مَنْ يُهمش دور الأسرة!؟

 

 

المدرسة الثانية...

هلْ حولّت المدرسةُ الثانية المدرسةَ الأولى إلى مدرسة ثانويّة فرعية تابعة!؟

مَنْ المسؤول عن إنحسار دورِ المدرسة الأولى؟

أينْ أمسى دور الأسرة في التربية؟

في ظلِّ اللامركزية، والتعددية، والعولمة، والكثافة، والسرعة و...، التي باتت تُميّزُ منابعَ التربية في عصرنا الحاضر تُملي مراجعة دور المدرسة الأولى... دور الأسرة في التربية والتوجيه.

لقد تأثرت سيادة الأسرة في إعداد جيل المستقبل، فربما كان بالإمكان سابقاً القول بأن للأسرة السيادة النسبّية الكاملة في التربية، وذلك لأن:

· المرأة لّمْ تكن قد خرجت إلى سوق العمل بالشكل والمقدار الذي هي عليه اليوم، فكانت الأمُّ بين أطفالها، وأولادها أكثر، ولفترة أطول، وكان المجال لتفعيل دور الأسرة في التربية أكبر، وبالتالي لَمْ تكن حاجة لدور الحضانة، ولرياض الأطفال، أو لم تكن ضرورة بالمقدار الذي هو عليه حالياً.

الرجل أو الأب أيضاً لَمْ يُعد يتواجد في محيط الأسرة طويلاً، وكما كان في السابق، لأسباب غير مبررة، أو مبررة مثل كثرة مشاغل الحياة، وتنوعها، وتنامي همومها، أو لتضخم الميول الإستهلاكية أو المنافسة الإستهلاكية.

فقدَ الأبُ كما فقدَت الأمُّ الوقت لممارسة دورهما الأساسي في الإهتمام بالأبناء، وتربيتهم وحين نراجع نتائج بعض الدراسات والمسوح نتلمس:

- إن الكثير مِن الأمهات مُجبرات على الخروج إلى العمل، ويُفضلّن جعل الأسرة في صدر المسؤوليات، والإهتمامات، لكن تأمين لقمة العيش، ولاسيما مع تضخّم الأسعار المتواصل، هبوط القوة الشرائية، ونظام الأجور، فالنظام المذكور بُني على أساس عمل الأمّ، والأب، فإذا لَمْ نذهب إلى العمل، تهبط ميزانية الأسرة إلى النصف تقريباً !.

- وكذلك حال الآباء، فهم يُصرِحون بأنهم مجبرون عن البحث والعمل بعد الظهر، لمواجهة أعباء وتكاليف الحياة المتنامية، ويضيفون بأن هذه الظاهرة، ومع الأسف لا تقتصر على دولنا وحدها، بل هي منتشرة بنسبة، أو أخرى في دول العالم!

وعلى كلِّ حال عمل الأمّ أو الأب بعد الظهر يؤدي إلى المزيد مِن الإبتعاد، ولأوقات طويلة عن البيت والأسرة، وبالتالي إنحسار لدور الأسرة في التربية.

وربّما يتصور البعض أن ما قيل تعاني منه الأسرة الفقيرة فقط، لكن هذا التصور بعيد عن الصحة، فرجال الصناعة والتجارة والخدمات والمال أيضاً مشغولون غالباً بأعمالهم الخاصة، فيضون ساعات طويلة وفي شركاتهم ومؤسساتهم، فالنتيجة واحدة، الأغنياء والفقراء يعملون لساعات طويلة خارج البيت، لكن لأسباب مختلفة، والنتيجة واحدة، وهي إنهم لا يجدون الوقت الكافي للتواجد في المحيط الأسري، فالإهتمام بالزوجة والأطفال والأولاد، والتوجه إلى شؤون وهموم التربية، إبتعاد أكثر عن البيت والأسرة، وإنغماس أكثر في العمل، وإبتعاد أكثر عن لعب دور محوري في التربية.

والمشكلة تصبح أكبر إذا نجحت ضغوط العمل الطويل إلى جانب المشاكل الذاتية الطبيعية للعمل أن تجد طريقها في الإنتقال إلى البيت مع الأمّ أو الأب، ليتحول المحيطُ الأسري (الذي حوله الإنغماس المفرط في العمل كماً وكيفاً إلى فندق ومطعم، لنوم وأكل أعضاء الأسرة) إلى متنفسٍ لشحنات ضغوط العمل المتراكمة، هذا غير آثار ذلك العمل الطويل، وإنقطاع التواصل الأسري الفاعِل على تنامي الإصابة بالإكتئاب والتوتر والأمراض النفسية، إصابة الآباء، والأمهات، والأبناء، وإنعكاسات ذلك عملية التواصل والتأثير والتأثر والتربية في المحيط الأسري، وخاصة إذا تفاقمت تلك التوترات والعقد، ولَمْ تُعالج، فقادت إلى إرتفاع نسب الطلاق، والتشتت الأسري الذي آثاره الخطيرة على التربية لا تخفى على أحد.

فيا تُرى ومع هذا الإنغماس في العمل:

هلْ فوّضَ الأبُ مهمة التربية إلى غيره؟

وهلْ أُجبرت الأمُّ على إتباع نفس النهج في هذا التفويض؟

أمْ أن المسؤولية إنتقلت أتوماتكياً دون تفويض؟

الفراغ حيثما وَجِدَ يَملئ عاجلاً، أم آجلاً، فلا حاجة للتفويض دائماً، فالإنغماس في العمل، وبالشكل المتقدم خلقَ فراغاً في التربية، وفراغاً متنامياً في أوقات الأبناء، فاضطروا الجوء في أحسن الأحوال إلى التلفزيون، والكمبيوتر، والإنترنت، والمذياع، والرياضة، وما نحو ذلك وكلُّ منها سلاح ذو حدين، والنتيجة هي إنحسار دور الأسرة في التربية، وإنخفاض سيادتها على هذا الطريق، لأسباب وشروط العمل خارج البيت، لكن أسباب ألإنحسار هذا لم تتلخص فيما تقدم بل لبروز شركاء ومنافسين جدّين وبتقنيات عالية وجديدة أخرى.

لَمْ يكنْ الإنسان قديماً يمضي مِن العمر والوقت في المدرسة الثانية للتربية، وأعني المدارس والروضات والمعاهد، ففي العصر الحاضر الطفل يُودع في دور الحضانة، وربما منذ الأشهر الأولى، أو تتولى الخادمة العناية به، وبعدها ينتقل إلى رياض الأطفال، فالمدارس التمهيدية، فالإبتدائية، فالمتوسطة، فالثانوية....، هذا إضافة إلى أن سنوات التعليم عادت أكثر، وساعات التعليم اليومي أطول، وكل ذلك إلى جانب تصدّي المدارس والمعاهد إلى مهام تربوية إلى جانب مهامها التعليمية، وتنامي دور المدارس في التأثير على المسارات التربية إلى حد كبير يبرر إطلاق اسم المدرسة الثانية لتربية الإنسان وذلك بعد الأسرة التي كانت تعتبر المدرسة الأولى للتربية، نظراً لحجم تأثيرها، وراح دور المدرسة الثانية ينمو ويتصاعد على حساب المدرسة الأولى، للتخصص والحرفية والتفنيات.