وزارات للرياضة أم للشباب؟

-1-

 

المهندس فؤاد الصادق

 

 

 

عند مراجعة أداء وزارات الشباب في الدول النامية يلاحظ المرء أن جلَّ إهتمامها ينصب بالرياضــة وشؤونها وهمومها، وغالباً - وكالعادة - الإهتمام بالكمِّ، لا الكيف، أو قلْ :

بالحماس والتحميس، والفوز والهزيمة، و....، وكأنّ الهدف، وكما في مجالات أخرى، الإنشغال والإشغال بالرياضة، بدلاً مِن الإشتغال بالرياضة، كما هو الأمر غالباً في السياسة والإصلاح والدمقرطة.

لندع تصحيح المسار الرياضي إلى أصحابه رغم أهميته ودوره للشباب والمجتمع ونعود إلى سؤالنا: لماذا هذه الأحادية في عمل وزارات الشباب؟

أجلْ الرياضة هامة، بلْ هامة جداً كما تقدم لكن: ألا توجد مشاكل للشباب غير الرياضة؟

ولا يقتصر ذلك على الوزارات الخاصة بالشباب، بل يتعداها إلى وسائل الإعلام، حيث في أي إحصاء لمواد مواضيع الفضائيات أو الصحف أو الإذاعات نجد غياباً كبيراً في تغطية الموضوعات المحورية التي يعاني مِنها الشباب وبالتالي المجتمع برمته، والتي باتت تُشكِّل خطراً كبيراً، ولو لم نأخذ في الإحصاء المساحات المرتبطة بالرياضة والفن تكاد تقترب نسبة المواضيع الشبابية إلى غيرها مِن الصفر أحياناً، وفي بعض وسائل الإعلام.

هلْ يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؟

إطلاقاً، فحين نراجع سجل المناقشات أو التشريعات البرلمانية في الدول النامية، نتوصل إلى الإستنتاج ذاته، قضايا الشباب ومشاكلهم المحورية ومعالجتها معالجة جذرية لا تشكل نسبة قابلة للذكر، إنْ لم تكن معدومة نسبياً:

أينْ قضايا الشباب في الفضائيات ووسائل الإعلام؟

أينْ قضاياهم ومعالجاتها في البرلمانات؟

أينْ مشاكلهم وحلولها في البرامج والقرارات الحكومية؟

بلْ: أينْ هي في الوزرارات الخاصة بالشباب؟

ربما يعود هذا الغياب أو التغيب إلى الدور الوظيفي المحدد تشريعياً إلى وزارات الشباب في كثير مِن الدول النامية، ومِنها الدول الإسلامية، والعربية، لكن لابد مِن تجاوز هذه العقبة، بحلّ هذه العقدة جذرياً، بلْ أكثر مِن ذلك، ولتفاقم وتجذّر مشاكل ومعاناة الشباب في دولنا، والنسبة الكبيرة للشباب التي تكاد تتجاوز الـ 50 في المائة عددياً والـ 70 في المائة إنتاجياً في بعض مجتمعاتنا، لابد مِن تثبيث الإطار العام الـمُلزِم لحقوق الشباب المختلفة وفي نصوص الدستور، لتصبح تلك الحقوق عصيّة على التجاهل والإهمال والنسيان و...، ولاسيما مع الإصلاح والتغيير الذي يشهده العالم.

وربما ثمة حاجة حتى لبعض القوانين الدستورية والفرعية واللوائح الإجرائية التي تتسم بالتميز الإيجابي التعويضي (affirmative action) لتركة العقود الماضية، وعبث بعض الأنظمة الشمولية كنظام صدام في العراق، والخطر الكبير التي تُنذِر به مُجمِعة الدراسات المهتمة بإستشراف المستقبل فيما يخص الشباب، فالإحصاءات تتوالى مِن الشرق والغرب، يومياً، وهي لا تحكي إلا عن مأساة الشباب، والخطر المحدق بالعالم عموماً، والدول النامية خصوصاً، ولذلك :

فالحديث عن التغير والإصلاح يبقى في خانة الترف، والإشغال ما لَمْ يتم تفعيل وزارات الشباب، وبنيوياً وبشكل يشمل دستور الدولة، والإعلام والبرلمان والحكومة لكلِّ وزاراتها وخططها ومشاريعها تمهيداً لتوفير البديل الأفضل للشباب .

