إصلاح الأخطاء الأميركية في العراق..رؤية موضوعية

 

د.نجاح العطية

 

يرى المتابع لزوايا المشهد الميداني في العراق أن الخطوة الاميركية التي اتخذها الرئيس بوش بناء على ما جاء في شهادة الجنرال بتريوس قائد القوات الاميركية في العراق والسفير الاميركي كروكر امام أعضاء الكونغرس جاءت بمثابة التحدي والاصرار بوجه الصرخات والنداءات المتكررة من قبل أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين والتي تدعو الى ضرورة جدولة انسحاب القوات الاميركية من العراق وتغيير ستراتيجية الولايات المتحدة المتعلقة بموضوعة العراق وقد شكلت هذه الخطوة أيضا قفزا فوق رغبات الرأي العام الاميركي الذي ما زال يوجه ضغوطا ورسائل قوية للرئيس الاميركي من أجل عودة الجنود الاميركيين الى بلدهم.

 تقرير بتريوس- كروكر وعلى الرغم من أنه أشاد بالتقدم الذي أحرزته القوات الأمنية العراقية على الأرض بالتعاون مع القوات الاميركية ألا أن ثمرة هذا التقريركانت التوصية الختامية الى الرئيس بوش بتنفيذ انسحاب جزئي للقوات الاميركية المتواجدة في العراق يقدر بحوالي 30 ألف جندي حتى نهاية شهر تموز من العام القادم 2008 مع ضرورة الابقاء على 150 ألف جندي اميركي هم العدد الاصلي للقوات المتواجدة في العراق قبل ان يأمر الرئيس بوش بزيادة هذا العدد في شهر حزيران المنصرم من هذه السنة .

أن هذا الانسحاب من وجهة النظر الموضوعية لايمثل في حقيقة الامر ألا محاولة التفافية من اجل الابقاء على عدد القوات الاميركية الاصلي قبل الزيادة الاخيرة أي أن المداولات والنقاشات التي تمت في جلسة الاستماع من قبل اعضاء الكونغرس  ومن ثم التصويت وصدور نتائج التصويت لصالح سياسة الرئيس بوش في هذا المجال كانت ضمن سياسة الاتفاق على الثوابت المشتركة في الاهداف والرؤى الستراتيجية لكلا الحزبين على الرغم من الانتقادات الخجولة التي ابداها بعض الاعضاء الديمقراطيين في الكونغرس ومن بينهم رئيسة الكونغرس نفسها. وعلى ضوء معطيات الواقع الموضوعي فأن جلسة الكونغرس تلك تعتبر أحد انواع المناورات السياسية والتي يقصد من ورائها امتصاص وتفريغ غضب الرأي العام الاميركي وتعد من باب الاستعداد للانتخابات الاميركية القادمة, وبناء على الكثير من القرائن والشواهد فأن الاهداف الستراتيجية المتعلقة بالبقاء الطويل لقوات الولايات المتحدة في العراق هي من المحاورالتي يتفق عليها كلا الحزبين الاميركيين  في الوقت الذي رأينا فيه قبل صدور التقرير وبعده أن المسائل الخلافية بين الحزبين لاتمس جوهر الأهداف الرئيسية وأن هذه الخلافات قد تم خفضها الى أدنى مستوى وبالشكل الذي ظهرت للمراقبين فيه. فيما بدا الاختلاف حول هذا المحور يدخل ضمن باب التنافس الانتخابي الذي يسعى كلا الحزبين لخوضه في الانتخابات القادمة.

