معارض الكتاب... زوروني في السنة مرة

 

جهاد فاضل

 

 

توضع عبارة (زوروني في السنة مرة) يافطة بخط كبير وعريض، وتحتها بخط أصغر عبارة (معرض الكتاب) يضاف اليها اسم العاصمة العربية التي يقام فيها هذا المعرض. وتؤلف هذه العبارة في واقع الأمر نوعاً من حث علي الحضور، إن لم تؤلف نوعاً من نداء استغاثة. الكتاب العربي الذي لم يمر في حياته بمحنة كمحنته الحالية، يوجه نداء استغاثة الي الجمهور كي يزور معرضه، كي يعود اليه، خاصة وان في صميم عقيدة هذا الجمهور ما نُطلق عليه الكتاب، وما يأمر بالقراءة وعبارة (زوروني في السنة مرة) عندما يوقعها معرض الكتاب، تتضمن أكثر من العتب. ففيها مزيج من اليأس والإحباط، إن لم تشكل النداء الأخير الذي توجهه البواخر قبل ان تغرق في اليم مع ان زيارة الكتاب، سواء في المكتبة المنزلية أو في المكتبة العامة، يفترض ان تكون يومية أو أسبوعية، أو بلا مواعيد، كأن تألف النفس خير جليس في الأنام فلا تستطيع مفارقته فقد قنع الكتاب، لفرط يأسه، بزيارة يقوم بها العربي اليه في السنة مرة. وهذا ان دل علي شيء، فعلي حالة جفاء بيننا وبين الكتاب لم تُعهد في السابق فإلي ما قبل ثلث قرن، أو نصف قرن علي الأكثر، كان يدخل الي المكتبات العامة في شارع الأمير بشير في بيروت مواطنون بسطاء غير مثقفين يطلبون من صاحب المكتبة ان يرشدهم الي كتب عربية ميسرة تدور حول الأدب. وقد روي أمين نخلة في بعض ما كتب ان مواطنا لبنانيا دخل مرة علي أحد هؤلاء الورّاقين وطلب منه ان يبيعه ديوان شعر دون ان يحدد اسم الديوان أو اسم صاحبه. فقط اراد ان يشتري ديوان شعر يعود اليه في ساعة صفاء أو في ساعة غمّ، فيؤنسه ويبدد وحشته ويغذي فكره وعقله. أما اليوم فلا يمر أحدنا بديوان الشعر، أو بأي كتاب آخر، إلا مر المجانب، بلغة ابن الرومي، أو مر الكرام، بلغة الأقدمين ايضاً. فالكتاب فقد مكانته الأثيرة التي كانت له عند العرب ومع ان سنوية هذا المعرض مع ما يصاحبها من حسومات واغراءات مختلفة، يفترض ان تدفع بالكثيرين، إن لم يكن بالجميع، لانتهاز فرصة هذه المناسبة، وبالتالي لتجديد العلاقة مع الكتاب، فإن الواقع يفيد العكس في أكثر الأحيان. فكثيراً ما يشكو الناشرون من أن هذا المعرض في هذه العاصمة العربية أو تلك لم يكن ناجحاً، أي انه لم يشهد البيع الذي توقعوه ويمكن الاعتداد بقول هؤلاء الناشرين أكثر مما يمكن الاعتداد بالأرقام المفبركة التي تذيعها عادة ادارة المعرض عن عدد الحضور ذلك ان كثيرين يحضرون ولا يشترون وفي معرض القاهرة الدولي علي سبيل المثال، تحضر يومياً أعداد لا تحصي من المواطنين الذين يروحون ويجيئون في ارجاء المعرض ولا يشترون. فالعبرة اذن لا بعدد الحضور، وانما بعدد من يحضر ويشتري. وهؤلاء باتوا مع الأسف قلة في كل مكان.

وقد يشتري البعض كتباً مجلدة ومذهبة يضعها في خزانة الصالون كجزء من الديكور لا أكثر ولا أقل. أما تلك العلاقة الحميمة والعميقة مع الكتاب فهي علاقة نادرة واستثنائية عندما تدعو وزارة الثقافة العربية، أو الجهة الثقافية المعنية، الي معرض الكتاب السنوي، تقوم الدنيا وتقعد. تؤلف فوراً اللجان، وأولها لجنة لمراقبة الكتب الوافدة ويعلن عن الحسومات المتاحة. وهناك مؤلفون يضبطون ساعاتهم علي ساعة هذا المعرض، فلا ينشرون كتبهم إلا قبل انعقاد المعرض بأيام وهناك من يؤلف كتابه خصيصاً لهذا المعرض. ومن أبرز نشاطات هذه المعارض السنوية عمليات توقيع الكتب، وهي عمليات يأنف كثيرون من المؤلفين من الدخول فيها نظراً لطابعها التجاري البحت. ومع ان هذا الجهد الذي تبذله وزارات الثقافة العربية، أو الجهات الثقافية التي تنظم هذه المعارض، هو في جوهره، جهد مشكور، إلا انه جهد غير كاف. فالجهد الأهم الذي ينبغي ان يتحقق هو وصل العربي يومياً بالكتاب، وفق صلة روحية تلقائية مع  أما كيف يتحقق هذا الحلم، علي النحو الأمثل، فأمر ينبغي التفكير به، وايجاد مداخل له، والوصول به الي حلول عملية، لأنه مرتبط بترقية النفس والوجدان، ان لم يكن بعملية التنوير والتحديث من أساسها.