فالشباب يعيشون غرباء حقاً، ويُطالبون بواجبات دون حقوق، ولا غرابة في تثبيت ذلك في دستور الدول النامية الجادة في الإصلاح والدمقرطة، فذلك مما تفرضه جدة الإصلاح والدمقرطة والتنمية بمفهومها الشامل، وخير مثال على ذلك، التأكيد على حقوق المرأة، وتثبيت حصتها في المقاعد البرلمانية في بعض الدساتير، فالشباب لا يُمثلون المستقبل فحسبْ، بلْ هم الحاضر أيضاً، وآخر الإحصاءات والدراسات العالمية تقول بأن الشباب هم أكثر شرائح المجتمع عرضة للمعاناة، كما أن أصواتهم لا توضع في الإعتبار غالباً، وهم يُشكلون مصدراً عظيماً لم يستغل بعد لتحقيق التنمية والتغيير والتقدم، علماً أنه:

يمثل الشباب في البلدان النامية أسرع شرائح سكان العالم نمواً.

كما يشكل الشباب تحت سن الخامسة والعشرين أكثر من نصف سكان البلدان النامية البالغ عددهم خمسة بلايين نسمة .

تبلغ نسبة الأطفال والشباب حوالي 50 في المائة من تعداد السكان في البلدان النامية.

يعيش 85 في المائة من الشباب من سن 15-24 سنة في تلك البلدان.

سيشهد العالم ولادة 1.4 بليون طفل بحلول عام 2010 و :

92 في المائة من هؤلاء في البلدان النامية . 

وبحلول عام 2025، سيزداد عدد المواليد الجدد ليصل إلى 2.7 بليون.

يعيش حوالي 238 مليون شاب على أقل من دولار أمريكي واحد في اليوم .

كما يمثلون 25 في المائة من الذين يعانون من الفقر المدقع في العالم.

يعاني حوالي 133 مليون شاب من سن 15-24 سنة من الأمية.

هناك 130 مليون طفل آخرون غير ملتحقون بالمدارس في الوقت الحالي.

ثلث إلى نصف عدد الشباب من سن 15-24 سنة تقريباً عاطلون عن العمل في العديد من البلدان النامية.

ويمثل الشباب نسبة 41 في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل على مستوى العالم.

حوالي نصف عدد المصابين الجدد بفيروس ومرض الإيدز هم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة.

هناك حوالي 12 مليون شاب مصاب بفيروس ومرض الإيدز .

 ومن المتوقع أن تشهد البلدان الأشدّ تأثراًً بهذا المرض موت حوالي 75 في المائة من الشباب البالغة أعمارهم 15 سنة بسبب الإيدز في المستقبل .

وذلك حسب آخر تقرير للنبك الدولي.

هذه الأرقام مرعبة، وتعبرُ عن الحاجة لإصلاح جذري سلمي عقلاني شامل، إصلاح مِن أولوياته إنقاذ الشباب، وحلّ مشاكلهم المستعصية المعنوية والمادية، ولما كان الشباب كذلك في الدول النامية، وما تزال قضيتهم غائبة في مختلف المستويات والمواقع عن التناول العملي الجدي المتواصل اقترحنا تثبيت حقوق الشباب وواجبات الدولة تجاههم في دساتير الدول النامية، ولاسيما تلك التي بدأت بالإصلاح أو الدمقرطة كالعراق مثلاً، الذي يتميز بتدهور أكبر لأوضاع الشباب وأحوالهم، للتركة الثقيلة الموروثة مِن النظام السابق مِن حروب وقمع وتدمير شامل للبنية الأساسية و....

وبناءاً على كل ما تقدم نقترح على وزارات الشباب ما هو آت:

1- العمل على تجاوز قانوني مدروس للوظيفة الأحادية لوزاراة الشباب المتمثلة بالرياضة، وما نحو ذلك، لتكون جميع الأمور والشؤون الإقتصادية والثقافية والسياسية و... بالشباب مِن ضمن وظائف ومسؤوليات وزارة الشباب بالتنسيق مع الوزارات المعنية الأخرى كوزارة العمل، ووزارة الإقتصاد، والتعليم العالي، و...الخ، وطبقاً لتسلسل الرتب الإدارية، والمنظومات الإدارية المرنة الفاعلة البعيدة عن البيروقراطية، والتي تضمن مركزية شاملة لوزارة الشباب وهامش مِن الحرية المطلوبة.

