إندماج اللاجئين في سويسرا بين الحقيقة و الخيال

 

 

بلـُوخر ينفذُ وعوده بإدماج اللاجئين .. "الحقيقيـين"

يُطلق وزير العدل والشرطة كريستوف بلوخر في سبتمبر القادم مشروعا تجريبيا لتكوين اللاجئين المُعترف بهم لمُساعدتهم على دخول سوق الشغل وخفض النفقات الإجتماعية.المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئين، التي لم يتم إشراكها في المشروع، تُُحيي الخطوة لكن تدعو إلى عدم تجاهل باقي اللاجئين وتُذكر بتزامن المشروع مع تشديد قانون اللجوء.

في سبتمبر الماضي، أعلن وزير العدل والشرطة السويسري كريستوف بلوخر عن بلورة مشروع لتكوين من يصفهم مرارا بالـ"اللاجئين الحقيقيين" (في مقابل أولئك الذين ينتهكون في نظره قانون اللجوء) بهدف خفض عدد الأشخاص الذين يعتمدون على المُساعدات الإجتماعية في الكنفدرالية وأوضح الوزير لوسائل الإعلام أن اللاجئ سيتلقى تكوينا وفقا لـمُتطلبات سوق الشغل وأن التدريب "سيسمح باكتساب مهنة بسيطة ومناسبة للاجئ المعني بالأمر" كما أكد الوزير أن تكوين اللاجئين المعترف بهم رسميا سيُموَّلُ من قبل الدولة، لكن بالتعاون مع القطاع الاقتصادي، منوها إلى أن ذلك "سيُكلف أقل من رعاية شخص يعتمد على المساعدات الاجتماعية" ومن الأمثلة التي قدمها السيد بلوخر آنذاك حالة لاجئ أوكراني قال عنه: "لنفترض أنه عمل هناك (في أوكرانيا) في مجال البناء. يجب تعليمه لغتنا- أو أصولها على الأقل - وأيضا حرفة، ربما فقط كعامل يدوي (...) أما في حالة لاجئ مُثقف، فقد يعمل في البداية في مكان يجتاج إلى كفاءاته، كمُترجم مثلا، لم لا. لكن إذا لم تكن هنالك حاجة له في مجال الترجمة، فيجب تكوينه في مجال آخر. في الفندقة على سبيل المثال" وأعلن الوزير في الآن نفسه أن وزارة العدل والشرطة تحضر برنامجا "سيسمح بتوفير 200 مليون فرنك في العام" في مجال اللجوء، موضحا أن الأمر يتعلق بـ"تقليص حجم الهياكل الكبيرة جدا دون خفض مستوى الخدمات". المشروع يُمثل نقطة ماء في محيط لكنه خطوة أولى هامة ومكسبٌ للجميع .

تنفيذ الوعد قريـبا

كان ذلك قبل ثمانية أشهر. السيد بلوخر وعد إذن اللاجئين "الحقيقيين" بتعزيز فرص دخولهم سوق العمل السويسرية، وسينفذ الوزير وعده اعتبارا من سبتمبر القادم إذ أكد المكتب الفدرالي للهجرة يوم 7 مايو الجاري أن وزير العدل والشرطة سيُطلق في سبتمبر 2006 مشروعا تجريبا لتكوين 50 لاجئا معترفا بهم رسميا وخلال فترة التدريب التي ستتراوح بين 3 و10 أشهر، سيتلقى 15 لاجئا تكوينا في قطاع الفندقة والمطاعم، بينما سيتابع 15 آخرون تدريبا في مجال الإمداد. أما المجموعة المُتبقية (20 لاجئا)، فستتلقى تأهيلا في قطاعات اقتصادية أخرى.

وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة "سونتاغس بليك (عدد 7 مايو 2006)، قال السيد إيدوارد غنيسا، مدير المكتب الفدرالي للهجرة - وهو الجهة الذي كلفتها الحكومة الفدرالية بإنجاز المشروع وبمهمة التنسيق بين المكاتب والقطاعات المشاركة فيه: "بما أن هؤلاء الأشخاص حصلوا على حق البقاء، فيجب السماح لهم بالاندماج بأفضل شكل ممكن".

