السكتة الدماغية: عوامل الخطر وسبل الوقاية

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

 

في صباح يوم الثاني والعشرين من شهر مايو، وقبل ساعات معدودة من افتتاح المؤتمر السنوي للجمعية العمومية لمنظمة الصحة العالمية، لقي الدكتور "لي جونج- ووك" (Lee Jong-Wook) مدير عام المنظمة الدولية، والبالغ من العمر واحداً وستين عاماً، حتفه من جراء جلطة في شرايين المخ. وفي نفس يوم وفاة الدكتور "لي"، تناقلت وكالات الأنباء، خبر حدوث تدهور بالغ في الحالة الصحية للرئيس الإندونيسي السابق "محمد سوهارتو"، والبالغ من العمر خمسة وثمانين عاماً، بعد أن كان قد تعرض لعدة سكتات دماغية، منذ تخليه عن الحكم في عام 1998. وبعدها بأيام، وفي بداية هذا الأسبوع، تناقلت وسائل الإعلام، خبر نقل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "آريل شارون"، والبالغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً، إلى مركز متخصص في الرعاية الصحية طويلة المدى، بعد أن فشلت ثماني جراحات في إخراجه من غيبوبته، والتي كان قد دخلها بعد إصابته بسكتة دماغية في شهر يناير الماضي. ورغم أن الذبحة أو السكتة الدماغية، تحدث غالباً في السن المتقدم، كما هو الحال مع دكتور "لي"، وسوهارتو، وشارون، إلا أنها أحياناً ما تحدث أيضاً في المراحل المبكرة من العمر. فمن المعروف أن مرضى أنيميا الخلايا المنجلية، والتي تسبب تكتل خلايا الدم، ومن ثم انسداد الأوعية الدموية، يتعرضون كثيراً للإصابة بالسكتة الدماغية، إلى درجة أن السكتة الدماغية، تحتل المرتبة الثانية في سبب الوفيات لمن هم دون سن العشرين، من المصابين بأنيميا الخلايا المنجلية.

وفي بداية هذا الأسبوع، قدم مجموعة من الباحثين الألمان نتائج دراسة، ضمن فعاليات المؤتمر الأوروبي للسكتة الدماغية (European Stroke Congress) المنعقد في بروكسل، أظهروا فيها مسؤولية خلل وراثي عن إصابة بعض الأشخاص بالسكتة الدماغية في مراحل مبكرة من حياتهم مقارنة بغيرهم. في هذه الحالة، والمعروفة بـ"مرض فابري" (Fabry disease)، يفتقر الجسم لإنزيم خاص، مسؤول عن العمليات الحيوية الخاصة بالدهون والزيوت والأحماض الدهنية داخل الجسم. وينتج عن ذلك تراكم الدهون إلى مستويات ضارة، داخل العينين، وفي الكليتين، وفي الجهاز العصبي، وداخل الأوردة والشرايين، وهو ما يؤدي إلى وفاة هؤلاء الأشخاص في سن مبكرة، بسبب المضاعفات الصادرة من الكليتين، أو من القلب والأوردة والشرايين ولكن، بما أن مرض الخلايا المنجلية، أو مرض فابري، لا ينتشران بنسبة كبيرة، تظل السكتة الدماغية مرضاً مرتبطاً إلى حد كبير بالتقدم في السن، حيث تحدث 95% من حالات السكتة الدماغية لدى من تخطوا سن الخامسة والأربعين. وبالتحديد، يحدث ثلثا الحالات لدى من تخطوا سن الخامسة والستين، أما الثلث الباقي، فيحدث عند من هم بين سن الخامسة والأربعين والخامسة والستين. وبخلاف أن احتمالات الإصابة تزداد بتقدم العمر، تزداد أيضاً احتمالات الموت والوفاة من جراء السكتة الدماغية، كلما تقدم عمر الشخص وقت الإصابة.

وتشارك السكتة الدماغية بقية أمراض الشرايين، في عوامل الخطر المهمة. مثل ارتفاع ضغط الدم، والإصابة بداء السكري، والتدخين، بالإضافة إلى الإفراط في تناول الكحوليات، وارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم، واستخدام المخدرات، ووجود تاريخ عائلي للإصابة. وبالطبع، إذا ما أصيب الشخص بسكتة دماغية سابقاً، تزداد احتمالات إصابته مرة أخرى، وبشكل كبير. وعلى الرغم من أن السكتة الدماغية تصيب الرجال بشكل أكبر من النساء، إلا أن 60% من الوفيات الناتجة عنها تحدث بين النساء. وربما كان السبب خلف هذا التناقض، هو حقيقة أن النساء يعشن لفترة أطول من الرجال، مما يجعلهن أكبر في المتوسط، في العمر، عند إصابتهن، وهو ما يزيد من احتمالات وفاتهن عند الإصابة. هذا بالإضافة إلى أن بعض عوامل الخطر المؤدية للإصابة بالسكتة الدماغية، تقتصر فقط على النساء، مثل الحمل، والولادة، وسن اليأس، والعلاج ببدائل الهرمونات الأنثوية بعد انقطاع الطمث.

ويعتبر الكشف عن، وتحديد المرضى الذين يعيشون تحت ظل عوامل الخطر تلك، هو خط الدفاع الأول في الوقاية من السكتة الدماغية. فمن خلال التدخل الطبي، يمكن التخفيف من أثر تلك العوامل. ليس فقط عند الأشخاص الأصحاء، بل أيضاً عند من أصيبوا سابقاً بالسكتة الدماغية، لمنع إصابتهم مرة أخرى. فمن خلال توفير العلاج المناسب لداء السكري، وخفض ضغط الدم المرتفع، والتوقف عن التدخين، وخفض مستوى الكوليسترول، وممارسة التمارين الرياضية، والامتناع عن المسكرات والمخدرات، يمكن فعلياً خفض احتمالات إصابة الشخص بالسكتة الدماغية، والوفاة منها. وكثيراً ما تستخدم العقاقير، مثل الجرعات اليومية الصغيرة من الأسبيرين، كوسيلة للوقاية الأولية لمن لم يصابوا سابقاً بالسكتة الدماغية، وكوسيلة للوقاية الثانوية لمن أصيبوا بها سابقاً. وإذا ما كان المريض يعاني من اضطرابات في القلب، فيمكن علاجه بمضادات التخثر، مثل "الوار- فارين"، والتي تلعب دوراً محورياً في وقاية مثل تلك الحالات. والغريب أن عوامل الخطر تلك، وسبل الوقاية منها، سواء عن طريق الأدوية والعقاقير، أو عن طريق تغيير بعض السلوكيات، تنطبق كذلك تماماً على الذبحة الصدرية. فالسكتة الدماغية، والذبحة الصدرية، تنتجان في الأساس من مرض الشرايين، سواء كانت شرايين المخ، أم شرايين القلب. وهو ما يدفعنا للاستنتاج بأن ما يفيد شرايين القلب، يفيد أيضاً شرايين المخ، والعكس صحيح.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-1-6-2006