2- تشكيل  لجنة عمل مكثفة مِن الخبراء والأكاديمين وفقهاء القانون لإستنباط وتحديد حقوق الشباب بالتواصل مع الشباب في جميع المحافظات بالمؤتمرات والندوات والورشات، وبالإستعانة والرجوع المدروس بتجارب الآخرين في العالم في هذا المضمار في إطار مبادئنا وقيمنا، وذلك للعمل على تثبيت حقوق الشباب وبشكل مُلزِم للدولة ومؤسساتها في دستور البلاد.

3- البدء العاجل بإحصاء دقيق وشامل لأوضاع الشباب ومشاكلهم، لتشكيل وبناء قائمة بيانات تفصيلية تشمل: نسمة الشباب، نسبة الذكور والإناث، المتزوجين وغير المتزوجين، العاملين والعاطلين عن العمل، الأميين والمتعلمين ومستويات التعليم، الدخل، السكن، الصحة، الثقافة، الحرفة، الخبرة، الإعاقة، و... الخ، كي تقوم الوزارة بدراسة وتحليل ذلك بواسطة الخبراء والتقنيين المتمرسين في هذا الميدان، للبحث عن الحلول المتطابقة مع التنمية الشاملة وعلى المدى القصير والمتوسط والبعيد، إلى جانب خطوات الإسعاف العاجلة الملموسة، ولاسيما على الصعيد الإقتصادي والمعاشي والثقافي والإجتماعي، ومِن دون ذلك فسيصبح التغيير والإصلاح والإنفتاح والإنتقال إلى الديمقراطية في خبر كان، فالله سبحانه بعظمته ونعمه التي لا تحصى على البشرية قال في كتابه الكريم:

﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم مِن جوع و....﴾

وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):

(إنّ النفس إذا احرزت قُوتها استقرَّت).

وفي ذلك إشارة إلى الترابط بين الأمن والاستقرار والسلام الداخلي والمحلي والإقليمي والعالمي مِن جهة، وبين الفقر والجوع والبطالة التي تسفك بالعالم، وبصورة خاصة بالشباب، فلابد مِن تضامن عالمي رسمي وشعبي وبقاعدة عريضة لمكافحة ذلك.

4- حثّ وسائل الإعلام المختلفة للقيام بدورها في تغطية مشاكل الشباب المختلفة والكشف عن المعوقات التي تعترض المعالجة والحلّ، إلى جانب البحث عن الحلول، وضخّ الإحصاءات والدراسات والمتابعات الخاصة بوزارة الشباب إلى وسائل الإعلام، لنقدها وإنضاجها وتدارسها، فمتابعة إنعكاسات ونتائج ذلك.

5- تعريف الشباب بحقوقهم المختلفة، وتدريبهم للدفاع عنها، فما لم يعرف صاحب الحقّ حقّه، يبقى الحق مصادراً، وإذا عرفه، ولم يتقن الدفاع عنه، يبقى الحق كذلك، وهذا بحاجة إلى عمل إعلامي وثقافي وفكري مكثف، إلى جانب المؤتمرات والندوات والدورات التدربيّة العملية الميدانية الخاصة، ولا يضمن ذلك التدريب والممارسة تكريس حقوق الشباب فحسبْ، بل يعيد تشغيل ماكنة إنتاج الكوادر والقيادات الميدانية الفاعلة، وبالتالي يمهد للمشاركة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للشباب، هذه الماكنة التي شلّها النظام السابق، ولابد لوزارة الشباب أن تجعل تشغيلها، وبانتاجية عالية، وجودة مقبولة مِن صلب إهتماماتها الأساسية، لأن الشباب هم العنصر الأساسي فيها، وذلك بحاجة إلى آليات وخطط عمل وتضافر جهود مع:

- وزارات عديدة منها: التخطيط، التربية والتعليم، التعليم العالي، الثقافة، حقوق الإنسان و....

- مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك المؤسسة الدينية، والمؤسسات الشبابية.

- الأحزاب والتنظيمات والجمعيات والنقابات وجماعات الضغط.

