لسنة 2005 القوائم الانتخابية بهذه النسبة للنساء بحيث لايتم قبول اية قائمة انتخابية مالم تتضمن عدد من النساء يساوي هذه النسبة. وقد اعتمدت النساء في العراق على هذه النسبة وقبلن بذكر اسم المرأة بعد اسم الرجل في القوائم الانتخابية كما قضى قانون الانتخاب بذلك وتظهر حالات اعلاء شأن المرأة العراقية في عدد كثير من النصوص منها ماورد في ديباجة الدستور حيث نصت على (نحن شعب العراق.. عقدنا العزم برجالنا ونسائنا.. على احترام قواعد القانون وتحقيق العدل والمساواة... والاهتمام بالمرأة وحقوقها) وماورد في المادة(18) عندما منح الجنسية العراقية لمن ولد لام عراقية مما لم يكن معروفاً بالنظام الدستوري والعراقي السابق قبل 4/9/ 2003 .. ولم تكتف المادة( 20) من الدستور بذكر كلمة المواطنين فقط وهي كلمة تشمل الرجال والنساء وانما اكد على ذكر النساء اذ نصت هذه المادة على ( للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية ) وتطبيقاً لذلك وصلت المرأة العراقية الى رئاسة اهم سلطات الدولة وهي السلطة التشريعية عندما انتخب مجلس النواب قبل شهرين السيدة زكية اسماعيل خليل رئيسة مؤقتة لمجلس النواب وهذا مالم يحصل في التاريخ العراقي ولم يحصل  في جميع الدول العربية والدول الاسلامية لابل حتى الدول المتقدمة دول الديمقراطية واوطان الحرية لم تتول فيها النساء رئاسة السلطة التشريعية في بلادها وذلك يثبت انتقال احكام الدستور الى الجانب التطبيق لاسيما ان هذا التطبيق جاء من اعضاء مجلس النواب اصحاب السياسة وارباب الرياسة دستوريا وقانونياً وواقعياً وفي المادة( 29) من الدستور جعلت الاسرة اساس المجتمع والمحافظة على كيانها بجميع مايمكن ان يورد بهذا الشأن ولكن هذه المادة اوردت في الفقرة (رابعاً) امر جديد وحالة لم يتم ايرادها في الدساتير السابقة وكثير من الدول اذ نصت على (تمنع كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمدرسة والمجتمع) وهكذا فان الدستور فاق ماورد في اتفاقية ازالة جميع اشكال التمييز ضد المرأة التي تضمنت العنف ضد المرأة اذ لم يقف الدستور عند منع العنف فقط وانما منع التعسف ايضا..واذا كان العنف يشكل جريمة يعاقب عليه طبقاً لقانون العقوبات ولايحتاج الى المنع فأن التعسف لايشكل جريمة ولايعاقب عليه القانون فهو تجاوز للحق يمكن ان يحقق المسؤولية المدنية اي التعويض المالي.. ومن ذلك نلاحظ الفرق بين معاهدة( سيداو) التي اصبحت اماما للقيادات النسوية (بعضها وليس كلها) وبين الدستور العراقي الذي تقدم وسبق هذه المعاهدة واستغرق ماورد فيها. وفي المادة( 37/ ثانيا) من الدستور هنالك اشارة دستورية دقيقة ولطيفة قانونية رقيقة قصد بها المرأة اولاً وقبل كل شيء عندما قالت: ( تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني) اذ ان مثل هذا الاكراه هو في غالبيته موجه ضد المرأة لذلك تدارك الدستور هذه الحاله بأيراد مثل هذا الذي لو بحثت في دساتير الدول العربية الاسلامية لم تجد له نظيراً. وحماية المرأة من الاكراه الديني يكمل ويتمم حق المرأة واعتبارها حرة في الالتزام بأحوالها الشخصية الوارد في المادة(41) من الدستور والتي نصت على (العراقيون احرار في الالتزام باحوالهم الشخصية ) هذا الحكم الذي يحاول قلبه البعض ممن لايعرفون اسراره ولايحيطون بمغازيه الى نقيضه وضده وكأنهم يقولون (العراقيون عبيد في احوالهم الشخصية) لان نقيض كلمة(الاحرار) هي كلمة(العبيد) فهل يرضى ارباب العقول الدستورية الصحية وهل يقبل اصحاب القلوب القانونية الرجيحة هذا التأويل وذلك التفسير؟.

