التعليم محور سجال بين "الليبراليين" و"المحافظين" في اليابان

 

نوريمتسو أونيش

 

 

في صبيحة يوم أحد كان مدرس للتعليم العمومي يتحدث أمام 22 شاباً بأحد مراكز تكوين المدرسين باليابان؛ وفي معرض كلمته حذر الشبان من مغبة السقوط في رذيلتي الغرور والأنانية داعياً إلى ضرورة تفهم الآخرين، وملخصاً ما بدا وكأنه موعظة طويلة بقوله: "كانت تلك أهم القيم التي يتعين ترسيخها لدى الأطفال". وقد أوضح ناظر المركز لاحقاً أن فلسفته التعليمية ترمي إلى بعث الاهتمام مجدداً بالقيم والفضائل التي كانت سائدة في اليابان قبل فترة الحرب العالمية الثانية، مضيفاً "كل القيم التي تلاشت من حياتنا طيلة ستين عاماً من السياسة التعليمية لما بعد الحرب العالمية الثانية نود استرجاعها". ويأسف الناظر "كينجي تاميا" الذي يبلغ 72 سنة وكان مديراً سابقاً لشركة سوني أن: "تتحول اليابان إلى بلد منغلق يؤمن فقط بالاستحقاق، فضلاً عن إعجابه المفرط بذاته، وهذا لا يعني أن نلوم التعليم وحده، بل إن النظام الاجتماعي بأكمله يعاني من بعض أوجه القصور. ولأن المنظومة التعليمية تحتل مكانة متقدمة في ترسيخ الصفات السلبية فإن مراجعة حقيقية لتلك المنظومة تفرض نفسها" ويبدو أن الحكومة اليابانية التقطت التوجه الجديد في الوسط التعليمي فسارعت إلى التحرك باتجاه مراجعة القانون الأساسي للتعليم الذي وضع سنة 1947 إبان الاحتلال الأميركي لليابان للحؤول دون استيقاظ شرور القومية التي كانت سائدة قبل الحرب. وتركز المراجعة التي تقدم بها الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم على توطيد قيم الوطنية والتقاليد والأخلاق، إضافة إلى منح السياسيين سلطة أكبر على المدارس والنظام التعليمي. يشار إلى أن القانون المنظم للتعليم الذي صاغته الولايات المتحدة أثناء فترة الاحتلال جاء ليعوض مرسوماً إمبراطورياً كان يحض طلاب المدارس على التضحية بأنفسهم في سبيل الدولة والإمبراطور. ولطالما تعرض قانون 1947 لانتقادات المحافظين اليابانيين لإفراطه في التركيز على الحقوق الفردية على حساب المصلحة العامة، ولإسهامه في بروز مظاهر سلبية من تآكل الروابط المجتمعية، وصعود جرائم الأحداث.

ويأتي التركيز على الأخلاق والوطنية التي يدعو إليها المحافظون كرد فعل على السياسات التعليمية التي انتهجت منذ التسعينيات وتعلي من شأن الفردية والإبداع باعتبارهما الصفتين المطلوبتين لتعزيز قدرة اليابان التنافسية على الصعيد العالمي. لذا يوجه العديد من السياسيين والآباء اللوم إلى قيم الفردية، كما يلومون أيضاً وقف الحصص الدراسية ليوم السبت التي كانت شائعة في اليابان ويحملون إيقافها مسؤولية تدني المستوى الدراسي وانعدام الانضباط في سلوك الطلبة. هذا وتندرج مساعي مراجعة النظام التعليمي ضمن سياق محافظ أشمل بدأ يتقوى في اليابان خلال الآونة الأخيرة ويدعو إلى إعادة رموز ما قبل الحرب إلى الحياة العامة، فضلاً عن استخدام الكتب المدرسية التي تخفف من حدة الماضي العسكري لليابان. وبصورة أساسية تشكل أية مراجعة للمنظومة التعليمية تمهيداً لما يراه البعض مراجعة لابد منها لوثيقة قانونية أخرى وضعها الاحتلال الأميركي والمتمثلة في دستور السلام الذي كان الغرض منه الحؤول دون تكرار اليابان لماضيها الاستعماري. ورغم أن المدارس العمومية كانت طيلة الفترة السابقة ساحة معركة حقيقية بين السياسيين المحافظين من جهة والمدرسين الليبراليين من جهة أخرى، إلا أنه في العقد الأخير ومع تنامي التيار المحافظ وانهيار اليسار أصبح السياسيون المحافظون أكثر قوة وتحكماً في السياسات التعليمية بالمدارس اليابانية.

ويمكن لمس هيمنة التيار المحافظ على المدارس العمومية بشكل أكثر وضوحاً في مدينة طوكيو، حيث قام حاكمها اليميني "شينتارو إيشيهارا"، وباقي السياسيين الذين ينسجون على منواله بمحاصرة نفوذ المدرسين الليبراليين. ويتوقع خبراء التعليم أن تمتد آثار مراجعة قانون التعليم لسنة 1947 إلى باقي المجالات مكتسحة جميع مناحي الحياة في اليابان لتضفي عليها مسحة محافظة. ففي طوكيو وطيلة السنوات الثلاث الأخيرة قامت مجالس المدارس بمعاقبة حوالى 350 مدرساً بسبب سلوكهم غير الوطني في مناسبات متنوعة مثل امتناعهم عن ترديد النشيد الوطني الياباني ورفضهم الوقوف أمام العلم وتحيته، وهي الطقوس التي مازال ينظر إليها البعض في اليابان كما في الخارج على أنها نوع من الاحتفاء بماضي اليابان العسكري. بالإضافة إلى ذلك تغيرت طريقة اتخاذ القرار في المدارس فبعدما كان يشترك المدرسون مع الطاقم الإداري في صياغة السياسات المدرسية، قامت مجالس المدارس سنة 1998 بالحد من صلاحيات المدرسين والاستئثار باتخاذ القرارات المهمة. وقبل شهرين فقط منعت المجالس المدرسين من رفع أيديهم أثناء الاجتماعات للإدلاء بآرائهم. "يوكيشي يوكوياما"، نائب حاكم طوكيو برر صدور القرار الأخير بالجدل الذي أثاره المدرسون احتجاجاً على سياسة 1998 القاضية بتقليص صلاحيات المدرسين، مؤكداً أنه "طيلة فترة ما بعد الحرب همش دور الطاقم الإداري لصالح المدرسين وقد صححنا الاختلال لا أكثر". لكن معارضي القرار يجادلون بأن الهدف الحقيقي من ورائه هو تكميم أفواه المدرسين ومنعم من الجهر بآرائهم، لاسيما هؤلاء المنتمين إلى الاتحادات النقابية وفي هذا السياق يقول "ميكيكو إيكيدا"، وهو أحد مدرسي الموسيقى الذي تلقى توبيخاً بسبب امتناعه عن تحية العلم "ليس المقصود من القرار منع المشاركة في النقاش، بل حذف مبدأ النقاش نفسه" ويأمل المواطنون اليابانيون أن يقود التعديل المرتقب لقانون التعليم في بلادهم إلى استعادة الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتعزيز التقاليد، لكن دون الإفراط في تأجيج المشاعر القومية التي طغت على المجتمع خلال فترة ما قبل الحرب وأدت إلى خراب عظيم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-12-6-2006