وحسب المكتب الفدرالي للهجرة، يعيش حاليا في سويسرا زهاء 24 ألف لاجئ معترف بهم رسميا. ويتعلق الأمر باللاجئين الذين مازالوا يعتمدون على مساعدات الكنفدرالية وليس بكافة اللاجئين القدامى (أي الذين قضوا أكثر من خمس سنوات في سويسرا وحصلوا بعد على تصريح إقامة دائمة من نوع C). الجانب الايجابي للمشروع يتزامن مع مراجعة مقلقة جدا لقانون اللجوء، وهي المراجعة الأشد تضييقا التي شهدناها لحد الآن في هذا المجال

1 من أصل 5 فقط يجد عملا حاليا

وأشار المكتب إلى أن هؤلاء اللاجئين المعترف بهم سيظلون دائما في سويسرا ولهم الحق في العمل، لكن حوالي 20% منهم فقط نجحوا في دخول سوق الشغل ونوهت صحيفة "سونتاغز بليك" في مقالها بعنوان "بلوخر يُمول للاجئين تكوينهم"، إلى أن السلطات المكلفة باللجوء استنتجت أن فئة اللاجئين "الحقيقيين" تعاني من جملة من المشاكل التي تقف عائقا أمام كسر حاجز البطالة، من أبرزها ضعف الحديث بإحدى اللغات الوطنية في منطقة إقامتهم (علما أن سويسرا تنقسم إلى أربع مناطق لغوية: ألمانية وفرنسية وإيطالية ورومانش)، والافتقار للتكوين، وضعف الحماس للتعلُّم بما أن مكاسبهم من "الأعمال الصغيرة" أقل مما يحصلون عليه من مكاتب المُساعدات الإجتماعية ورغم توفير السلطات السويسرية حاليا لدروس لغوية ومشاريع اندماج لفائدة اللاجئين، فإن هؤلاء لا يجدون بالضرورة موطن عمل بعد الاستفادة من هذه المبادرات. لكن الوضع قد يتغير في المستقبل إذ أكد مدير المكتب الفدرالي للهجرة في حديثه مع الصحيفة أن "الدروس المُرتقبة (في إطار المشروع التجريبي الجديد) سيتم إعدادُها من قبل الجمعيات المهنية، لأنها تعلم أفضل من أي كان مُتطلبات سوق الشغل".

برنامج مُكثف وأفكار للمستقبل

ووفقا لبرنامج المشروع التجريبي الذي سينطلق في سبتمبر القادم، سيتواصل التكوين في مجال الفندقة والمطاعم لمدة 10 أشهر لدى في فيغيس بكانتون لوسيرن ويقترح التدريب دروسا لغوية وتعلم المصطلحات الخاصة بالقطاع، وتعريفا بعادات الحياة والتقاليد السويسرية، وتعلم الطبخ وتجهيز موائد المطعم وخدمة الزبائن، وتدريبا عمليا في شركة ما، ودرسا استراتيجيا لدخول سوق العمل بعنوان "كيف تجد عملا".

ويـُكلف كل مكان تكوين ضمن المشروع التجريبي بين 8000 و30000 فرنك، وهو استثمار مُُجد حسب مدير المكتب الفدرالي للهجرة إدوارد غنيسا، إذ قال: "إن المساعدات الاجتماعية تـُكلفنا قرابة 30 ألف فرنك في العام لأسرة من زوجين" وإذا ما نجحت التجربة، أوضح المسؤول للصحيفة أن المشروع قد يُُعتمد لتكوين كافة اللاجئين المعترف بهم ابتداء في سويسرا ابتداء من عام 2008، وهو ما يعني تكوين 1000 لاجئ تقريبا في العام.

توضيحات ...

وفي تصريحات لسويس انفو، حرص المتحدث باسم المكتب الفدرالي للهجرة السيد دومينيك بوايا على توضيح أن المشروع التجريبي لا يقترح تكوينا مهنيا بوزن "الشهادة الفدرالية للمهارة" (Certificat Fédéral de Capacité) الذي يتم الحصول عليه في المرحلة الموالية للتعليم الأساسي وبعد فترة تكوين قد تصل إلى أربعة أعوام، بل هو تكوين إضافي للاجئين. 