الم يقولوا ان هذه الوثيقة تسمى بالدستور وتكنى بأبي القوانين وتلقب بالقانون الاسمى والاعلى والمقدس وماذنب الدستور اذا تصدى لتفسيره وتأويله والخوض فيه من غير أصحاب الولاية ؟

فالتفسير والتأويل  وابانه احكام الدستور ولاية والولاية لاتصح الا ممن يعقل احكامها والبعض من اولئك لم يعقل ويفهم ويقف قواعد الدستور وسبحان القائل( ولاتقف ماليس لك به علم) فهل يستطيع هذا البعض قراءة نص المادة( 14) من الدستور عندما قررت المساواة للعراقيين وعندما ارادت رفض الاعتبارات التي قررها المجتمع لعدم المساواة رفض الجنس اولاً قبل اي اعتبار اخر كالدين والمذهب والقومية والاصل والوضع الاقتصادي والاجتماعي ومعنى ذلك ان الدستور رفض التمييز بين الذكر والانثى بين الرجال والنساء قبل التمييز بسبب الدين او بسبب المذهب او بسبب الاصل او اي سبب آخر ومعنى ذلك ان الدستور انتبه اولاً الى عدم المساواة بين الرجل والمرأة فرفضه قبل التمييز بين المسلم والديانات الاخرى وقبل التمييز بين العربي والكردي وقبل التمييز بين السني والشيعي وقبل التمييز بسبب المعتقد والرأي والوضع الاقتصادي والاجتماعي. لذلك نصت المادة( 14) من الدستور على (العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرف او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي) وسبب ذهاب البعض الى الطعن في المادة( 14) من الدستور لايعود الى عدم فهم هذا النص فقط وانما لان هذا البعض نقل ولا اقول قرأ ماتمت ترجمته مما كتبته بعض المنظمات النسوية الاجنبية وان قراءة  بسيطة لاحكام المادة (45/ ثانيا) من الدستور تضمنت كل مايتعلق بالعشائر والقبائل بشكل يتضمن نبذ مايسمى (بالنهوة) ورفض مايسمى (بالفصلية) بالتأكيد على كل قواعد الدين والقانون وهذه القواعد بعيدة عن كل التقاليد والقيم العشائرية والقبلية السائدة لدى البعض بالنسبة للمرأة مع تأكيد هذه المادة على تعزيز القيم الانسانية النبيلة ذلك ان من القيم الرذيلة النظرة الدونية للمرأة  واعتبارها عورة ومعاملتها بالمعاملة التي لايقررها الدين والقانون لها باعتبارها نصف المجتمع لابل ان تلك المادة لم تتوقف عند الدين والقانون والقيم الانسانية النبيلة وانما اضافت اليها الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان. وهذه لاتعني ماورد في الدستور العراقي والنظام القانوني العراقي فقط وانما حقوق الانسان الواردة في الاعلانات العالمية والعهود الدولية وقرارات مجلس الامن والمؤتمرات الدولية.

وهكذا جمعت هذه المادة التشريعات الداخلية والتشريعات الخارجية الخاصة بحقوق المرأة وحريتها فقد نصت تلك المادة على (تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون وتعزز قيمها الانسانية النبيلة بما يساهم في تطوير المجتمع وتمنع الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان) فاي  وردت في الدستور واي حكم كتبها.