كان الشيخ الياس خليل زكريا، وهو من الأدباء اللبنانيين الكبار في الخمسينيات من القرن الماضي، يدعو الي توزيع الكتب بالمجان فقد ذكر لي مرة ان الكتاب، لجلاله ورفعة مقامه، لا يجوز عليه البيع، وانما تجب هبته، فالهبة وحدها هي التي تليق به. اما بيعه فأمر يلحقه بالسلع والبضائع.. كنت استمع اليه واطرب لاقتراحه، وأسأله عن كتبه التي ينوي ان يطبعها ولا يستطيع نظراً لفقره. وقد ذكر لي مرة ان لديه ثلاثين مخطوطاً في الأدب يود ان ينشرها ولا يملك تكلفة طبعها. فأنصحه بالاتصال بالناشرين، فيقول لي ان الناشرين سيبيعون هذه الكتب للجمهور وهذا ما لا استطيع تصور حصوله وتوفي الياس خليل زكريا، دون ان يطبع كتبه، ودون ان تجد هذه الكتب طريقها الي النشر.قد تكون فكرة الشيخ الياس خليل زكريا حول ان الكتاب لا يجوز عليه البيع، بل تليق به الهبة، فكرة خيالية أكثر منها فكرة واقعية.

فالمرء يجهد ذاكرته اذا سمعها لمعرفة ما اذا كان أفلاطون قد أوربها في جمهوريته، أو ما اذا كان سواه من المفكرين المثاليين قد بشر بها. ولكن الكتاب العربي بحاجة الي نجدة تتجاوز (زوروني في السنة مرة) قد تتمثل بدعم الدول العربية له دعماً مؤثراً وفعالاً شبيهاً بالدعم الذي تقدمه للرغيف علي سبيل المثال. أليس الكتاب رغيفاً؟ ينعش الرغيف الجسد، ولكن الكتاب ينعش العقل والروح ولا يحل محله بديل، وبدونه يفقد الانسان خاصية انسانيته ويعود الي حالته الأولي التي كان عليها في العصر الحجري، أو ما يشبه العصر الحجري.

تتمثل صورة هذا الدعم بمكتبات تنشئها وزارات الثقافة في الحواضر والأرياف تباع فيها الكتب، كل الكتب، من عربية وأجنبية بأسعار رمزية وليس ضرورياً ان تباع بسعر التكلفة. فالدولة لن يصيبها الفقر، ولن تصل الي الافلاس، اذا ما باعت الكتب من الجمهور بأسعار رمزية. وعلي هذه المكتبات الحكومية العامة ان تعمل طيلة السنة بلا انقطاع، وان لا تقفل ابوابها إلا في أيام العطل الأسبوعية والأعياد.

ان مشهد معرض الكتاب السنوي بات مشهداً يأنف منه الكثيرن لأنه علامة من علامات تخلفنا. الأصل ان المعرض حدث استثنائي في العلاقة مع الكتاب، وليس حدثاً طبيعياً أو عادياً. والأصل ان المعرض هو للناشرين بالدرجة الأولي، وليس للمواطنين فهو مناسبة لعمليات تعاقد وبيع وشراء بين هؤلاء الناشرين أكثر مما هو مناسبة يطرح فيها الكتاب للجمهور ولكن ما هو علي هذه الصورة عند سوانا، أصبح المناسبة الوحيدة في السنة التي نري فيها كتابا ً.. ثم ان هذا المعرض تحول مع الوقت الي مناسبة اجتماعية استعراضية، وبذلك فقد صلته بروح الثقافة وكل ذلك يدعو إما الي الغائه، وإما الي نزع صفة الضروري و الهام عنه، والالتفات الي فكرة المكتبات شبه المجانية التي أشرنا اليها، وعلي الأقل البدء أولاً بدعم المكتبات العامة الحالية التي لا يرتادها الناس في الأعم الأغلب إلا لشراء القرطاسية..

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الراية القطرية-5-6-2006