أطفال الشوارع.. هل تستطيع المؤسسة الاجتماعية احتضانهم ورعايتهم؟

 

 

أجبرتهم ظروفهم المعيشية والعائلية على التشرد

تواجه العائلة العراقية في الظروف الحالية ضغوطاً وصعوبات اجتماعية ومعيشية عدة، كان من نتائجها ان يجبر الاطفال على الاعمال الهامشية طلباً للرزق في وقت كان ينبغي ان ينخرطوا في مختلف المراحل المدرسية ليتموا تعليمهم . هؤلاء الاطفال الذين اطلق عليهم البعض تسمية (اطفال الشوارع) نجدهم يبيعون المناديل الورقية او السجائر او علب الحلويات عند الاشارات المرورية مستغلين توقف السيارات عند الاشارة الحمراء او يجلسون خلف (البسطيات) في الاسواق المحلية وعلى ارصفة الشوارع ويندفع بعضهم ممن لا يجدون عملاً بسيطاً يوفر لعوائلهم قوت يومهم للتسكع في الشوارع، او يمتهنون التسول فتراهم يأوون في ليلهم الى بعض السراديب والانفاق، وجبة غدائهم تتكون من فضلات المطاعم ويصل الامر بالبعض منهم الى الادمان على المخدرات، ويكثر هذا بين اطفال تعيش اسرهم تفككاً اسبابه مختلفة.

ازاء هذا الواقع، انشغلت مؤسسات متخصصة في البحث الاجتماعي لتقدم خدماتها الى هذه الشريحة، فكان من بينها مراكز تأهيل وتدريب المشردين والاطفال المتسربين في المدارس.. فكيف كانت البداية؟ يقول مدير مركز تأهيل وتدريب المشردين في منطقة الكاظمية : لأجل انجاز مهمة المركز وبدئه بمهماته الانسانية، خططنا لبداية استطعنا من خلالها تحقيق النجاح في لم شمل هؤلاء داخل المركز وتمثلت في توزيع الباحثات الاجتماعيات المنتسبات على اماكن تواجد هؤلاء الاطفال في الشوارع، وحين انتمت مجموعة منهم الى المركز وتلمست النشاطات والمهارات التي يكتسبها الطفل هنا، فقد بدأوا بعد ذلك باقناع اقرانهم حتى اصبح عدد المستفيدين اليوم (250) طفلاً بينما الطاقة الاستيعابية للمركز هي (300) طفل.. وطموحنا يتمثل باكمال العدد النهائي المطلوب للاطفال حتى نهاية العام الحالي.

* هل يمكن للقارئ ان يتعرف على ابرز المهمات التي اخذتها هذه المراكز على عاتقها ودورها في احتواء اطفال الشوارع؟

- ان الغرض الاساس لإنشاء هذا المركز هو استقطاب الاطفال المعرضين للخطر ممن يعانون من مشاكل اجتماعية وتربوية وعائلية ونفسية تؤثر سلباً على نموهم ويستطيع الطفل من خلال مركزنا الحصول على حقوقه في مختلف الميادين وله الحق في التعليم والصحة والتسلية واوقات الفراغ ولدينا فريق عمل متعدد الاختصاصات يعمل جاهدا على متابعة الطفل في جميع الجوانب المتعلقة به.

* على ماذا يستند عملكم وما ابرز ما توفرونه للطفل؟

- ان العمل الوقائي والتنموي الذي يقدمه المركز يرتكز على اهمية تنسيق العمل الاجتماعي في متابعة العائلة والطفل بصورة متوازنة للحصول على فائدة اشمل لغرض تأهيل بيئة اجتماعية وتربوية من خلال برامج توعية حول اهمية العلم وحقوق الطفل وواجبات الاسرة تجاهه فضلا عن اهمية متابعة الطفل والعمل على جعله يترك الشارع، وفي هذا الاطار ايضا تم تخصيص راتب شهري مقداره (4 5) الف دينار للطفل المشرد ولاسيما الايتام منهم وتوزيع كسوة فصلية اربع مرات خلال السنة.

* هل حددتم أعماراً للمستفيدين؟

- الاطفال ممن تتراوح اعمارهم بين ستة أعوام والسبعة  عشر عاماً من كلا الجنسين.

* ما هي آلية العمل عند استقبال الاطفال في المراكز؟

- يتم استقبال الطفل من قبل الباحثة الاجتماعية لدراسة حالة الطفل الاجتماعية ودراسة بيئته التي يعيش فيها، وبعدها ينظم تقرير مفصل عن حالة الحدث البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية ثم يفحص الحدث من قبل طبيب مختص بدنياً وعقلياً لتشخيص الامراض التي يشكو منها وبيان حالته العقلية ومدى نضجه.