ويواصل الكاتب في فقرة تالية :

وهذا هو حال الدستور وقواعده واحكامه لم يجد حذفاً ماهراً بارعاً مبدعاً كفئاً مكيناً لها اما قول كل كليل البيان بكى اللسان قاصر الحجة مهزوم البرهان يكرر الالفاظ تكرار ويجتر العبارات اجترارا فلا يمكن ان يسبح في بحره او يلتقط درره. على سيدنا يوسف ورسولنا افضل الصلاة والسلام عندما لم يطلب الوظيفة الا بعد ان تحققت فيها الشروط فقال: (اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم) وهكذا الدستور فانه يتطلب العلم والحفظ وحسب المراة ابنة شعيب في قولها (يا ابت استاجره ان خير من استاجرت القوي الامن) فالدستور يحتاج تناوله قوة الادراك وامانة الشرح وهذا غير متوفر في الكثير بما فيهم كاتب هذه الحروف. وختاما فلا تقدم ولاحضارة ولانهضة للعراق من دون المراة العراقية ......وعودة مرة اخرى الى الدستور العراقي والى الديباجة بالتحديد فنراه يقول:(نحن شعب العراق الناهض... عقدنا العزم برجالنا ونسائنا... على احترام قواعد القانون... والاهتمام بالمرأة وحقوقها...) فهلا عثر لي احدهم على ديباجة دستور لدولة عربية او دولة اسلامية اذاع واعلن نحو هذا وتعود بعض منظمات المجتمع المدني النسوية وتقول ان النصوص هذه لاتجد تطبيقا بسبب المجتمع الذكوري. واقول هذا جزء من الحقيقة قليل. فالكثير هو في ان الاموال الطائلة التي خصصتها الدول المانحة والامم المتحدة والمنظمات الدولية ذهبت بالاتجاه الشطط.

 اما لان اصحاب الاموال كانوا يقصدون ابعاد المرأة العراقية عن العملية الانتخابية كمرشحة وقائدة للناخبين بحيث تتبوأ مقعدها في البرلمان على اساس المنافسة مع الرجل وليس على اساس الحصة الدستورية (25%) سواء اكان ذلك عمداً او اهمالاً او لان بعض المنظمات النسوية كانت على بينة من ان لاقاعدة شعبية لها وبالتالي فان مغامرة قيادات تلك المنظمات بالترشيح سوف يؤدي الى الاخفاق حتماً وهذا ما يسلب صفة القيادات النسوية عنهن لان القيادة النسوية تستحق للمرأة بجدارة عند انتخابها فاثرن حصة الربع والعجيب ان النظام الانتخابي في الكويت والبحرين لم ياخذ بهذه النسبة ولم نقرأ او نسمع يوماً ان القيادات النسوية في البلدين قد طالبن بها واذا كانت المرأة الكويتية لم توفق في الانتخابات فان المرأة البحرانية استطاعت اثبات طول باعها ففازت في نهاية شهر تشرين الثاني 2006 في الانتخابات منافسة وند وغريم للرجل وان كان والحق يقال ان النظام الدستوري العراقي اعطى المراة العراقية هذا الحق منذ تعديل الدستور الملكي سنة 1958 في حين ان دساتير هذه الدول لم تقرر ذلك الا قبل سنوات فقط ومع حال المرأة العراقية التي حصلت على مقعد الوزارة منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي وحصلت على اعلى الشهادات في وقت كان من المحرم على المراة الذهاب الى المدرسة في عدد من الدول المجاورة.

الذي يجعلنا ننظر نظرة حسير لتلك المنظمات انها عقدت الورش واقامت الندوات وانفقت الملايين والمليارات من الدولارات على امور ثانوية ولم تنفق فلساً واحداً على ورشة واحدة تتضمن الشيء الاساس وهو تمكين المرأة العراقية من الوصول الى البرلمان كمنافسة للقوائم الانتخابية  الاخرى ولم يدر بخلد تلك المنظمات ان هذا الامر هو الاصل الذي تتفرع منه جميع حقوق المرأة فوصول عدد من النساء الى البرلمان العراقي عن طريق المنافسة سيكسبنا نحن الرجال قبل النساء مفخرة بالمنظمات النسوية التي رعت النساء باقامتها النشاطات التي مكنتها من الوصول الى البرلمان. وهكذا خلا البرلمان الاول (الجمعية الوطنية) وخلا  البرلمان الثاني (مجلس النواب) من امرأة متنافسة على قدم المساواة مع الكتل السياسية الاخرى وكان وراءها منظمات المجتمع المدني النسوية.

