العراق: ترتيب الأولويات في إطار الرؤية السياسية و الإدارة

 

 

صارم الفيلي

 

 

لا شك في ضرورة التوفر على رؤية شاملة تحيط بجميع جوانب مسألة ما , تكون مقدمة لتصور القادم من الاحتمالات والتوقعات , بالاستعانة بالادوات العلمية المعروفة من الاحصاء وحساب الاحتمالات , من خلال قراءة  دقيقة للواقع واستيعاب اتجاه القوى المؤثرة فيه وانعكاسها من جهة الايجاب أو السلب لما نخطط له من أهداف مستقبلية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

وهذه الرؤية التي تحدد الهدف كوجود ذهني لاقيمة عملية لها بدون توفر إرادة وهي الطاقة التي تدفع بنا للتحرك نحو اهدافنا المرسومة . وبامتزاج الفكر والإرادة تتحقق شروط الحركة نحو المستقبل. وهذان الأمران هما المحتوى الداخلي للإنسان - حسب تعبير الشهيد محمد باقر الصدر -  القادر على صنع التغيير والتوجه نحو الغايات المنشودة.

فأي تغيير في البنى الفوقية للمجتمع من مؤسسات متنوعة وتشريعات قانونية تنظم الحراك الاجتماعي والاقتصادي يتطلب البحث عن نقاط إرتكاز في امتلاك المعارف المتنوعة تسمح بالتحرك في اطار الواقع وتطوير ادواته لفتح آفاق تغييرية بصورة مستمرة لتحقيق الأهداف المنشودة وهذه لا تقوم دون توفر إرادة ساعية نحوها , لأن النجاح قرار عقلي والاخفاق ايضا قرار عقلي سلبي ناتج عن غياب الارادة ,  القادرة وحدها على تحقيق الرؤى في مجال الأمن والديمقراطية والتنمية .

ترتيب الأوليات

أريد أن استخدم ماتقدم من مفاهيم كأطار تحليلي لوثيقة الأمن القومي التي أطلقت من قبل الحكومة العراقية والمسماة " العراق أولا " والتي تهدف حسب البيان الحكومي إلى " تحقيق المصالحة الوطنية واعادة الاستقرار الامني والاقتصادي الى البلاد.

ان ما يحقق النهج الديمقراطي هو الاطار العام لاستراتيجية الامن القومي التي تعتمد الديمقراطية قاعدة تستند اليها مفردات الامن بكل ابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية “..

ولا بد ابتداء أن اشير لأهمية التمييز بين الاهم والمهم وبتعبير آخر ترتيب الأولويات في إطار تفاعل ثنائية الرؤية والإرادة , لضرورة وجود تناسب بين حجم الهدف ومقدار مايرصد لتحقيقه من جهد ووقت وامكانيات , فعندما نصرف الكثير منها لتحقيق هدف محدود , يكون ذلك على حساب الغايات الكبرى والعناوين الرئيسية , فتأتي النتائج محدودة وربما مخيبة للآمال بعد فترة طالت ام قصرت .

لقد حدد البيان الديمقراطية كقاعدة ترتكز عليها كل المفردات ذات العلاقة بالأمن الإجتماعي والتقدم الاقتصادي , وهذا ماأثبتته التجارب العالمية التي تبنت النهج الديمقراطي الحقيقي  الذي لاينتهي عند الانتخابات فقط , أو التعددية الحزبية ووجود صحافة حرة واطلاق ثقافة احترام الحريات الاساسية , بل انها النظام الذي يحقق التنمية والسلم المجتمعي لما  تحرره من طاقات مجتمعية تنفتح في اطار المسؤولية التضامنية  لصيانة النظام العام وحفظ الثروات القومية من الهدر والتلاعب والفساد .

لكن مقومات البناء الديمقراطي في مجتمع متحول من النظام الشمولي  تستند الى أولوية وجود توافق على  الاسس التي تبنى عليها الدولة , كشرط لبناء أساس يتحمل الاختلافات اللاحقة في البنى الفوقية والاختلافات المستقبلية المتحركة في البرامج والمواقف والسياسات , كونها قابلة للتغيير بشرط الانتخابات وتعاقب القوى السياسية على الحكم . أما اذا امتد الخلاف الى  الأسس التي ترتكز الدولة عليها فيتعذر الاستمرار في الحراك المجتمعي بصورة مستقرة.

