أول ثورة عربية، من المسؤول؟

 

عبد الرحمن الراشد

 

 

هوجمت شركة الإيه آر تي في عرض العالم العربي وطوله، لأنها حرمت الشعوب العرب من مشاهدة مباريات المونديال، وتشكلت قوافل النقاد من محطات خسرت الحقوق، ومتمولين وممولين، وأصحاب المقاهي وروادها، ومحترفي الشكوى، وبطبيعة الحال مائة مليون عربي قضيتهم الأولى كأس العالم وناحت الاصوات بأن في المنطقة أزمة بسبب حصار منظمة الفيفا، وان في المنطقة العربية مجاعة رياضية لا مثيل لها. والحال ان الحكومات العربية تدخلت متأخرة لأنها لا تفهم معنى كأس العالم وأهميته، وخطورة أمزجة الناس إلا عندما تحل الكارثة. ومن يتابع ما يقال فإننا أمام تبرم يصل الى حد الانتفاضة الشعبية العربية التي لم يسبق لها أن ثارت من احتلال أرض أو خسارة معركة. كأس العالم أثبت بلا جدال انه اهم من القضية الفلسطينية والعراق وبن لادن وكل المقدسات الاعلامية. واضطرت الحكومات الى إرضاء الناس بالوعود والتصريحات المطمئنة، أو الهدايا مثل نصب مخيمات أو لوحات تلفزيونية أو شراء بعض الحقوق.

بخلاف ما روجته المحطات الخاسرة أو الحكومات الجاهلة، فإن هناك جانبا مهما في الأزمة، وهو ان طرفا ما عليه ان يدفع الثمن. هناك ثمن حقوق للمباريات في تجارة منظمة لا فكاك منها. اما أن تدفعها الحكومات على اعتبار انها تملك اموال الناس ومصادر دخولهم وضرائبهم وتهيمن على تلفزيوناتهم المحلية، او تفتح السوق التلفزيونية فتدفع الشركات الخاصة الثمن، وتجبيه بدورها من شركات الاعلان. ثمن نقل بطولة كأس العالم التي تتكرر مرة كل أربع سنوات يكلف أقل من ثمن عقد سنوي لتغيير عجلات الطائرات الحربية التي يمكن أن تستخدم مرة كل عشرين سنة وبدل تهديد شركة الإيه آر تي، أو الضغط على الفيفا التي هي عمليا أقوى من كل الحكومات العربية مجتمعة، لماذا لا تدفع الثمن مثلها مثل كل المؤسسات المحترمة في العالم؟ وما قيل صحيح، ان المواطن العربي لا يستطيع ان يدفع مائة دولار، يعادل مرتب شهر بأكمله، من اجل مشاهدة مبارايات كرة القدم، لكن الحكومات تستطيع ان تدفع خمسة ملايين دولار بالنيابة عن عشرين مليونا ليشاهدوها. أو، وهو الخيار الأفضل، أن تفتح المجال التلفزيوني فتلغي احتكارها للبث الأرضي وتعزز قدرات اعلامها الاقتصادية التي ستبادر من تلقاء نفسها لشراء الحقوق قبل سنوات من موعد البث كما فعلت غيرها. هذه الحقيقة التي لا يريد النقاد بحثها، بل يريدون ضحية يعلقون على رقبتها الأخطاء من نقص الخبز الى جوع مباريات كأس العالم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-11-6-2006