وقال السيد بوايا إن المشروع التجريبي سيدرس كل حالة على حدة لتقييم احتياجات اللاجئ من حيث التأهيل، مُذكرا بأن الهدف الرئيسي للمشروع "ليس فقط تخفيف العبء عن صناديق الدولة، بل أيضا الحفاظ على كرامة اللاجئين، وهذا عنصر هام جدا" وبعد الإشارة إلى أن اندماج الأجانب عموما في سويسرا (ليس فقط اللاجئين) بدأ يشكو من نقائص ملحوظة منذ 15 أو 20 عاما، وإلى الصعوبات المُتزايدة التي يواجهها الأجنبي لإيجاد مكان له ضمن السكان النشيطين، قال السيد بوايا: "إن المشروع يمثل نقطة ماء في محيط، لكنه خطوة أولى هامة ومكسب للجميع"، مضيفا أن "تجريم الأجانب لا يخدم أية مصلحة، بل يجب أن يساهم الجميع من أجل المساعدة على إدماجهم" ويذكر أن تأكيد انطلاق المشروع التجريبي لتكوين اللاجئين في سبتمبر القادم جاء بعد خمسة أيام فقط من إصدار المكتب الفدرالي للهجرة يوم 2 مايو الجاري لدراسة حول اندماج الأجانب أنجزها المكتب بتكليف من السيد بلوخر واستنتجت الدراسة أن "الأجانب يعانون من البطالة في البلاد بما يعادل 3 أضعاف السويسريين، وتنتشر بينهم حالات المرض أثناء العمل، بنسبة تصل إلى ضعف زملائهم، ويقع نصفهم تحت طائلة الغرامات نتيجة ارتكابهم لمخالفات متعددة".

... وتذكير بواقع تشديد اللجوء

من جهته، قال السيد إيفان غولي، المتحدث باسم المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئين التي لم يتم إشراكها في المشروع التجريبي للسيد بلوخر: "نحن نحيي هذه الخطوة الايجابية، لكننا نقول إنه لا يجب حصر هذه الفرصة في دائرة اللاجئين المعترف بهم بل الأمثل أن تشمل أيضا اللاجئين الحاصلين على حق مكوث مؤقت لأن سوق العمل يجب أن يكون مفتوحا للجميع" وفي تصريحاته لسويس انفو، نوه السيد غولي إلى أن "الجانب الايجابي للمشروع التجريبي (تعزيز إدماج اللاجئين) يتزامن مع مراجعة مقلقة جدا لقانون اللجوء، وهي المراجعة الأشد تضييقا التي شهدناها لحد الآن في هذا المجال".

أما من يقف وراء هذا التشديد غير المسبوق في سويسرا فهو وزير العدل والشرطة كريستوف بلوخر أيضا. فهل من تعارض في موقف الوزير؟

قد يصعب الرد بإيجاب واضح وأكيد على هذا السؤال، لأن السيد بلوخر يفرض المزيد من التضييقات على من يصفهم بالـ"منتهكين لقانون اللجوء" ويفتح المزيد من الأبواب في وجه من يعتبرهم "لاجئين حقيقيين" ويعتقد السيد غولاي، رغم ما لديه من تحفظات على نوع اللاجئين المستفيدين من المشروع التجريبي الجديد، أن "وزير العدل والشرطة كريستوف بلوخر اتخذ خطوة ظلت منسجمة مع مواقفه السابقة، فهو يفرض تقييدات في مجال اللجوء مع تعزيز اندماج الأجانب الذين يستحقون البقاء، ويقدم مشروعا بهذا المعنى، فليس هنالك تصادم بين التحركين"وسينطلق مشروع السيد بلوخر قبل تصويت الناخبين السويسريين (المرتقب في أواخر شهر سبتمبر القادم أيضا) على مبادرتين تدعوان إلى رفض مراجعة قانوني اللجوء والأجانب التي تثير الكثير من الانتقادات في صفوف المنظمات المدافعة عن حقوق الأجانب واللاجئين فهل سيؤثر المشروع التجريبي للسيد بلوخر على رأي الناخب السويسري الذي قد يُثمـن مجهودات وزير العدل والشرطة لتعزيز إدماج فئة "اللاجئين الحقيقيين"، وتغيب عن ذهنه فجأة جملة الإجراءات الشديدة الصرامة التي يقترحها نفس الوزير للتخلص من فئة "المُنتهكين"، إجراءات يقول عنها معارضو مراجعة القانونين بأنها "تنتهك الدستور" و"تتعارض مع القانون الدولي"؟

أسئلة ستظل عالقة وستُطرح مجددا قبل أسابيع من التصويت في سبتمبر. لكن الأكيد كما يقول السيد غولاي أن المشروع التجريبي للسيد بلوخر لا يحول دون حدوث تضييقات في مجال اللجوء، والعكس صحيح أيضا. فالمهم استفادة فئة من اللاجئين - مهما اختلف وصفها وتصنيفها - من تحركات إيجابية. وهذا أمر لا يختلف عليه حتى معارضو السيد بلوخر.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:swissinfo-15-5-2006