العربة والحصان

هذه الرؤية تضع وجود توافق للآراء بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية الرئيسية في مقدمة سلم الأولويات لنجاح التجارب الديمقراطية الوليدة كما في الحالة العراقية . لأن توافق الآراء يساعد على تشكيل أطر النموذج الوطني , تلك القادرة وحدها على محاصرة الاختلافات السياسية وتقليص مساحتها واحتواء التباينات بين الفرقاء السياسيين . هذا خلاف المجتمعات المستقرة والتي بنت نموذجها الذاتي والتي تمتلك من المؤسسات المجتمعية ومؤسسات الدولة ما تستطيع بواسطتها تنظيم الصراعات المجتمعية والوصول الى تسويات في اطار القوانين والدستور . اذن هنا الاختلاف يكون في مدى قدرة المؤسسات في إدارة وتنظيم الحراك المجتمعي دون ان يتحول التعاطي معه الى انماط اخرى تتقاطع مع المبدأ الديمقراطي في التعاطي مع الخلافات المجتمعية بطرق سلمية وحضارية .

والحال عندما ضعفت بعض المؤسسات وانهارت اخرى كالمؤسسات الامنية وكان علينا ان نبدأ من جديد وبشكل متواز مع سن الدستور  وعلى أمل ان نتوفر على مؤسسات دستورية وقوانين تنبثق منه تكون حجة على الجميع .

ومع نجاح العملية الدستورية إلا ان الكليات الخلافية قد رحلت الى القادم من الوقت الذي بدأ يتسع باستمرار ويفتح الباب لمفاهيم وممارسات غير دستورية بذريعة انتظار التعديلات , فأصبحنا في مساحة ضيقة وحرجة بين مساحتين , بين الدستور والدستور غير المفعل في بعض الاحيان وخصوصا أن الخلافيات الكبرى تقع في منطقة انتظار التعديل الدستوري , ومع عدم استطاعة  الواقع الاجتماعي والمؤسسي للدولة من البقاء في جمود الانتظار , فقد كانت الاستجابات الاستثنائية للظروف اللحظية المضطربة في حركتها تتخذ الانساق الملائمة من الاستجابة في دائرة التفاصيل الجزئية على امل ربطها فيما بعد بمقتربات تؤدي الى المسار الصحيح والمقصد القانوني النهائي , رغم ان بعض الحلول كانت مرتجلة وربما منقوصة , وهذا افراز طبيعي لحالة غير طبيعية , لا تضع العربة خلف الحصان –احترام الدستور والعمل به , ولاتضعها في المقدمة – كحال الدول المستبدة التي لاتحتكم لدساتيرها , وانما كان الانطلاق في بعض الاحيان يتم بشكل متواز.!

ولعبور هذا النفق من المشاكل نحتاج الى رؤية تدفع لتوافق نهائي حول النقاط  الدستورية العالقة في إطار الاحتكام الى الحوار الجاد والمثمر المدفوع بإرادة الوصول إلى حلول تنقذ الشعب من المحنة التي طال أمدها , وهذا يأتي من خلال الاستعداد لدفع الثمن اللازم للعبور التاريخي في هذا المنعطف الحرج .

وربما يكون الظرف الموضوعي في هذا المقطع الزمني ناضجا بما فيه الكفاية لتحقيق مصالحة تاريخية تنهي كل اسباب ومظاهر الاحتقانات السياسية وامتداداتها  وهذا مطلوب من كل المتصدين من النخب السياسية , وعندما اقول( كل )اعني به الكل العمومي وليس الكل الاستغراقي بمعنى (فردا فردا ), مع تسجيل حقيقة انتظار الشعب للجميع , بأن يضعوا انهاء الازمة كهدف يتسابق الخيرون بإتجاهه .

فالعمل السياسي يتطلب توفر الكثير من المتطلبات والمهارات كالحوار والمرونة والقدرات الشخصية المتعلقة بإستشعار حاجة الساحة الجماهيرية والمهم هنا بالنسبة لسياق الموضوع ملكة الوعي الحضاري والتاريخي عند السياسي وفهمه لأدوات التغيير في كل مرحلة وما مطلوب منه من تضحيات وتنازلات عن بعض امتيازات احتكار المواقع السياسية وفي الاطر المقبولة لتصب  في خدمة عملية التطوير والانتقال من مرحلة الى اخرى اكثر تقدما , باتجاه إكمال متطلبات النموذج الوطني الخاص بالتحول . وهذا الأمر له استحقاقاته المعروفة.

