رائدة الإصلاح الشامل

 

 

بمناسبة الذكرى العطرة لميلاد السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) اقامت أسرة النجمة المحمدية مهرجانها السنوي الرابع عشر، لهذا العام تحت شعار: إصلاح الأمة وبناء الإنسان : ركائز أساسية في منهجية السيدة زينب .

وذلك في المركز الثقافي العربي في المزة  بدمشق يومي السبت والأحد 11-12/6/2005، الموافق 4-5 جمادى الاولى 1426، فألقى ممثل المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي في الجمهورية العربية السورية:

سماحة العلامة حجة الإسلام السيد جعفر الحسيني الشيرازي الكلمة التالية حول الإصلاح.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله في كتابه الكريم :

﴿والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة انا لا نضيع اجر المصلحين﴾ . الاعراف - 170

هل يمكن ان يضيع الباريء الحكيم اجر المصلح ! ؟

نعم ، لو لم يكن في البين تمسك بالكتاب ، واقامة الصلاة ,... .

الاصلاح ضرورة عقلية شرعية معقدة ذات اجزاء دقيقة حساسة مترابطة متشابكة ، ولابد منه ، لا لضمان التقدم فحسب ، بل لتفادي التراجع ، وضمان التصحيح ، وتجاوز العقبات ، ولذلك وغيره من الأسباب صارت كل من الرقابة، والتنمية عنصرين أساسيين من عناصر الادارة ، وكان مبدأ المراجعة ، فالمراجعة الدائمة للخطط في النظم والمؤسسات .

ولا تهد ف  بعثة الانبياء والرسل الا الاصلاح ، كما ان استمرار الاما مة دليل على استمرارية الحاجة إلى الاصلاح، والاحاديث الشريفة الدالة على عدم خلو البسيطة من الحجة دائما تصب في هذا المنحى ، طبعا إلى جانب تشريعات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشروط الدقيقة المحددة ، وتعريف الدين بالنصيحة ، ووصف كل ّمن الأمة والحاكم با لراعي والرعية وما إلى ذلك .

هذا باختصار عن ضرورات الاصلاح ، وجذ روه في الاسلام ،و بالمعنى الشامل لكن :

ما هي معوقات الاصلاح الشامل البنيوي  ؟

أو بعبارة اخرى ما هي دعائم الاصلاح الرسالي ؟

هناك العديد من الدعائم يتصدرها مثلث :

1- الاصلاح لله : نية واخلاصا ومنهجا .

2- الاصلاح للانسان : فيكون المحور هو الانسان الذي كرمه الله عزوجل .

3- الاصلاح للاصلاح : كهد ف استراتيجي ، بعيدا عن الانتهازية والمصلحية ، وحتى عن النجاح على المدى المنظور .

وهذا بحاجة إلى مراس وترويض متناسب مع حجم الهد ف ، وسمو رسالة الاصلاح بالمعنى الشامل ، لان الاصلاح البنيوي لن يكون الا اذا جاء شاملا ، لترابط اجزائه ، وتشابكها ، وتداخلها من جهة ، ولتنوع وتعدد حاجات الانسان وغرائزه ونوازعه وميوله ومواقفه واتجاهاته و........ ، الانسان الذي هو موضوع وهدف ووسيلة الاصلاح وغايته ، وذلك الترابط تشير اليه الرواية الشريفة :

من أصلح مابينه وبين الله ، أصلح الله مابينه وبين الناس ، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه ، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه الله حافظا .

فالخطوة الاصلية الاولى لتخليد الاصلاح ، وبزخم وتفاعل شعبي ، له انعكاساته الايجابية الدنيوية تبدأ من اصلاح الذات ...... ذات المصلح ، فذلك ولوحده يضمن للاصلاح الرسالي الشامل الخلود ، والنجاح ، وان تأخر ، ليجني ثماره الجيل التالي ، أو الأجيال التي تتلوه  .

اجل يبدأ من اصلاح الذات ، واصلاحا شاملا ، وكما هو الاصلاح المنشود ، وكما في الدعاء :

....فأصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي اخرتي التي اليها منقلبي ...

وكما في دعاء ثان :

وأصلح لنا نياتنا وشأننا كله .

وفي دعاء ثالث :

وأصلح كلّ فاسد من أمور المسلمين .

وفي دعاء رابع :

رب أصلح لي نفسي فانها أهم الأنفس اليّ ، رب أصلح لي أهل بيتي فانهم لحمي ودمي ، رب أصلح لي جماعة أخوتي وأخواتي ومحبيّ  ، فان صلاحهم صلاحي .

