جيتس ...بين الواقعية و المثالية

 

ديفيد بروكس

 

 

جيتس ... "عطية من السماء" !!

كان روبرت جيتس بالنسبة لنا نحن الأميركيين بمثابة عطية من السماء. فبعد أن كان لدينا وزير دفاع مغرم بالجعجعة، أصبح لدينا وزير يتسم بالصراحة.. وبعد أن كان لدينا وزير ذو ذات متضخمة، أصبح لدينا وزير يفضل العمل بعيداً عن الأضواء، وبعد أن كان لدينا وزير يسعى إلى الهيمنة أصبح لدينا وزير يرحب بالمناقشة.

كان "جيتس" حاسماً في قضية الفشل الذريع لمركز "والتر ريد الطبي"، كما يتميز بالأمانة، وما زال يحظى بالثقة في العراق. ويوم الاثنين الماضي، وفي المنتدى العالمي لمستقبل الديمقراطية، الذي عقد في "كلية ويليام وماري" في فرجينيا ألقى "جيتس" كلمة يمكن أن ننظر إليها على أنها تعبر عن جوهر السياسة الخارجية الأميركية.

خلال تلك الكلمة استعرض السجال الدائر دوماً بين الواقعيين والمثاليين، وأشار إلى أن ذلك السجال بدأ أصلاً عقب تأسيس الجمهورية الأميركية مباشرة، عندما نظر "توماس جيفرسون" إلى الثورة الفرنسية على أنها تمثل نصراً، في حين كان "جون آدامز" يراها مجرد راديكالية طائشة.

بعد أن انتهى "جيتس" من كلمته سألته عن أفضل الطرق التي يمكن بها نشر الديمقراطية فقال لي: "لدينا تشكيلة من الأدوات في هذا الخصوص وليست كلها مطارق. ورونالد ريجان كان هو الرئيس الذي استخدم عدداً منها أكثر من غيره. فقد استخدم اللغة القوية بشكل عام، مع إظهار القوة الخشنة في بعض الأحيان".

وأضاف "جيتس": لا أعتقد أننا قد غزونا العراق من أجل تحقيق الحرية، ولكننا فعلنا ذلك لإطاحة نظام غير مستقر، ولأن نظام العقوبات الذي كنا نطبقه ضد ذلك النظام كان قد أوشك على الانهيار حينها، أما الديمقراطية فهي المنتج الفرعي الذي حصلنا عليه جراء ذلك. وعندما سألته عما إذا كان يعتقد أن غزو العراق فكرة صائبة أم لا؟

نظر إليَّ الرجل طويلاً قبل أن يجيب: "لا أعرف"... وعندما سألته عما إذا كان من الصواب تشجيع الانتخابات في الأراضي الفلسطينية لم يجب على السؤال بشكل مباشر وإنما قال لي: "في الكثير من الحالات تتم المساواة بين الانتخابات وبين الديمقراطية والحرية" وفيما يتعلق بسؤالي عن الكيفية التي يمكن بها تعزيز وضع الحرية في إيران، مع الاهتمام في نفس الوقت بالتهديدات الأمنية التي يمثلها نظام تلك الدولة.

أكد الرجل على أهمية استخدام القوة الناعمة، وتذكير الشعب الإيراني بأوجه الاختلاف بين ما يقدمه له نظامه من وعود، وبين ما يتحقق من هذه الوعود على أرض الواقع. وأما عن الأوضاع في الشرق الأوسط فقال "جيتس" إن الأوضاع في هذه المنطقة غير مقبولة، وإن الشيء الذي يؤسف له هو أن الانتخابات الحرة المبكرة في عدد من بلدان هذه المنطقة قد أسفرت عن فوز المتطرفين.

وخلال حديثي معه كان "جيتس" يعود من وقت لآخر للحديث عن أهمية القوة الناعمة، وقد قال لي في سياق ذلك: "إن الولايات المتحدة قد ارتكبت العديد من الأخطاء في نهاية الحرب الباردة ومن أبرزها تقليص عمل وكالة التنمية الدولية، وتفكيك وكالة المعلومات للولايات المتحدة".

وعندما توجهت إليه بسؤال مباشر عما إذا كان يعتقد أنه كان من الخطأ تكليف البنتاجون بمهمة إعادة البناء بعد الحرب في العراق بدلاً من وزارة الخارجية، ظل يفكر لبعض الوقت، وفي النهاية لم يقل لي شيئاً ولم يجب على السؤال.

عندما كان بوش على وشك مقابلة "جيتس" لتعيينه كوزير للدفاع قال لمعاونيه إنه يريد أن يتأكد من أنه - جيتس - لن يكون "سكوكروفت" آخر، أي لن يكون رجلاً واقعياً صلباً. ويقول بوش إنه لم يقم بتعيينه في المنصب إلا بعد أن تأكد من أنه ليس كذلك بالفعل.

وعندما تطرقنا للنقطة الخاصة بالمستوى الحالي للقوات في العراق قال "جيتس" إنه كانت هناك اختلافات خطيرة بين الجنرالات حول مستويات القوات في العراق، قبل تدمير مرقدي الإمامين في سامراء في فبراير 2006، فإن هذا الأمر لم يعد قائماً الآن.. وإنه بعد أن تولى منصبه أجرى عدداً من المراجعات للأوضاع في العراق، وتوصل لاتفاق مع الجنرال بيترايوس في النهاية حول المستوى الحالي للقوات.

ويمكن القول إن "جيتس" على المدى الطويل يمثل تحولاً في مركز الثقل للسياسة الخارجية، أما على المدى القصير فإنه، وباستعمال العبارة التي استعارها هو من المؤرخ جوزيف إيليس، مجرد رجل "يحاول تدبير أموره وهو واقف على حافة الهاوية".

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-20-9-2007