- الشبكات والوسائل الإعلامية المختلفة.

- لجنة الشباب واللجان المعنية الأخرى في البرلمان.

حيث أن هذه الجهات والمؤسسات هي التي تُشكِّل أجزاء ماكنة إنتاج الكوادر والقيادات المستقبلية، ولذلك كان لزاماً على وزارة الشباب أيضاً:

6 - وضع اللبنات الأساسية التشريعية (بالإقتراح على البرلمان والتعاون معه) الملزمة لمساهمة وزارة الشباب الفاعلة في التأثير على الجهات المذكورة، ومساراتها المرتبطة بالشباب، وحلّ مشاكلهم، لإعدادهم ككوادر وقيادات متمرسة للمشاركة السياسية والإقتصادية و... في البلاد، لسدِّ الفراغ، وحقن القيادة بدماء جديدة، وتمهيد لمشاركة الشباب في الحياة السياسية، وظهور أجيال جديدة، وهذا يتطلب دوراً لوزارة الشباب فاعلاً في النظام الديمقراطي على طريق:

أ‌- صياغة نظام حرّ للأحزاب يتلائم مع القيم الإجتماعية، يُسنِد وينتج أحزاب ديمقراطية واقعية فاعلة في بناء وإنتاج الكوادر.

ب‌- صياغة نظام وعرف إنتخابي للإنتخابات التشريعية العامة أو المحلية أو البلدية يسمح للقيادات الشابة المتمرسة بالترشح والتقدم.

فمِن المؤسف في التوجهات الإصلاحية الأخيرة في بعض البلدان النامية، وحتى الديمقراطية منها إلى حدٍ ما إننا نرى عدم بروز قيادات جديدة بالإنتخاب، وتبادل المواقع بين مدة وأخرى تحت مظلة الإنتخابات لأسباب عديدة منها: النظام أو العرف الإنتخابي، سوء تطبيق ذلك النظام، توقف ماكنة إنتاج الكوادر الجديدة و... فلابد لوزارة الشباب الإنطلاق في معالجة هذه المعضلة بالتعاون والتنسيق مع الجهات المذكورة الأخرى.

7 - مساعدة وتوجيه ودعم وزارة الشباب للشباب على طريق تأسيس أحزاب ومؤسسات وتجمعات قانونية وجماعات ضغط مستقلة قانونية غير حكومية متخصصة في الدفاع عن الشباب وقضاياهم العادلة ومشاكلهم بصورة عامة في التشريعات البرلمانية والقرارات الحكومية، مع العمل لرصد ميزانيات مِن قبل البرلمان وبصورة شفافة ومُراقبة للأحزاب والمؤسسات والتجمعات المذكورة وصيغة تمثيلية للمؤسسات الشبابية المذكورة في إطار لجنة إستشارية لوزارة الشباب، للتواصل وتبادل الآراء والمشاريع والمقترحات.

8 - تأسيس لجنة ثابتة في وزارة الشباب تتولى إيجاد وتفعيل مؤسسات مهمة لردم الهوة بين الجيلين في المجتمع، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز التفاهم، لضمان تماسك ووحدة النسيج الإجتماعي، بين الجيل الجديد، والجيل القديم، بين الشباب، والشيوخ، لحفظ مكانة وإحترام وموقع دور كلّ مِن الجيلين، وضمان إنتقال التجارب، فهمة وحيوية ومهارة الشباب مطلوبة، لكن تجارب وحكمة وإحترام الشيوخ مطلوبة أيضاً، ومما تؤكد عليها قيمنا ومبادئنا، فالكلّ يعرف قصة إختيار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لأسامة الشاب قائداً للجيش، إلى جانب ما قاله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) :(الشيخُ في أهله كالنبي في أمته).

9 - تأسيس وحدة علاقات غير تقليدية في قسم العلاقات العامة خاصة بالإرتباط الحيّ الفاعل المتواصل مع الشباب، لإستقبال مشاكلهم، شكاويهم، قضاياهم، تطلعاتهم، آراءهم، إلى جانب الخطوط الساخنة، وذلك في الوزارة، ومديرياتها في المحافظات، للتواصل، وإستكشاف الواقع، والمساعدة في التوجيه والحلّ الجزئي مبدئياً، حتى التمكن مِن الحل العام.

 

 - للحديث صلة -