نعم :

ان صلاحهم هو صلاحي فهناك ترابط بين :

صلاح الفرد ، وصلاح الاخر

صلاح الفرد ، وصلاح الاخرين

وللوصول إلى الصلاح لابد من اصلاح البعيد ممن يشل الاصلاح ويفسده ، فالاصلاح كأي عمل أو نشاط اخر مجرد حسنه ومرغوبيته وضرورته وجذابيته لا تكتب له النجاح ، وكما قال سبحانه :

﴿ان الله لايصلح عمل المفسدين﴾ .

وقال تعالى:

﴿ثم اتبع سببا﴾ .

فللاصلاح دوائر ومستويات ومجالات وابعاد مختلفة ومجالات متداخلة متفاعلة ، كما في النصوص المتقدمة التي ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر، فهو يشمل الأمور المعنوية والمادية، الفردية والجمعية والجماعات فالأمة ، التديّن والأخرة والدنيا ، والاقتصاد ، والادارة والسياسة ، والعلاقات  :

العلاقة مع الله .. مع الانسان .. مع المجموعة والمجموعات فالمجتمع مع الخلل والخطأ في التنظير أو التخطيط أو التنفيذ  ..مع البيئة وما إلى ذلك مما يطول ذكره .

هذا بايجاز عن ضرورة ودور ومساحة الاصلاح وترابط مفاصله .

اما عن السر الذي يميز و يجعل الاصلاح الرسالي بنيويا شاملا وخالدا على مرّ العصور فيكمن في امور يتصدرها  ما يرتبط بالذات .. بالنفس .. بذات المصلح ونفسه ، وصلاح مابين تلك الذات وربّها ، فتكون القدوة النـزيهة المتقية المضحية بكل شيء على طريق الاصلاح ، ولله وحده ، ولمصلحة الانسان ومحوريته ، وبذلك يكون الثالوث المقدس للاصلاح قد توفر ، لتبدأ مسيرة صناعة حواريّ الاصلاح وابطاله من الرجال والنساء ،والشيوخ والشباب واليافعين بل  و حتى الاطفال .

هكذا كانت الحركة الاصلاحية الكبرى لسبط الرسول الاكرم : الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم افضل الصلاة والسلام) ، فكتب الله لها الخلود والامثلة والشواهد على ذلك كثيرة وعصية على الاحصاء ، ولم تصبح معروفة بين المسلمين فحسب ، بل أمست مشهورة حتى عند غيرهم ، وتفتخر بها البشرية ، لكن في هذه الذكرى العطرة لميلاد السيدة زينب : الصديقة الصغرى بعد أمها الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء ( عليهما افضل الصلاة والسلام) نشير وبايجاز إلى بعض اللقطات المشرقة المرتبطة بالاصلاح الرسالي ودور صناعة الذات في ذلك لنلّخص في الختام بعضا من ركائز اصلاح الامة وبناء الانسان  التي رسمتها السيدة الأولى في الكوكبة النسوية التي رافقت وشاركت الإمام الحسين (عليه السلام) في حركته الاصلاحية الكبرى ، وواصلت المسيرة بعده في حركة اعلامية متميز ة قلبت كل الموازين والمعادلات :

1-   الحب لله فقط ومنذ اعوام الحياة الأولى :

في الاعوام الاولى من حياتها :

في اجتماع عائلي مصغر إلى جوار ابيها واخيها العباس ( عليهم السلام ) ، وبينما الوالد.

يلاطفهما ويتبادل بعض الاسئلة معهما تتوجه إلى ابيها بالسؤال :

اتحبنا ؟

بطل العدالة الانسانية يجيب :

نعم اولادنا اكبادنا.

وربما لتستعرض فتتاكد ما اراده الاب تحديدا ويتشرب ذلك اخوها العباس (عليه السلام) الذي يصغرها سنا ، فتقول لأبيها :

يا ابتاه حبان لا يجتمعان في قلب واحد ، حب الله ، وحب الأولاد ، وان كان لابد فالشفقة لنا والحب لله خالصا.

2- هجرة وأسر ونفي والعطاء يتنامى :

حيث هاجرت عليها السلام مع زوجها و ابيها إلى الكوفة حين انتقل اليها واسست حلقة خاصة هناك لتعليم المرأة القران والتفسير، اما هجرتها الثانية فكانت مع الامام الحسين ( عليه السلام ) وبرفقة ابنيها ليتقدما ركب شهداء الرسالة، فتقاد أسيرة من كربلاء إلى الكوفة ، فالشام ،وما ان عادت إلى المدينة حتى حكم عليها بالنفي ، والتحقت في منفاها بالرفيق الاعلى .