* ما هي الخدمات التي يقدمها المركز؟

- نشاطات متعددة يعيشها المستفيد في المركز خلال دوامين صباحي ومسائي، منها النشاط التربوي والتعليمي ويشمل القاء المحاضرات التربوية والتوجيهية من قبل الباحثين الاجتماعيين ومساعدة الطفل على مراجعة دروسه لغرض رفع مستواه الدراسي (لمن ينتمي الى عائلة افرادها اميون) فضلا عن النشاط الصحي ويتضمن البرنامج، رفع الوعي الصحي للاطفال ولذويهم حول اهمية النظافة الشخصية منها (نظافة الجسم، والمأكل والملبس والبيئة.. الخ). اما النشاط الترفيهي فيقسم الى قسمين: النشاط الرياضي ويشمل لعبة كرة السلة والقدم والطائرة من خلال مدربين رياضيين.. والقسم الاخر نشاط الورش، ومنها ورشة التلوين والرسم حيث يعبر الطفل عن احاسيسه وانفعالاته من خلال الرسم، اما ورشة الاشغال اليدوية والفنية، ففيها يقضي الطفل وقت فراغه بعمل يصقل موهبته ويفيده مستقبلاً.. فضلا عن تنمية قابلية الطفل واكتشاف مهاراته ليواكب اقرانه من خلال تعليمه على جهاز (الكومبيوتر).. وعرض افلام تربوية للاطفال لاستخلاص العبر والدروس المفيدة لاستخدامها في حياتهم اليومية.. واصطحاب الاطفال بسفرات ترفيهية وحضورهم المهرجانات واللقاءات الخارجية تحقيقا لأهداف المركز في دمج الطفل بالمجتمع.

أحلام الصغار حققها المركز

الطفل حسين سباهي البالغ من العمر 11 سنة.. يقول: والدي متوفي ونحن ثلاثة اخوة ولا نملك دارا يؤوينا والبؤس والفقر يملأ حياتنا وليس لدينا احد يعيننا على تحمل مصاريفنا فاضطررت الى التسوّل وإلا فكيف استطيع العيش وظروف الحياة قاسية جدا؟ رغم الحياة المتردية التي عشتها فقد كنت احمل طموحا صعبا هو تعلم (الكومبيوتر)، لكن حين جئت الى هذا المركز حققت حلمي بسهولة ومنذ سنة وأنا اتعلم على هذا الجهاز وقد اصبحت على معرفة معقولة بالبرمجة، ومن خلالها اخترع العاباً مفيدة ومسلية في وقت واحد وارنو الى ان اكون خبيرا في الكومبيوتر.

الطفل خالد جواد البالغ من العمر 10 سنوات عثر عليه عند احدى الاشارات الضوئية يحمل بيده علبة الحلوى شبه الفارغة ليمارس من خلالها عملية (الاستجداء) يقول:

- لا احد يعيلنا انا وأسرتي المتكونة من 8 أفراد فقد كان ابي يبيع السكائر في احد شوارع بغداد ومات اثر انفجار سيارة مفخخة كانت تقف على مقربة من (بسطية) دون ان يعلم ولم نجد بعدها من يعيلنا ويقدم لنا المساعدة، وقد صادفتنا ايام لم نحصل خلالها على طعام لعدم وجود المال، مما اضطرنا الى الاستجداء انا وأمي وأخي الذي يبيع أكياس النايلون في سوق الكاظمية سمعت بافتتاح مركز لتبني الاطفال وتعليمهم فجئت انا وأخي الى المركز لتعلم القراءة والكتابة بعد ان

 كنا تركنا المدرسة في الصف الثاني الابتدائي وصرنا نتعلم هنا على جهاز (الكومبيوتر) ونمارس هواياتنا الرياضية وان شاء الله سألتحق بمدارس اليافعين لأنني تخلفت عن الالتحاق عن الدراسة في المدارس الصباحية بسبب ظروف اسرتي الاقتصادية التي اجبرتني على العمل.

الطفل قحطان كعود البالغ من العمر 14 عاما حدثنا عن بدايات عمله في الاسواق:

- لقد كنت ابحث عن عمل لي في الاسواق التجارية في منطقة الكاظمية بكيت امام بعض التجار متوسلاً لإيجاد عمل لي ويبدو انني اثرت في مشاعر احدهم فقدم لي مبلغا من المال مقداره (8000) دينار كمساعدة منه وبعدها سألت نفسي كم واحد مثل ذلك التاجر ممكن ان اصادف فأثير عطفهم يومياً ومنذ ذلك الوقت وأنا اتنقل بين الاسواق والاشارات الضوئية والمحال التجارية وانا اكسب من المال ما يسد حاجة عائلتي وأجرة الغرفة التي نتقاسمها، والدي معاق لا يستطيع العمل وأمي تبيع السكائر على الرصيف واخوتي يمارسون التسوّل ايضا.. والتحقت بالمركز عند سماعي من الصبية المشردين في الشارع بالتحاقهم بالمركز ومدى استفادتهم من الجانب التعليمي والمهني.. والآن اقضي ساعات النهار بشيئ مفيد ومسل وهذا ما وجدته في تعليمي (الكومبيوتر).

