أمريكا والوحدة الأوروبية: القوى العظمى ومصير العالم

 

 

هاشم صالح

 

كان هنري كيسنجر قد صرح بان الدول التي ستسيطر على القرن الواحد والعشرين بالاضافة الى امريكا هي التالية: أوروبا (اذا ما توحدت) وروسيا (اذا ما نجحت في حل مشاكلها الداخلية)، والصين (خصوصا الصين) والهند (اذا ما نجحت في تطورها الاقتصادي والتكنولوجي)، واليابان. ولكنه نسي البرازيل التي تقلع حضاريا الآن وتبلغ نصف مليار شخص.. ويبدو ان برزنسكي يتفق معه في هذه الرؤية لمشاكل العالم، وان كان يدخل في تفاصيل دقيقة ومهمة ليست موجودة عند غيره. ان برزنسكي يقدم في مؤلفاته الاخيرة وتحليلاته الاستراتيجية صورة اوضح ما تكون عن النظام العالمي الجديد كما تحلم به امريكا وتخطط له منذ الآن وبالتالي فلا يمكن ان نفهم مستقبل العالم اذا لم نطلع على هذا المنظور الاستراتيجي.

ويرى برزنسكي ان اوروبا هي الحليف الطبيعي لامريكا. فهما تتشاطران نفس القيم الفلسفية الحضارية او الدينية المسيحية ويسودهما نفس النظام السياسي الليبرالي الديمقراطي. يضاف الى ذلك ان الاغلبية العظمى من الامريكان لهم جذور في القارة الاوروبية.

ويرى برزنسكي (البولوني الاصل) ان الدعامتين الاساسيتين لتشكيل الوحدة الاوروبية هما: فرنسا والمانيا، فبدونهما لا يمكن ان تتحقق هذه الوحدة. ويدعو الولايات المتحدة الى دعم هذه الوحدة وتبديد الرأي الشائع والقائل بان امريكا هي ضد الوحدة الاوروبية. فتشكيل هذه الوحدة لا يشكل خطرا على امريكا وانما على العكس قوة لها او لنقل امتدادا لقوتها في القارة الاوروبية ـ الآسيوية.

وواضح من كلام برزنسكي ان مشكلة امريكا في اوروبا هي فرنسا تحديدا. ففرنسا غيورة على استقلالية قرارها وفخورة جدا بشخصيتها وماضيها وتريد ان تلعب دورا على المستوى العالمي وغالبا ما تتخيل ان امريكا تعرقل لها هذا الدور او تحاول تحجيمها وتجاوزها. وهذا ما يغيظ النخبة السياسية الفرنسية كثيرا.

وتعتقد فرنسا ان تشكيل وحدة اوروبية واسعة ممتدة من «المحيط الاطلسي الى جبال الاورال» بحسب تعبير الجنرال ديغول هو الضامن الوحيد لمواجهة الهيمنة الامريكية. وترى باريس ان تحقيق هذه الوحدة امر يقع على كاهلها لكي تصبح هي مركز الامبراطورية الجديدة وتعيد الصلة مع سابق مجدها.. بالطبع هذه هي رؤية ديغول والديغوليين ولكن يبدو ان ساركوزي قطع مع هذه الرؤية الى درجة ان احدى المجلات الأسبوعية الفرنسية خرجت علينا مؤخرا وبالمانشيت العريض تحت العنوان التالي: هل خان ساركوزي ديغول؟

ولكن مع ذلك فإن برزنسكي يعترف بأن فرنسا كانت دائما حليفاً مخلصاً لأمريكا. ففي فترات التأزمات القصوى أثناء الحرب الباردة كانت تقف بدون تردد الى جانب الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي.

ولكن دعم فرنسا لحلف الأطلسي كان دائماً معتدلاً أو خفيفاً لأنها تريد أن تؤكد على هويتها السياسية الخاصة أو ان تحافظ على هامش حرية او هامش حركة وبخاصة فيما يتعلق بمكانتها الدولية أو بمستقبل أوروبا. وهنا يحذر برزنسكي فرنسا قائلا: ينبغي على النخبة السياسية الفرنسية أن تتخلص من وهم العظمة المبالغ فيها. بمعنى آخر ينبغي

على فرنسا أن تدرك أنها لم تعد دولة عظمى وانما دولة وسطى.

فالواقع أن فرنسا لا تستطيع أن تحمي أوروبا لأنها قوة وسطى لا أكثر ولا اقل. وحدها الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع أن تحمي أوروبا من أي عدوان محتمل سواء جاء من جهة روسيا أم الصين أم أي جهة أخرى. وهذا ما تعرفه المانيا حق المعرفة، ولذلك فهي ترفض المشاغبة على أمريكا.

ما هو الهدف المركزي لأمريكا في أوروبا؟

انها تهدف الى تشكيل الوحدة الأوروبية على قاعدة النواة الفرنسية ـ الألمانية ثم توسيع هذه الوحدة لكي تشمل كل دول أوروبا الشرقية التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا. ثم توسيع حلف الاطلسي لكي يشمل كل الدول الجديدة المنتسبة الى أوروبا. ثم ربط كل ذلك بالسياسة الأمريكية وبالتالي فنحن (يقول برزنسكي) لا نهدف الى تفضيل ألمانيا على فرنسا كما يتوهم الفرنسيون. صحيح أن المانيا الموحدة هي أهم دولة في أوروبا بالنسبة لنا نحن الأمريكيين. ولكننا لا نريد أن نتخلى عن فرنسا أو نشكل وحدة أوروبية بدونها أو ضدها وحده التحالف الألماني ـ الفرنسي المدعوم من أمريكا هو الكفيل بتشكيل الوحدة الأوروبية.

اما المانيا فتنتسب الى الوحدة الاوروبية لاسباب مختلفة عن فرنسا. فالمانيا تريد ان تعتذر عن ماضيها، ان تتخلص من عقدة الذنب النازية التي تلاحقها. وهي تعتقد انها اذا ما انخرطت في تشكيل الوحدة الاوروبية بكل صدق واخلاص فان الاوروبيين سوف يغفرون لها مغامراتها السابقة ولن يعودوا خائفين منها. وهذا شيء مفهوم ومشروع. اما فرنسا فتريد توحيد اوروبا لكي تستخدمها من اجل اعادة سابق مجدها الامبراطوري، لكي توهم العالم الخارجي بانها لا تزال قوة عظمى .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب  في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-14-10-2007