على هامش مهرجان سعودي لدعاة التطرف

 

 

د. عبد الخالق حسين

 

 

وصلني عن طريق البريد الإلكتروني تقرير كتبه مراسل واس – وكالة الأنباء السعودية، في11 رمضان 1428هـ الموافق 23 سبتمبر 2007م جاء في المقدمة: "أقامت أمارة الرياض احتفال كبير بعنوان "مهرجان مملكتنا .. وحدتنا! " يقول كاتب التقرير: " وبهذه المناسبة الكبيرة التي تجسّد التلاحم بين المواطنين والقيادة تحت راية "لا إله إلاّ الله" في هذا الوطن الكبير من شرقه لغربه ومن شماله لجنوبه، قد تم دعوة كبار العلماء والأدباء من كافة أنحاء "نجد". وقد افتتح المهرجان سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أمير منطقة الرياض وأكد في كلمته على أن حكومة المملكة العربية السعودية تلتزم بالمنهج السلفي والذي وحده فقط يمثل الإسلام الصحيح.) رابط التقرير في نهاية المقال.

مما أثار اهتمامي بهذا التقرير الرهيب هو الفرق الشاسع بين ما يصرح به الزعماء السعوديون في الخارج، عن عزمهم ورغبة حكومتهم في الإصلاح السياسي والاجتماعي وحرصهم على تنقية المناهج الدراسية والتربوية في مملكتهم من دعوات التطرف والتعصب وكل ما يدعو إلى العنف وكراهية الآخر من غير المسلمين ومن المذاهب الإسلامية الأخرى من جهة، وما تقيمه الحكومة السعودية في الداخل من مهرجانات يطلق فيها العنان لدعاة العقيدة الوهابية في تكفير أصحاب المذاهب الإسلامية غير الوهابية ودعوة أتباعها إلى التحول إلى "الإسلام الصحيح" أي إلى السلفية الوهابية، وإلا وجب قتلهم، من جهة أخرى.

لقد أقيم هذا المهرجان تحت إشراف عدد من الأمراء، وافتتحه أمير منطقة الرياض كما جاء في التقرير. و تناوب فيه رجال دين كبار معروفين في السعودية من أمثال الشيوخ: صالح الفوزان وعبدالله بن جبرين وناصر العمر وغيرهم، يلقون الخطابات الدينية النارية، وبدلاً من إظهار الإسلام كدين يدعو إلى التسامح، وفق الآية "وجادلهم بالتي هي أحسن" و" لا إكراه في الدين" ودعوة المسلمين إلى التمسك بالأخوة الإنسانية والتأكيد على الوئام بين الأديان والمذاهب، نراهم بالعكس، يحرضون أتباعهم على المسلمين من أصحاب المذاهب الأخرى والدعوة إلى كرههم وتصعيد العداء والبغضاء ضدهم وحتى إلى قتالهم.

أقتطف أدناه بعضاً مما جاء في خطابات فقهاء الوهابية في هذا المهرجان، ليطلع القراء الكرام على حقيقة موقف الحكومة السعودية التي هي الوجه السياسي الحاكم للعقيدة الوهابية كما بينا في مقال سابق لنا بهذا الخصوص. لقد جاء في خطاب الشيخ صالح الفوزان الذي بدأ كلمته بالدعوة إلى التمسك بكتاب الله وسنته و الابتعاد عما نهى عنه، ليوضح أن من يقصدهم بالابتعاد عنهم هم الشيعة الذين يسميهم الروافض، فيقول التقرير: "وخاصة المنافقين والمشركين والكفار من الروافض والمتبدعة والذين يُغالون في أهل بيت الرسول ويصلون على قبورهم ويذبحون النذور لهم، فيصفهم بأنهم من أخطر الناس على الوطن ووحدته. ويطالب الحكومة بأن تدعو هؤلاء للإسلام الصحيح فهم ينتشرون في منطقة القطيف والمدينة المنورة ونجران، وإذا لم يسلموا فعليها إجبارهم على ذلك." كما ويفيد التقرير: أن الكلمة هذه لاقت استحساناً من أمير الرياض والعلماء.

أما الشيخ عبدالله بن جبرين الذي يصفه كاتب التقرير بـ(الشيخ الكبير الوقور) فقال في كلمته: "... أن الصوفية والشيعة والاسماعيلية بلوى ابتلى بها الكثير من المسلمين، فعلينا أن نحافظ على وحدة هذا الوطن بأن نظهر العداء لهم وإهانتهم وإذلالهم وتحقيرهم وأن نمنعهم من الصلاة في مساجد المسلمين ونظهر البغضاء والكراهية والتحقير في وجوههم ونعاملهم بالشدة حفاظاً على هذا الوطن الغالي علينا جميعا."

ويضيف مراسل واس: "وأردف حفظه الله بأن على حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله أن نستمر في منهجها الذي خطّه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه في منع الرافضة الكفار من دخول السلك الدبلوماسي والعسكري وعدم توليتهم المناصب العليا في الدولة ... والتضييق على أولادهم في الجامعات والوظائف وأن تعتبر ذلك تقرّباً إلى الله تعالى. وطالب أمير المنطقة الشرقية الذي كان جالساً بجواره بأن يمنع الرافضة من إظهار شركهم وأن يلتزموا بشعائر الإسلام وإلاّ فقتالهم واجب إذا ما أمكن ذلك."

