رائد شاطر!؟

 

 

السلام عليكم أعزتي الصغار ورحمة الله وبركاته

نعطر    الأفواه        معا بذكر  الله

وذكر خير الناس       أحمد  ما أغلاه

والبضعة الزهراء       وصهره وابناه

رائد ولد مهذب وذكي.

يعيش في عائلة فقيرة مكونة من الأب والأم وبعض الأخوة والأخوات. كان الأب يعمل مزارعاً ... فلاحاً يزرع الخضار في قطعة أرض صغيرة ثم يبيعها إلى البائعين في السوق ليعود بذلك ببعض الدراهم لعائلته كي تعيش... تشتري خبز.. جبن و...

كان رائد يساعد والده في الحقل على الدوام حين يفرغ من تأدية واجباته المنـزلية من الوظائف المدرسية، فقد كان محبا للعلم.

الوسائل التي يستخدمها والده للزراعة بدائية ... قديمة ومتعبة، فالثور لجر المحراث، والدلو لسقي الأرض، وهكذا كل شيء بدائي، فلا طاقة له على شراء آلة حديثة.. أي ما عنده فلوس حتى يشتري وسائل جديدة.

أما في المدرسة فقد كان رائد مضرب مثل في التفوق والأخلاق.. نعم كان الأول في الدراسة والأخلاق، رغم ظروف الفقر والحياة الصعبة التي كان يعيشها.

وعلى الرغم مما كان يتصف به من أخلاق ومواصفات نبيلة كان الطلبة في الصف لا يميلون إليه وذلك لفقره نعم الطلاب في المدرسة ما كانوا يحبون أن يصادقوه، لرثاثة ملابسه، ولكنه وعلى الرغم من تأثره بتلك المواقف لم يسمح لذلك أن يؤثر عليه وعلى دراسته.

حين تضيق به الأمور وينزعج يتوجه إلى أمه للشكوى قائلاً:

إن الأطفال في المدرسة يبتعدون عني وذلك لهيئتي وملابسي ومظهري.. لماذا لم نكن أغنياء؟

لا بأس يا بني.. فالدنيا هكذا فيها الغني وفيها الفقير.

ولِمَ  لَمْ نكن نحن من الأغنياء(؟!)

هكذا أراد الله لنا، الفقر امتحان.. والغنى امتحان بشكل آخر.. وقد يفرج الله لنا فيرزقنا مالاً؟

دع أملك بالله كبيراً.

وليس المال هو كل شيء يا بني.

كانت تلك الكلمات الحنونة تنزل على صدر رائد كالثلج، فتمنحه وتعطيه القوة على مقاومة ما يعترضه من الأطفال الذين كانوا لا يميلون إليه ويبتعدون عنه.

في يوم من الأيام دعت المدرسة إلى إقامة معرض للأعمال اليدوية، يقدم فيها الطلبة أشياء من صنع أيديهم، عاد رائد إلى البيت فأخبر أمه بالخبر:

سوف يقيمون معرضا للأعمال اليدوية يا أمي.

جميل جدا، وهل ستشارك في المعرض يا رائد؟

كيفْ لي أن أشارك.. فأنت تعلمين أن بقية الأطفال بإمكانهم شراء المواد المختلفة من السوق لصناعة أي شيء يريدون، أما أنا فمن أين لي ذلك؟

وترقرقت ونزلت الدمعة من عين الولد، والتي بادلته الأم بمثلها، لأن أم رائد لم يكن لديها حيلة، أو حل لذلك.

لا بأس يا بني اصبرْ... ربنا كريم...

وما نتيجة الصبر؟

الفرج....

الفرج....

ومتى يأتي ذلك الفرج؟

قريباً إن شاء الله.

و أضافت الأم:

ولكن لم لا تصنع أشياء من مواد بسيطة...

