الولادة القيصرية الاختيارية... جدل علمي حول التداعيات السلبية

 

 د. أكمل عبد الحكيم

 

 

في دراسة مثيرة نشرت في إحدى الدوريات العلمية المرموقة (The Birth Journal) المعنية بشؤون الولادة، اكتشف الباحثون أن معدلات الوفيات في الشهر الأول بين الأطفال المولودين ولادة قيصرية، تبلغ ثلاثة أضعاف مثيلتها بين الأطفال المولودين ولادة طبيعية. وحتى بعد تعديل النتائج، وفقاً للفروق الطبية والاجتماعية بين النساء، ظلت الوفيات بين الأطفال الذين ولدوا ولادة قيصرية، ضعف ما هي عليه بين أقرانهم الذين ولدوا ولادة طبيعية. هذه الدراسة التي أجراها علماء مركز التحكم والوقاية من الأمراض في الولايات المتحدة (Center for Disease Control and Prevention)، قامت بتسجيل الوفيات في أكثر من 5.7 مليون حالة ولادة طبيعية وقيصرية، ما بين عام 1998 وعام 2001. وبتحليل هذه النتائج، اكتشف الباحثون أن نسبة الوفيات في الولادات القيصرية تبلغ 1.77 لكل 1000 طفل يولدون أحياء بعلميات قيصرية، مقابل 0.62 وفاة فقط بين كل 1000 طفل يولدون طبيعياً. وبالنظر إلى الزيادة المطردة في الولادات القيصرية، وخصوصاً الاختياري منها، تحمل هذه النتيجة تبعات بالغة الأهمية على صعيد اختيارات الأم. فلسبب أو آخر، تظهر الأرقام المستقاة من ولادات عامي 2004/ 2005، أن واحدة من كل أربع نساء لا زالت تلد بعملية قيصرية. وهو ما يشكل ضعفي العدد مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين فقط من الزمان. وحتى على المدى القصير، وبالتحديد في الخمس سنوات الماضية فقط، ارتفع عدد من يخضعن للولادة القيصرية من واحدة بين كل خمس نساء، إلى واحدة من بين كل أربع. هذا الارتفاع المطرد، قد يصل قريباً بحالات الولادة القيصرية إلى واحدة من بين كل ثلاث ولادات، على الرغم من أن الإرشادات الصحية العامة، والصادرة عام 2004، توصي بأن تثنى النساء عن الولادة قيصرياً، ما لم يكن هناك سبب طبي ضروري. والغريب أنه من بين النساء اللواتي ولدن بعملية قيصرية، ونسبتهن 23% من جميع الولادات خلال فترة الإحصائية، كان نصفهن فقط في حاجة للتدخل الجراحي بسبب وجود طارئ طبي، بينما خضع النصف الآخر للجراحة بشكل اختياري، فيما يعرف بالقيصرية الاختيارية.

هذا الاتجاه نحو المزيد من العمليات القيصرية، وخصوصاً الاختياري منها، كان نتيجة التطور الطبي والجراحي خلال القرن الماضي. والذي أدى بالتبعية إلى اتساع مدى ونطاق الحالات الصحية والمواقف الطبية، التي يلجأ فيها الطبيب المعالج للحل الجراحي. وهو ما جعل اختيار الأمهات للولادة القيصرية، امتداداً طبيعياً لمثل هذا التطور. وهو أيضاً الاتجاه الذي ساعد على انتشاره، تطور المفهوم الأخلاقي المتعلق بحق المرأة في اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها، بما في ذلك اختيار طريقة الولادة. ولكن رغم التزايد المستمر في عدد الولادات القيصرية، وخصوصاً الاختيارية منها، لا زال المجتمع الطبي مختلفاً حول ما إذا كانت الولادة الطبيعية أفضل من الولادة القيصرية، أو العكس. وهو الواقع الذي جسده اجتماع خبراء، عقد في مارس من العام الحالي تحت رعاية معهد الصحة القومي الأميركي (National Institute of Health)، وحضره نخبة من أطباء وعلماء أمراض النساء والتوليد؛ ففي نهاية الاجتماع لم يتمكن الخبراء من الاتفاق على موقف موحد، لترجيح أي من الكفتين، بسبب انقسامهم إلى فريق مؤيد وآخر معارض. الفريق المؤيد يرى أن العمليات القيصرية، تتيح إتمام الولادات في أوقات محددة مسبقاً، وتحت ظروف مثالية، مما ينتج عنه نزيف أقل من الأم، وحماية أكبر للجنين من التعرض للإصابة أثناء الولادة. بالإضافة إلى أن الدراسات العلمية أظهرت أن الولادة الطبيعية تزيد من احتمالات تعرض الأم لسلس البول على المدى الطويل، بسبب الضرر الذي يحدث لعضلات الحوض، ودون أن ننسى طبعاً أولئك النسوة المصابات بخوف مرضي من الولادة ومخاطرها. وفي نفس الوقت يرى المعارضون للتزايد في الولادات القيصرية، أنها لا تزيد عن كونها جراحات ذات تكلفة مالية، تزداد معها نسبة العدوى، وتحتاج لفترات إقامة أطول في المستشفى، وتنخفض معها نسبة الرضاعة الطبيعية بعد الولادة. هذا بالإضافة إلى أن الولادة قيصرياً، تؤدي في الغالب إلى تكرار الولادات بالطريقة نفسها، وهو الوضع الذي تزداد معه المخاطر في كل مرة تلد فيه المرأة بنفس الطريقة. هذا بالإضافة إلى أن الأطفال الذين يولدون بهذه الطريقة، يتعرضون لمشاكل صحية وخصوصاً المشاكل التنفسية، حسب الدراسة التي نشرت هذا الأسبوع عن مركز التحكم والوقاية من الأمراض في الولايات المتحدة. حيث يرى العلماء القائمون على الدراسة أن الولادة الطبيعية، وما تستغرقه من وقت، وما تتضمنه من ضغوط، تؤهل الطفل الوليد للحياة خارج الرحم، بخلاف الولادة القيصرية والتي تنقله من الرحم إلى الحياة الخارجية في شكل صدمة تستغرق بضعة ثوانٍ ليس إلا ففي رأيهم، أن الضغوط الفيزيائية التي يتعرض لها الجنين أثناء الولادة، تساعد في إخراج السوائل من رئتيه، وفي تنشيط إفراز بعض الهرمونات من جسده، وهي التغيرات التي تؤهله للتعامل بشكل أفضل مع العالم الخارجي، المختلف تماماً عن عالمه السابق داخل الرحم. ومثل هذه الاكتشافات والدراسات، ربما كانت هي الدافع الرئيسي مؤخراً، خلف تزايد المطالبة من قبل الجهات المعنية بالصحة العامة وبصحة الأم وجنينها، بضرورة وقف التزايد المستمر في الولادات القيصرية، مع العمل على عكس هذا الاتجاه، من خلال الاعتماد على الولادات الطبيعية كطريقة طبيعية لبدء الحياة البشرية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-24-9-2006