ويضيف الكاتب:هللت وكبّرت الجماهير المتواجدة بهذه الكلمات التي حقّ لها أن تُكتب من ذهب، وابتسم الأمير محمد بن فهد أمير المنطقة الشرقية وهو يشد على يد الشيخ ويقول له "كفّيت ووفيت يا شيخ".

وكان للعراق الجريح حضور في هذا المهرجان التحريضي، مما يكشف دور رجال الدين السعوديين في الإرهاب ضد الشعب العراقي. إذ جاء في كلمة الدكتور الشيخ ناصر العمر، المشرف العام على موقع المسلم والأستاذ السابق بجامعة الإمام محمد بن سعود، أن هذه الأعمال الخيرة لن تستمر إذا ما استمر تواجد الرافضة الذين تعاونوا مع الصليبيين في العراق ضد أخوتنا أهل السنة والجماعة، وقال لقد "ظهر الرافضة على حقيقتهم، فما أن تمكنوا، واطمأنوا إلى تمكن أمريكا، فإذا هم يعيثون في الأرض فساداً .. وإذا هم يبدءون في قتل إخواننا أهل السنة، وهذا ما كان يخشاه إخواننا من قبل الحرب." وذكَّر الحضور بالمذكرة التي نشرها في السابق والتي طالب فيها بإيقاف الشيعة من الحج وهدم مساجدهم وردعهم عن المجاهرة بأذانهم وصلاتهم وهدم حسينياتهم، ومنعهم من الكتابة في الصحف والمجلات وفرض الإقامة الجبرية على شيوخهم ودعاتهم وإغلاق المحكمة الرافضية بالقطيف وسحب الكتب الدينية ومنعهم من التأليف والنشر ومنعهم من تولي المناصب العليا في الدولة خاصة في مجال الأمن والصحة والإعلام ومنعهم من التدريس بجميع المراحل.

السؤال هو، أليس هذا تحريض مكشوف ضد شيعة العراق وفي كل مكان من العالم؟ وهل حكومة تقيم مثل هذه المهرجانات هي حقاً حريصة على الإصلاح السياسي والاجتماعي في بلادها، وأنها حكيمة وحذرة جداً لأنها لا تريد حرق المراحل؟ إن من يقرأ التقرير بكامله عن هذا المهرجان، لا شك أنه يصاب بالغثيان والهلع، والخوف على غير الوهابيين من المسلمين من سكان السعودية. وفي ظل مثل هذه التعاليم السائدة في أنحاء المملكة، لن نستغرب أن يكون 15 من 19 إرهابياً قاموا بـ"غزوة مانهاتن" هم من السعوديين، و50% من الإرهابيين الأجانب في العراق هم من السعوديين أيضاً. ففي هذه الخطابات الدموية دعوات صريحة ومكشوفة للشباب السعودي ولغيرهم من المسلمين إلى قتل الشيعة وغيرهم من المسلمين من غير الوهابيين، ومعاملتهم كما لو كانوا أسرى الحروب الإسلامية في فجر الإسلام، حيث كان أمام الضحايا خياران، إما إعلان إسلامهم أو القتل وبيع أطفالهم كعبيد في أسواق النخاسة، ونسائهم جواري لجند الإسلام. وهل يصدق أن تصدر هذه الدعاوى في القرن الحادي والعشرين، حيث المطالبة بحقوق الإنسان وإلغاء الرق، وتأسيس منظمات تدعو إلى الرفق بالحيوان والنبات والحفاظ على البيئة؟

كذلك تكشف هذه الخطابات زيف الادعاءات التي تطلقها المملكة العربية السعودية في الغرب بأنها تحارب الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه ومنع فقهاء الموت من أئمة المساجد الوهابية من نشر أفكار التطرف وتكفير الآخرين.  

لذلك نطالب الإعلاميين الأحرار والمثقفين المتنورين في البلاد العربية القيام بمسؤولياتهم الاخلاقية والمهنية بفضح هذه الممارسات على أوسع نطاق ممكن، وتنبيه العالم والمحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة واليونسكو والحكومات ومنظمات حقوق الإنسان، بمخاطر هذه الدعوات الرهيبة والمطالبة بنشر ثقافة التسامح بين أتباع المذاهب والأديان، والترويج لفكرة (الدين لله والوطن للجميع) ونبذ التعصب الديني والفكر الإرهابي والتمييز بين البشر بجميع أشكاله.  

كذلك على المثقفين الأحرار تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة لمقاضاة التكفيريين ودعاة التحريض ضد أتباع الأديان والمذاهب الأخرى وتقديمهم إلى المحاكم الدولية لمحاكمتهم. والجدير بالإشارة إلى أن مجلس الأمن الدولي قد أصدر في العام الماضي قراراً بهذا الخصوص يدعو فيه إلى محاكمة المحرضين على الإرهاب، وذلك استجابة لعريضة وقعها نحو أربعة آلاف من المثقفين العرب إلى مجلس الأمن الدولي.

وباختصار، يجب مواجهة دعاة العنف والحكومات التي تدعمهم، بفضحهم إعلامياً على مستوى العالم، وتقديمهم إلى المحاكم الدولية ومحاسبتهم، واعتبار دعواتهم هذه من الجرائم الكبرى التي تحرض على العنف والإرهاب ونشر الكراهية بين أصحاب الديانات المختلفة، وتهدد السلام الاجتماعي .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الأخبار العراقية-24-9-2007