مواد بسيطة، وهل يمكن أن أتفوق على تلك الأشياء التي يصنعها الأولاد من مواد أعدت في المصانع يا أمي؟

نعم تتفوق... فأولئك سوف يأتون بأشياء جاهزة، أما أنت فتبدع وتخترع من عندك.

استهوت الفكرة رائد واستحسنها.

فخرج يفكر في الطريقة التي يمكنه من خلالها صنع شيء من أشياء بسيطة يفوز بها في المعرض.

جلس رائد مع نفسه يفكر ويفكر...

ويتأمل في الحشائش والأشجار ، فقدحت الفكرة في رأسه ... ووَجَدَ الحلَّ.

نعم.. نعم وجدتها... وجدت الفكرة.

وركض إلى المطبخ، وحمل معه سكيناً وفأساً اعتاد أبوه أن يحتطب به، وغير ذلك من الأدوات.

وراح رائد يقطع الأغصان وينشرها ويقطع جزءً، ويبرد آخر إلى أن انتهى من كل شيء، توجه إلى أمه.

أماه أريد أن تصنعي لي دمية على شكل ولد.

حسنا سأصنع لك ذلك، ولكن لأي شيء تريدها.

سأخبرك فيما بعد.

لا بأس بعد غد ستكون الدمية جاهزة بإذن الله تعالى.

شكراً لكِ يا أمي.

كانت الأم ترى الفرحة تطفو على وجه رائد، ما سرها منظره كثيراً. وبعد يومين كانت الدمية جاهزة.

حيث صنعتها الأم من بقايا قماش قديم، وصنعت للدمية طربوشا زادها جمالاً.

رائد... يا رائد؟

نعم أماه.

لقد أتممت لك الدمية.

الله... كم هي رائعة؟

قبَّل رائد يد أمه بعد أن تناول دميته منها، وشكرها كثيراً على ذلك.

لا بأس يا بني.. ولكن ألا تريد أن تطلعني على ما أعددت للمعرض؟

أريد مشاهدة ذلك يا ولدي...

نعم بالتأكيد... فأول إنسان أريد إطلاعه على ذلك هو أنتي، فأخذ بيدها إلى حيث يضع أغراضه، وأخرجها أمامها.

إنها دراجة هوائية خشبية، تعمل على مروحة بواسطة الهواء، فلا حاجة لأن يحرك راكبها قدميه، وإنما الهواء هو الذي يحرك كل شيء.

تعجبت الأم من ذلك وأدهشت، وقبلت رائد في جبينه.

أنت ولد مبدع وعبقري يا رائد.

شكراً لكِ أمي...

ثـبّتَ رائد الدمية على الدراجة ليكتمل اختراعه.

وفي اليوم التالي أخذه رائد معه إلى المدرسة، وكان يضعه في كيس، في حين كان الجميع قد وضع ما أعد في صندوق أو علبة جميلة وغالية الثمن.

حين دخل رائد الصف ضحك الجميع مما كان يحمل في يده.

انكسر قلب رائد من ذلك الضحك.

لماذا تضحكون؟

هل من شيء مضحك هنا؟

نعم أنت يا رائد المضحك... أجابه أحد الطلاب.

وما في يدك هو أجمل شيء رأته أعيننا.

وأستأنف الطلبة الضحك، في حين كان قلب رائد يتألم.

وقد كاد يكسر دراجته ويذهب إلى البيت، ولكنه ازداد قوة وإصراراً على التحدي، متسلحاً بكلمات أمه التي كانت ترن في آذانه حول اختراعه.

وجاء المعلم واستلم الأعمال من الطلبة، فكل طالب كان يقدم ما لديه مع شرح له. علماً أن الجميع كانوا قد استفادوا فيما أعدوا من أشياء جاهزة الصنع.

وجاء دور رائد... وضحك الجميع حين تقدم حاملا كيسه بيده، فأخرج الدراجة من الكيس.