والغريب انه في الفترة السابقة للانتخابات بينما كانت الكتل السياسية تعد العدة للجلوس تحت مقعد البرلمان فان جميع المنظمات النسوية تركن امر وصولهن او وصول غيرهن من النساء الى هذا المقعد وانشغلن بورش وندوات واعلام ومؤتمرات في امور اخرى بعيدة عن توضيح اهمية ترشيح المرأة واهمية انتخابها كمنافسة بامور اخرى. لاسيما ان الانتخابات حصلت لمرتين في سنة 2005 وان تحديد مواعيد هذه الانتخابات حصل قبل موعدها بزمن طويل. اذ تم تثبيت هذه التواريخ في المادة (61) من الدستور الانتقالي (قانون ادارة الدولة) الصادر في 2004/3/8 وكل منصف لايعلم هل ان ذلك جاء بسبب اهمال المنظمات النسوية ام ان ذلك كان عمداً وهل ان ذلك جاء باشارة من جهات التمويل ام باشارة اخرى ولا اعلم ماهي مهمة مكتب حقوق الانسان التابع للامم المتحدة في العراق الذي انفق الكثير في موضوع حقوق الانسان من دون ان يقيم فعالية واحدة خاصة بكيفية وصول المرأة الى البرلمان دون الاعتماد على الحصة النسوية (25%) واذهب الى ابعد من ذلك واقول هل ان ضغط الامم المتحدة في اثبات هذه الحصة في الوثائق الدستورية والقانونية كان اعتماداً على دراسة من ان المرأة سوف لن تفوز في الانتخابات اذا رشحنا لوحدها ام ان هذه الحصة كانت بمثابة المخدر للمرأة العراقية بحيث لاترشح في الانتخابات..والا ماذا نفسر تغافي مكتب حقوق الانسان عن اصل هذه الحقوق واهمها وماذا نفسر سكوت جهات التمويل التي دفعت الملايين وسكوت منظمات المجتمع المدني النسوية. اذ لو تولت هذه المنظمات هذا الموضوع لوصل عدد من النساء تحت قبة البرلمان حتى لو خصص جزء قليل من النشاطات له. ولكن هذا من باب التمني وان كان الجرجاني يقول انه طلب حصول الشيء سواء اكان ممكناً او ممتنعاً.

وحصول المرأة العراقية على عدد من مقاعد البرلمان باعتبارها مرشحة كاملة وليست على اساس (ملء الفراغات) وكما نقول بحق النائبة صفية السهيل ممكناً وليس ممتنعاً ولكن بعض منظمات المجتمع المدني اللائي يرين في (الكوتا) انتصاراً لهن لايدركن مخاطر هذا الدواء الدستوري وآثاره على حركة المرأة وحسبهن في ذلك ان يطلعن على الاثر السيء لهذا الدواء في الدول الذي اعتمدته قبل اكثر من عشر سنوات. فكانت النصيحة والتاثير الاجنبي لاستعمال هذه الوصفة البرلمانية كارثياً على المرأة وتقدمها السياسي بحيث اطفأ لديها الشعلة السياسية وابقاها في مواقعها قبل تلك السنوات ولم تستطع الوصول الى البرلمان الا عن طريق هذا العون وذلك النجيد وبقت المرأة في هذه الدول اسيرة وسائل الاعلام ورهينة فوز كاذب. واخشى على هذه التجارب ان تاخذ اثرها في التجربة التي يريدها كل عراقي للمرأة العراقية فان تلك التجارب تاثرت ايضاً بالدعاية الاجنبية والتمويل الاجنبي لهذا المبدأ والذي يقلل من شأن المرأة السياسي بدلاً من ان يضعها في موقعها الصحيح وقد قال حقاً ونطق صدقاً للعراقية الام والبنت والاخت والزوجة فلقد اثبتت حروف الزمان واحوال المكان انها الاسمى والاعلى والافضل والامثل والابرع والابدع . اذ لها منة في عنق كل عراقي يوم شاركت في الانتخابات والاستفتاء على الدستور فكانت سبباً لنجاح العملية السياسية في العراق.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق .

المصدر : جريدة الصباح – 8-1-2007 – المرسل : رعد محمد علي .