 أن خطة الادارة الاميركية تذهب الى الابقاء على حكومة عراقية ضعيفة وكسب المزيد من الوقت لتعزيز البقاء الاميركي العسكري لفترة طويلة تمتد لعشر سنوات كمرحلة اولى وكما هو معلوم للمراقبين فان للولايات المتحدة ستراتيجيتها المتعلقة بالعراق بغض النظر عن تغير الادارة التنفيذية للبيت الابيض وهي ستراتيجية تنطلق من ضرورة الحفاظ على جوهر المصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة وحماية مناطق النفوذ الاميركي والوقوف بوجه السياسات الدولية المعادية للولايات المتحدة في المنطقة والتي طالما اكد الرئيس الاميركي بوش أنها من الثوابت التي لايمكن الحياد عنها حيث أن هذا الامر يتمثل في التقاطعات الحاصلة بين السياسة الاميركية من جهة وبين سياسات بعض الدول الاقليمية في المنطقة من جهة أخرى لاسيما أيران  . أن الولايات المتحدة تكون قد ارتكبت خطأ ستراتيجيا يضاف الى بقية أخطائها الاخرى في العراق عبر مشروع الرئيس بوش في أبقاء القوات الاميركية أطول فترة ممكنة في العراق وجعل هذا البلد ساحة للصراعات الدولية لاسيما أن الرئيس بوش  كان قد تبنى ما سمي بنظرية (الفوضى الخلاقة) والتي تهدف في أهم أولوياتها الى جعل الساحة العراقية رأس الحربة المتقدم للحرب على تنظيم القاعدة السلفي بعيدا عن أراضي الولايات المتحدة وهذا التبني المحموم للتطبيق العملي لهذه النظرية على الساحة الميدانية العراقية كان احد اخطر نتائجه المعلومة هو الانفلات الامني وما رافقه من تداعيات مأساوية دفعت ثمنها شرائح الشعب العراقي وحصول حالة الاحتقان الطائفي والدفع باتجاه الاستعداء الطائفي الديني .

ولعل المتخصصون في الشأن القانوني الدولي يعلمون كما أن الأدارة الاميركي والكونغرس ومراكز الدراسات الرافدة لمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة يعلمون أيضا أن كل هذه التداعيات في مجال الملف الأمني تتحمله الادارة الاميركية كونها جائت كسلطة احتلال وهذا ما يحتم عليها الألتزام بواجبات سلطات الاحتلال تجاه السكان والمواطنين المدنيين في الدولة التي وقع عليها الاحتلال وذلك ما نصت عليه القوانين الدولية.

ولعل روح التذمر من سوء ادارة الولايات المتحدة للملف العراقي ما زالت متنامية لدى الكثير من الباحثين والمراقبين السياسيين في مراكز الدراسات الستراتيجية ذات العلاقة بالقوى المؤثرة ومراكز صنع القرار الاميركي للأسباب التي ذكرناها ويقف في مقدمة هؤلاء الباحث الاميركي المعروف ( أنطوني أتش كوردسمان ) وهو باحث ستراتيجي في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية الاميركية والذي له الدور المهم في رفد مراكز صنع القرار الاميركي بالدراسات ومن بينها البيت الابيض والكونغرس حيث جاء في تقريره الذي تم تحديثه في السادس من آب من هذه السنة 2007 والذي قدمه الى المركز بعد رحلة قام بها شخصيا الى العراق ما يلي:

(لقد أصبح الأداء الأميركي في العراق عاملا حاسما في كيفية الحكم على الولايات المتحدة من قبل العالم, وشئت أم أبيت فأنه ينظر الى الولايات المتحدة بحق على أنها ذهبت الى الحرب - في العراق - لأسباب غير صحيحة, وكذلك قيامها بشكل ثابت بادارة السلام الذي تبع الحرب بشكل سيىء وبأنها مسؤولة عن معاناة 27 مليون عراقي.)

ومن الواضح بعد كل هذا أن الولايات المتحدة ساهمت في إثارة الفوضى وفقا للمعطيات السابقة في العراق وجعل حياة المواطن العراقي تعج بالمزيد من المعاناة والألم والقلق والشعور الدائم بفقدان الأمان أضافة الى الشروخ والتبعات النفسية اليومية التي يئن تحت وطأتها والمشاكل الأقتصادية والمعيشية التي تتفاقم ومازال يعاني من تبعاتها المختلفة ومن بينها فقدان الجانب الخدمي والصحي ومجال النقص الكبير في الطاقة الكهربائية أضافة الى انتشار البطالة بين صفوف الشباب ناهيك عن تدخلها في موضوعة الملف الامني بشكل سيىء ومحاولاتها المحمومة لمسك العصا من الوسط في تعاملها البراغماتي مع الارهابيين والحكومة العراقية وذلك لخلق حالة من التوازن في ميزان القوى وفقا لمتبنياتها الستراتيجية الخاطئة وحالة التخبط التي رافقت أداءها في العراق .