3- التقوىوالتفاني المتواصل في العبادة وفي كل الظروف والاحوال :

فحتى بعد استشهاد بطل الاصلاح واخيه وابنائه وابنيها واصحابه وكل ماوقع مما لا يطاق وصفه لم تترك البطلة نوافلها الليلية ، لكنها لم تستطع الاداء عن قيام .

يا عاصمة الصبر والصمود والايثار :

استميحك عذرا

لماذا الجلوس ؟

الامام السجاد ( عليه السلام ) يقول عن مسيرة الأسر عبر الصحراء :

 ( ان عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية من قيام ، وبعض المجالس عن جلوس.

فسألتها عن ذلك، فقالت :

اصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال ، لأنها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال ، لان القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا في اليوم والليلة )

4- الزهد دائما وابدا :

يقول الامام السجاد عنها ( عليه السلام ) :

( ما ادخرت شيئا من يومها لغدها ابدا )

5- تقديم حياتها لحماية  الامامة :الامام السجاد ( عليه السلام ) :

فهي التي تمسكت بالامام السجاد حين اراد ابن زياد قتله في الكوفة بعد واقعة كربلاء ، وخيرت الطاغية بين قتلها وقتله ، فانصرف خشية الرأي العام الهش المتزلزل .

6- الرضى اللامحدود بقضاء الله سبحانه وتعالى :

يوم الحادي عشر من محرم ، بعد اعلان الأسر ، وقبل ان يقاد الركب إلى الكوفة مروا بالنساء والاطفال على الشهداء ، المفترشين التراب ، فتوجهت الحوراء نحو شقيق الدرب ، فبسطت يديها الطاهرتين تحت البدن الطاهر للامام الحسين ( عليه السلام ) ورفعته ، وقالت :

الهي تقبل هذا القربان إنْ كان هذا يرضيك فخذْ حتى ترضى.

وحين سألها ابن زياد شامتا في ذلك الاجتماع الاستعراضي المصطنع :

كيف رأيت صنع الله بأخيك !؟

اجابت وعلى الفور وبكل رصانة وحكمة اعلامية ملئها الثبات والعزيمة والرضى بقضائه عزوجل :

ما رأيت الا جميلا .

7- اداء مهام الامامة :

لان الامامة كانت قد وضعت تحت المجهر ، بل تحت المجاهر، و مهددة بالتصفية النهائية والكاملة، ولم يكن من منطق الرسالة الاستسلام لخطة قطع ارتباط الامة بالامام علي بن الحسين السجاد ( عليهما السلام ) ، فتقدمت إلى الواجهة بكل كياسة وتدبير ، وتحملت المسؤلية مرة اخرى بكل اخطارها وتبعاتها ،فكان ما يخرج عن الامام السجاد ( عليه السلام ) إلى الناس من علم وفتوى وموقف ينسب إلى الحوراء زينب ( عليها السلام) .

8- الاستخدام الذكي المكثف للاعلام المتقن :

وعلى الدوام قبل ومع وبعد واقعة الطف وخلال رحلة الأسر الطويلة في البلاط والمسجد وغيرهما،في الجمع وفي اللقاءات المباشرة، حتى قال كبار المؤرخين في كفاءة ادائها الاعلامي :

ولم ار خفرة قط انطق منها ، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

والخفرة : هي المرأة الحييّة .

وبلغ تأثيرها الاعلامي حتى كتب والي المدينة حينئذ إلى يزيد ما نصه :

ان وجودها بين اهل المدينة مهيج للخواطر ، وانها فصيحة عاقلة لبيبة وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين .

فجاء الرد من يزيد :

فرّقْ بينها وبين أهل المدينة .

فكان النفي ، وكانت في المنفى حتى لحوقها بالرفيق الأعلى .

ان السمات المتقدمة تمثل بعض الركائز الاساسية لمنهجية السيدة زينب ( عليها السلام ) في اصلاح الامة وبناء الانسان وهي تتمحور حول :

العمل الدؤوب لصناعة الذات  ، عبر اصلاح العلاقة مع الله والتنمية المستدامة.

العمل لتلك العلاقة لمقاربة الثالوث المقدس للاصلاح الرسالي البنيوي الخالد المتمثل:

بالاصلاح لله ، وبهد ف الاصلاح فقط ، ولتكريس محورية الانسان الذي كرمه الله عزوجل  ، فلا تغيير ، كما لا اصلاح دون قدوه تكون اسوة للاخر والاخرين .

هكذا أمست قدوة خالدة هذه السيدة العظيمة العالمة غير المعلمة ، الفهمة غير المفهمة كما قال الامام السجاد (عليه السلام ) فيها ، وقال سبحانه :

﴿ وتلك الرسل فضلّنا بعضهم على بعض