ما هذا يا رائد؟

ضحك الطلاب... وظن رائد أن المعلم يستهزئ مما صنع أيضاً، فتلعثم في الرد. فمنع المعلمُ الطلابَ وأمرهم بالسكوت.

سألتك ما هذا يا رائد... لماذا لا تجيب على سؤالي؟

إنها دراجة هوائية.

أعرف ذلك.

ولكن عليك أن تحدثنا عنها.

وما هي مواصفات هذه الدراجة؟

إنها ليست دراجة عادية؟

إذن؟

إنها تعمل على الهواء دون حاجة إلى تحريك بفعل هذه المروحة.

وأخرج رائد المروحة من الكيس.

هل لك أن تجربها لنا يا رائد؟

بالتأكيد يا أستاذ... بالتأكيد.

وثبت رائد المروحة في الدراجة، ونفخ عليها فدارت المروحة، فأدارت العتلات والوسائط المربوطة بعجلات الدراجة فتحركت الدراجة.

رائع... رائع جدا يا رائد، أنت مبدع حقاً يا رائد.

فاز اختراع رائد في المعرض.

وحصل خلال ذلك على هدية ثمينة.

علاوة على نقله إلى صف المبدعين.

رجع رائد إلى أهله مسروراً لأنه نجح، وهو يحمل معه هديته الثمينة وهي مكافأة مالية، إضافة إلى جائزة تقديرية.

ها بني... ماذا صنعت؟

تلقته أمه.

طارت الأم من الفرح حين سمعت الخبر.

وماذا تنوي أن تصنع بمبلغ الجائزة.

له مورده يا أماه... سأصرف مبلغ الجائزة في...

حلت العطلة الصيفية.

وكان رائد خلالها يذهب إلى المزرعة ويساعد أباه في الحقل.

وكان في وقت الراحة يفكر فيما يمكنه أن يساعد أباه فيه.

وفي يوم من الأيام، وبينما كان متكئاً إلى شجرة يفكر فيما يمكن أن يعين والده.

أخذته غفوة خفيفة أيقظته منها زخات مطر خفيفة، ففتح عينيه مندهشاً لمنظر تلك الزخات الخفيفة، متأملا فيها، فركض نحو المنزل.

أماه سأشتري بثمن الجائزة بعض المواد.

وما هي تلك المواد؟

سأصنع جهازاً يوفر الجهد والماء لوالدي!

وما هو ذلك الجاهز ؟

إنه جهاز للسقي... لإيصال الماء إلى الزرع، فاطلبي من والدي أن يصحبني معه غدا إلى السوق.

سأفعل.

ووافق الوالد على ذلك.

فأخذه معه إلى السوق، فاشترى رائد ماكنة صغيرة يعني مضخة ماء لسحب المياه وضخها وإيصالها، من تلك التي تستخدم في بعض المنازل لإيصال ودفع الماء إلى الطوابق العالية واشترى، أنابيب وعجلات، وعاد بها إلى البيت.

فانهمك في العمل لمدة أسبوع كامل ليخرج بآلة تسقي الأرض على طريقة المطر، توفر المياه، والجهد، وتزيد المحصول.

ذاع صيت اختراع رائد... واشتهر رائد، وعرضت عليه إحدى الشركات الزراعية شراء اختراعه بثمن زين، فكان أن تغيرت حياتهم رأساً على عقب، وتحسنت أوضاعهم المادية المالية كثيراً، ليحمد رائد الله على ما آتاه من نعم، وما فرج به عليه وعلى أهله.

ماذا يمكننا أن نستخلص من حكايتنا؟

1- أن الفقر ليس عيبا، فالفقر والغنى بيد الله يعطيه من يشاء، وأن قيمة الإنسان ليس بالمال، إنما بعلمه وأخلاقه وعمله.

2-  أن الصبر مفتاح الفرج.

3-  على الإنسان الاستفادة من أبسط الإمكانيات في الإبداع والاختراع.

إلى هنا انتهت حكايتنا وإلى اللقاء.