ومن الملفت للانتباه والتأمل لحالة التخبط قيام القوات الاميركية بعقد اتفاق وتعاون مع مجاميع كبيرة مكونة من آلاف العناصر من تنظيم القاعدة التكفيري وعناصرحزب البعث وأمدادها بالمال والسلاح وذلك لكي تكون جزءا من قوات الامن العراقية في عدد من المناطق الاكثر سخونة في بغداد وديالى مع أن هذه المجاميع كان لها الباع الطويل والقذر في جرائم القتل والذبح والاختطاف وأشاعة الموت على الهوية الطائفية وتهجير العراقيين من مناطق سكنهم ودورهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وقد لاقت هذه الاتفاقيات الاستنكار والتنديد من قبل المواطنين من سكنة تلك المناطق وكذلك لاقت رفضا من قبل رئيس الحكومة العراقية الشرعية ومن قبل الكتل السياسية الوطنية في البرلمان العراقي حيث اعتبرت هذه الخطوة بمثابة تشجيع لهؤلاء الارهابيين على الاستمرار في جرائمهم وتحت غطاء قانوني الشكل هذه المرة.

وقد صنف المراقبون هذه الخطوة من قبل القوات الاميركية بأنها تكرار لأزدواجية التعامل والكيل بمكيالين وتكرار للأخطاء الكبيرة .

في الوقت الذي أشارت فيه التقارير الاخيرة اللاحقة الى صدق توقعات الحكومة العراقية والمراقبين والمواطنين العراقيين في تلك المناطق فيما يخص هذه المجاميع الارهابية  حيث نقضت الاتفاق مع الجانب الاميركي وقامت مجددا كما هو ديدنها بقتل وذبح عوائل عراقية بكاملها من سكان تلك المناطق .

وبالنسبة للجانب المتعلق بالدول المجاورة للعراق فأن التقرير قد ركزعلى دولة مجاورة واحدة فقط في اكثرمن عبارة من  دون الأشارة الى دور دول الجوار الاخرى والتي كان لها الدور الحقيقي الواضح والمستمر في تقديم الدعم وتسهيل دخول المجاميع الارهابية عن طريق الحدود الى داخل العراق وتوفير المقدمات المناسبة لانطلاقهم من أراضي تلك الدول وعلى سبيل التنويه فقد جاء ذكر كلمة ( إيران ) خمسين مرة في هذا التقريرعلى أنها هي التي تدعم الأرهاب وتصدره الى العراق دون أن يذكر التقرير دليلا عمليا وواقعيا واضحا وملموسا على الادعاء المزعوم,في الوقت الذي غض فيه التقرير الطرف  عن بعض دول الجوارالعربية وغير المجاورة أيضا والتي أثبتت الوقائع  والشواهد والأدلة الكثيرة والناصعة على الدور الواضح لأنظمة هذه الدول في تسهيل ودعم وتصدير الارهاب والارهابيين الى العراق بهدف افشال وتحطيم العملية السياسية في العراق وهي خطوة تؤكد فشل الرئيس بوش في محاولاته المتكررة لاستعداء المجتمع الدولي وشرائح المجتمع العراقي ضد الجانب الأيراني من اجل أن يكون العراق ساحة اخرى لتصفية الحسابات القديمة بين الولايات المتحدة وايران ومن ثم جعل العراق قاعدة قريبة مجاورة للانطلاق نحو شن الحرب على ايران بينما تتوالى النصائح من قبل الخبراء الستراتيجيين الاميركيين وغيرهم بضرورة توخي الحذر الشديد من موضوعة اعلان الحرب على أيران تحت حجج واهية  في الوقت الذي لم تقدم فيه الادارة الأمريكية دليلا واحدا يثبت دعم ايران للارهاب ولم نشاهد او نسمع حتى هذه الساعة بأن قوات الأمن العراقية قد قامت بالقاء القبض على عنصر ايراني واحد يشن عمليات ارهابية ضد المدنيين في العراق أو ضد القوات الأميركية أو أفراد أو منشآت الجيش العراقي أوالشرطة .

أن على ادارة الرئيس بوش ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة لاسيما الكونغرس الذي أصدر قرارا غير ملزم بتقسيم العراق ان يصغوا لكل رأي عقلائي منطقي ورؤيا موضوعية واقعية فيما يتعلق باتخاذ نهج جديد للتعاون الأقليمي والدولي من أجل استتباب الأمن في المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص وذلك من خلال أقامة ومد جسور التفاهم بين الولايات المتحدة وايران وبقية دول الجوار العراقي والتوجه نحو تصحيح الأخطاء بجدولة انسحاب القوات الاميركية من العراق وعدم الاصرار على ارتكاب الأخطاء الستراتيجية المتكررة وبغير هذا التفاهم والتعاون سيبقى التوتر والأزمات المتلاحقة  تلون وجه العراق والمنطقة والعالم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-13-10-2007