فوق وتحت القانون

ويأتي في هذا السياق ضرورة التحرك بإتجاه البحث عن الكفاءات العراقية خارج المحاصصة التي ثبت فشلها في الاستجابة لشروط المرحلة , وأن تكون الوزارات وهياكلها مسيجة بمحيط الجغرافية السكانية العراقية , كون هذا

الاطار وحده قادرا على تحقيق امرين, الأول هو استيعاب اكبر كم وافضل نوع تراكمي للخبرة يكون ملكا للعراق كأولوية –العراق أولا – وفي ذات الوقت يستجيب لمفهوم المواطنة , لأن الانتماء للدولة ذات المؤسسات الدستورية يختلف عن الانتماء للقبيلة أوالقومية او الطائفة , في انه يتيح لكل الافراد فرصة اشغال اي موقع ما ان توفرت فيهم الشروط المهنية الخاصة به . عند هذا الشرط نستطيع استغلال موارد الدولة البشرية والمادية بالشكل الامثل , بوقوف الجميع امام اشكال الفساد المتنوعة التي تنكر مبدأ المواطنة التي لاتتعايش مع الانحرافات المختلفة المتقاطعة مع قيمة المساواة والعدل الاجتماعي.

وعودة الى الخطة فقد جاء في البيان ان الدكتور موفق الربيعي ذكر " ان الخطة التي تعتبر خارطة طريق للوزارات ستعمل من اجل اعادة بناء العراق وازدهار شعبه وتهتم ببناء القوات المسلحة واعداد الملاكات التي سيكون ولاؤها للعراق اولا،مؤكدا ان الاستراتيجية التي تطبق للمرة الاولى في العراق شملت وضع حلول مناسبة لمكافحة الارهاب واعادة اعمار العراق بالاضافة الى تفعيل مبادرة العهد الدولي "

السطور اعلاه من البيان تدور اجمالا حول مفهوم سيادة القانون الذي يفرض للدولة هيبتها الضرورية لاستقرار النظام العام وضمان سلامة الأداء في جميع مفاصلها , وهو من شروط تحقيق الديمقراطية الحقيقية التي تكمن في استشعار المواطن الأمن النفسي والكرامة وإنه جزء من المجتمع ينتظم فيه ويتناغم معه  وأي خروج عن القانون سواء كان من افراد مؤثرين بحكم الموقع أو القوة يجب أن يجابه من خلال الأطر المؤسسية والقانونية , فإحترام ذلك ضرورة غير قابلة للتخصيص أو التجزئة بأن يسري على عامة الناس وان لايسري على من له القدرة في تحويل الوقائع القانونية الى ابعاد سياسية او طائفية او إثنية تطل من ثناياها نية الإفلات من العدالة بإحداث اجواء من الإثارات تضرب بعرض الحائط الأطر المؤسساتية .

الإمام علي (ع) يقول" الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه" . فلاحصانة أمام الحق والحقوق وانما اعطيت لحاملها ليكون حرا في ممارسة دوره التشريعي والرقابي وحمايته من اي ضغط يعوق اداءه , وليس المقصود بها ان يكون فوق القانون في عدم خضوعه للمساءلة والحساب .

وبكلمة , التغيير في وضع العراق الحالي يتطلب التحرك من خلال النخب السياسية كونها الاقدر على التأثير السريع في مجرى الأحداث , فالخطط والمشاريع كي تتحرك في الواقع تتطلب إرادات مضحية تكون قوى تحول في المجتمع , تحمل الرؤى وتسير بها ولاتتخلى عنها رغم الصعاب والتحديات والمخاطر , بعيدا عن البحث عن ترضيات سريعة غير مجدية لأنها تبقينا مأسورين في دوائر الاسترخاء السياسي والاستهلاك السياسي  , خلاف ذلك تبقى المشاريع منتوجات تستهلك في دوائر اللغة قبل ان تستنشق هواء الواقع ، عندها قد نصل ليوم يصير فيه الجرح أكبر من الجريح!!.