الأزمة الإيرانية.. والحروب الآيديولوجية الجديدة

 

السيد ولد أباه

 

 

أطلق وزير الخارجية الفرنسي الجديد الكلمة التي لوحت بها الولايات المتحدة عدة مرات خلال السنة الجارية، وهي كلمة «الحرب» التي طالب برنار كوشنير العالم بالاستعداد لها، خيارا لوقف برنامج ايران النووي.

وعلى الرغم من ان تصريح كوشنير كان مفاجأة بالنسبة للذين ألفوا السياسة الخارجية الفرنسية خلال العقدين الأخيرين، إلا أنه لم يكن نشازا في الواقع، بل يعكس تحولا نوعيا في الرؤية الاستراتيجية الفرنسية في عهد نيكولا ساركوزي. والمفارقة الجلية هنا ان ساركوزي الذي كان احد ركائز الحقبة الشيراكية يسعى بوضوح لا لبس فيه لتكريس قطيعة جذرية مع هذه الحقبة، في الملفات الداخلية والخارجية الرئيسية. بل يمكن القول إن ساركوزي يطمح الى تغيير قواعد وثوابت الفلسفة الدبلوماسية الفرنسية التي ارساها مؤسس الجمهورية الخامسة ومحرر فرنسا الجنرال ديغول، وحافظ عليها الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، وخليفته الديغولي شيراك.

فما أبعد فرنسا اليوم من خطاب وزير الخارجية الأسبق الشاعر الخطيب دومينيك دو فلبان في قاعة مجلس الأمن عام 2003 الذي ألهب فيه المشاعر بالتخويف من الحرب المرتقبة على العراق، وذهب فيه الى المواجهة الصريحة مع الإدارة الأميركية التي دقت طبول الحريق، وكان يومها يتحدث بضمير «أوروبا القديمة» بقيمها الأنوارية ومثلها السلمية المستندة لمرجعية القانون الدولي ومؤسساته.

تلك فرنسا الأمس، أما اليوم فإنها تطل بوجه جديد غير مألوف، تؤدي فيه دورا مغايرا في الساحة الدولية، في سياق تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، أقرب الى الدور الذي لعبته حكومة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في حرب العراق الأخيرة. حمل خطاب ساركوزي في حفل توليه الحكم هذا التحول الاستراتيجي، عندما حدد في أولويات سياسته الخارجية الوقوف بكل الوسائل ضد «القنبلة النووية الإيرانية» من دون أن يضع هذا الهدف في سياق ضوابط وآليات الشرعية الدولية، بل لمح في ثنايا خطابه الى الإطار المعياري الجديد للدبلوماسية الفرنسية الذي هو «فرض احترام حقوق الإنسان» و«الحفاظ على الأمن الإنساني المشترك». كما تحدث ساركوزي في مناسبة ثانية عن «الخطر الايراني» في خطابه المطول المعد بعناية أمام السفراء الفرنسيين في الخارج في الشهر المنصرم، مشيرا بوضوح الى احتمال الضربة العسكرية للحيلولة دون «القنبلة النووية الإيرانية».

ولا شك أن موضوع «التحدي الايراني» كان احد الأجندة الرئيسية في لقاء بوش ـ ساركوزي الأول الذي التأم قبل شهرين في أجواء عائلية حميمية، تكرس الروح الجديدة للعلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة التي لم تخل طيلة حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية من شوائب ومصاعب ناتجة عن تباين جذري في الرؤية الجيوسياسية وطبيعة الموقف من القضايا الدولية.

وإذا كان من الصحيح أن حكومة ساركوزي لم تغير نوعيا موقف فرنسا من الملف العراقي، وإن أظهرت حرصا جليا على مساعدة الولايات المتحدة في الخروج من المحنة العراقية، إلا أن البلدين تبنيا منذ الأيام الأولى للعهد الفرنسي الجديد، خطا تنسيقيا مشتركا في القضايا الشرق أوسطية، خصوصا في الملفين الرئيسيين اللبناني والفلسطيني وليست مبادرة «مؤتمر السلام في الشرق الأوسط» المرتقب قريبا سوى الحصيلة الفعلية لهذا التوجه.

فساركوزي يفاخر بأنه أول رئيس فرنسي تعتبره إسرائيل «صديقا لها» وقد صوتت له أغلبية مطلقة من الإسرائيليين ذوي الجنسية الفرنسية (مزدوجي الجنسية)، الذين كانت أصواتهم تذهب تقليديا للاشتراكيين، في الوقت الذي يعتقد فيه أن بإمكانه توظيف خصوصية العلاقات الفرنسية ـ العربية التقليدية في لعب دور فاعل في تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي بالتنسيق مع الإدارة الأميركية.

ويحرص ساركوزي بوضوح وفق هذا التوجه الاستراتيجي الجديد الى خروج فرنسا من الدائرة الضيقة التي حددتها لها اللعبة الدولية في المنطقة: وسيط اللحظة الأخيرة الذي يناط به المساعدة في امتصاص صدمات الأزمات الإقليمية باستثمار خصوصية العلاقة مع الزعامات العربية.

أما السياسة الشرق أوسطية الفرنسية الجديدة فتقوم وفق مدخلين هما من جهة السعي لتوطيد الشراكة الأوروبية ـ الأميركية شرطا للإجماع الفاعل في القضايا الدولية، ومن جهة أخرى إعادة بناء الرؤية الاستراتيجية الفرنسية على معايير قيمية بديلة تتجاوز قيود التشريعات الدولية.

ومن الواضح أن اختيار الوجه الاشتراكي المعروف، كوشنير، وزيرا للخارجية ليس مرده مجرد الانفتاح على صفوف اليسار، وإنما يترجم هذا التوجه الاستراتيجي الجديد، باعتبار الرجل هو أول من صاغ فكرة التدخل الإنساني للدفاع عن الشعوب المضطهدة أو الأقليات المهددة أو لمواجهة المخاطر الكونية التي تخرج عن النطاق الوطني المحلي الضيق. ولقد اشتهر كوشنير بهذا الموقف خلال حروب البلقان، كما كان من مؤيدي الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وشذ داخل حزبه بالوقوف مع الولايات المتحدة في احتلالها للعراق.

ولسنا نحتاج للتنبيه الى أن هذه الرؤية تتقاطع مع أدبيات المحافظين الجدد الأمريكان (أغلبهم من خلفيات يسارية سابقة)، وإن كانت الأرضية الفكرية مغايرة، فحق التدخل الإنساني، كما بلوره كوشنير في بعض كتاباته المنشورة، يشكل امتدادا للمرجعية المعيارية لحقوق الإنسان وتجسيدا للروابط الكونية، التي أفرزتها حركية العولمة، مما يقتضي بالنسبة له مراجعة المنظومة القانونية الدولية للتلاؤم مع عصر ما بعد الدولة الوطنية.

أما مفهوم «الحرب الاستباقية» الذي بلوره المحافظون الجدد فينطلق من حوار أميركي داخلي، ويطرح أولوية الحفاظ على المصالح العليا الأميركية على المدونة التشريعية الدولية التي صممت في مرحلة حكمتها توازنات الحرب الباردة، في الوقت الذي لا يمكن ضمان السلم العالمي اليوم إلا بالتفوق الأميركي. صحيح أن الخلفيتين متباينتان فكريا وآيديولوجيا، لكنهما التقتا اليوم في إدارة أخطر الأزمات الدولية القائمة. وكما علمتنا حركة التاريخ فإن مآسي العالم عادة ما تنتج عن الجموح الآيديولوجي الذي يتنكر لحكمة الواقعية وإن بدت ذليلة عاجزة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-21-9-2007