أسباب.. وحلول

شوقي كريم حسن رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن البيئة والطفل يقول: تعتبر ظاهرة التسرب من المدارس المفتاح الاول لظهور ظاهرة التسوّل والتشرد واستخدام الاطفال وتشغيلهم في اعمال صعبة وظهور امراض مزمنة لدى عدد كبير منهم ومنها مرض الايدز الخطير.ان انشغال الابوين بالبحث عن العيش جعل الاولاد ينحرفون مشكلين حلقات من المشردين في الشوارع ووصل الامر ببعضهم الى الادمان وممارسة الجريمة ولعل من اهم سبل المعالجة ان تتوحد جهود الجهات المعنية والمختصين وتتضافر نشاطاتهم .. ينبغي ان تكون حملة طويلة الامد تشارك بها وزارة العمل والاجهزة الامنية بمشاركة الباحثين لجمع المشردين ودراسة اوضاعهم وارشادهم وتوجيههم الى خطورة تواجدهم في الشوارع والاضرار التي تحيط بهم وايوائهم في مراكز او دور توفر لهم الحماية والرعاية المعيشية والاسكانية والاجتماعية الى جانب دعم اوضاع اسرهم.

مديرة دور الدولة: مشاريع جديدة لرعاية الأطفال ممن يعيشون ظروفاً صعبة

في وقت بدأ العمل باحتضان اطفال الشوارع المتسكعين ينبغي ان لا ننسى المهمات التي تنفذ من خلال دور الدولة التي تهدف الى رعاية الاطفال والصغار والاحداث الذين يعانون من حالات التفكك الاسري او فقدانهم لأحد الابوين او كليهما وتوفير الاجواء المناسبة التي تعوضهم الحنان العائلي .السيدة عبير مهدي الجلبي -مديرة دور الدولة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية- تقول:

- دور الدولة تهتم بالمستفيدين فاقدي الرعاية الاسرية واليتامى وضحايا التفكك الاسري بسبب الطلاق او تعدد الزوجات والدور التابعة للوزارة هي دور ايوائية تختص برعاية الطفل من عمر يوم واحد ولحين اتمامه الثمانية عشر عاما ومن ناحية الجنس فان دور الدولة تقسم الى دور للاولاد واخرى للبنات باستثناء دور للاطفال الصغار تكون مختلطة.

* هل من تجارب ومشاريع جديدة تخطط لانجازها وزارة العمل تحقيقا لمزيد من الرعاية الى هذه الشريحة من الاطفال؟

- ننجز حاليا مشروع الدمج الاسري المتمثل باعادة المستفيد من خدمات دور الدولة الى عائلته بعد تحسن وضع العائلة وبعد زوال اسباب بقائه في الدار ومن ثم دراسة امكانية شموله وأسرته بقانون شبكة الحماية الاجتماعية وتخصيص راتب شهري لها كما قررت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فتح مراكز وقائية في المناطق الشعبية التي يتكاثر فيها  عدد الاطفال المشردين ممن يعانون من الفقر ومن خلالها يتم تحصين الاطفال من تلك الظواهر الاجتماعية التي قد تأخذ بأيديهم الى الانحراف، وتعتبر تجربة المراكز المفتوحة غير الايوائية مكملة لعمل قسم دور الدولة في رعاية شريحة الاطفال ذوي الظروف الصعبة وقد تم افتتاح اول مركز مفتوح لهذا الغرض في منطقة البتاويين في نيسان عام 2004 ويضم اطفال المنطقة الذين يعانون من ظروف خاصة تتطلب الرعاية والتأهيل، حيث يقدم المركز الفرصة التدريبية والتأهيلية والرعاية الصحية والاجتماعية والترفيهية من خلال تدريب الاطفال على مهارات مختلفة او اعادة المتسربين منهم الى مقاعد الدراسة ومتابعة شؤونهم الاجتماعية مع ذويهم.. وفي العام 2005 تم افتتاح المركز المفتوح في الكاظمية وأقيم مركز مماثل في محافظة ذي قار ولاحقاً تم افتتاح المركز المفتوح في محافظة البصرة لرعاية الشريحة المذكورة من الاطفال المحتاجين للاحتضان والرعاية وتطوير قابلياتهم ومهاراتهم والحاق من تخلف منهم عن الدراسة بمدارس اليافعين.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح - 5-4-2006