كربلاء  حملة السلاح.. ودعاة اللاعنف

 

جميل عودة

 

 

يقول الإمام الشيرازي في إحدى المسائل الفقهية: (يحرّم الإسلام الغدر والاغتيال والإرعاب وكل ما يسمى اليوم بالعنف والإرهاب، فإنه لا عنف في الإسلام، ولا يجوز أي نوع من أعمال العنف والإرهاب الذي يوجب إيذاء الناس وإرعابهم، والغدر بهم وبحياتهم، أو يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين).

 وإذا كان الإسلام دين السلام والمحبة، ويحرم أعمال العنف أيا كان نوعها ومصدرها، فهل تخلى أهل الإسلام في العراق عن دينهم وانقلبوا على أعقابهم، أم بات الإرعاب عمودا للدين؟ وهل ما جري في كربلاء  بالقرب من أضرحة الأئمة (ع) وما يجري اليوم من اقتتال واغتيال واعتقال عشوائي على نظرية "واحد من كل بيت" هو ظاهرة أمنية استثنائية أم هو مؤشر سلبي على انحراف القيم؟.

مدينة كربلاء تطرح نظريتين:

- الأولى: ترى أن الأوضاع الأمنية في العراق، وكربلاء بالخصوص لا تستقر على حال معين، سيما وأن كربلاء تزخر بالزوار والوافدين من كل حدب وصوب في المناسبات الدينية والحسينية، كما أن هناك من العلماء التكفيريين من خارج الحدود من أفتى بوجوب هدم المراقد الشيعية، سيما في كربلاء التي ضمت أضرحة الحسين والعباس (ع) وأبنائهما وأحفادهم وخيرة الصحابة الإجلاء. ناهيك أن جانبا كبيرا من حدود محافظة كربلاء متلاصق مع محافظة الانبار ومن المتوقع أن يقوم إرهابيون من هناك بالتسلل إلى كربلاء والقيام بأعمال من شأنها أن تزعزع الأمن والاستقرار في المحافظة.

والمعالجات التي يطرحها أنصار هذه النظرية هي المزيد من السلاح والمزيد من الرصاص، ومزيد من التأهب والاستعداد لمواجهة أي طارئ أو عمل تخريبي. ولما لم يكن الإرهابيون أو (الخارجون على القانون) يستهدفون شخصا بعينه أو مكتب بعينه أو تجمع بعينه، فعلى الجميع أن يتسلح بالسلاح ويستعدوا للمواجه في كل مكان وفي أي وقت.

وقد ترتب على ذلك أن اصبح في كل بيت أكثر من سلاح، بل عند الفرد الواحد أكثر من سلاح شخصي يحمي به نفسه من الخطر  المتوقع، وأضحى للمقرات الحزبية ولمكاتب العلماء والحوزات أفراد مدنيون يحملون السلاح علانية ويمارسون مسؤولياتهم الأمنية التي تتعدى حماية مكاتبهم ومقرراتهم ولهم سلطات عرفية أكثر من رجال الشرطة والحرس الوطني؛ والملفت للنظر حتى المنظمات غير الحكومية التي هي مؤسسات مدنية لها أفراد يقفون على أبوابها متدججين بالسلاح والذخيرة.

وكان من الطبيعي في ظل نظرية (السلاح يصنع السلام) أن يكون هناك اقتتال شخصاني بين الأفراد الذين يحملون السلاح، ليس بين الجيران المسلحين وحسب بل بين الاخوة في البيت الواحد وأبناء العمومة والأصدقاء، ومناوشات واشتباكات بين أنصار الحزب الفلاني وآخرين من اتباع المكتب الفلاني. وليس أدل على ذلك تلك المجاميع المسلحة التي ظهرت فجأة وهي تحمل أحدث أنواع الأسلحة وأثقلها متوجهة إلى ساحة المعركة وللآسف ساحة المعركة هذه المرة هي ضريح الأمام الحسين عليه السلام وفي مناسبة سعيدة هي ميلاد المنقذ عجل الله تعالى فرجة! فأي عاقبة؟     

- والثانية: وهي النظرية التي ترى أن (السلام يصنع السلام) وأن العنف يولد العنف والدماء تنادي الدماء، وأن انتشار المليشيات المسلحة واستقدام الأسلحة المتطورة في البيوتات، لا يعطي انطباعا إيجابيا، ولا يدل على وجود إدراك حقيقي لدى المسلحين حول المخاطر المحتملة لاستخدام السلاح. بل يؤكد فقدان الأمن الشخصي والعائلي ويعكس قلقا شخصيا يلقي بظلاله على الاستقرار الأمن الجماعي. فما بالك إذا ما توسعت الجماعات المسلحة في المناطق لتستعرض وجودها علانية، وتؤكد أصالة السلاح على أصالة السلام واللاعنف الاجتماعي، وتتحدى السلطة؟.

ويرى أنصار هذه الرأي أن وجود المظاهر المسلحة في أي بلد، يتناقض مع مبادئ السلام، وهي مصدر تهديد دائم لأمن واستقرار البلد، ووجودها دليل الانفلات الأمني وعلامة الفوضى وضعف الأجهزة الأمنية والحكومية، كما أنها إشارة واضحة إلى البطالة والتسيب التعليمي، الذي يجعل من الشباب أداة بيد المتطرفين. كما السلاح المنفلت بيد الناس يعرض المواطن للإرهاب والقلق الدائم، كما أنه يعرقل عمل مؤسسات الحكومة، ويسلب من مؤسسات المجتمع المدني كل الفرص المتاحة والمتوقعة لبناء البلد على الأسس الدستورية والقانونية المدنية.

ومن هنا يجب تحييد القوة المسلحة واللجوء إلى قوة من نوع آخر وهي قوة الشعب وقوة الحقيقة وقوة المحبة، وهذه القوى لا تهزم حتى أمام اعتى الجيوش لأنها ببساطة تقوم باصابة القوة المادية بالشلل بقوة أعظم هي قوة روحية وأخلاقية.

ولكن، هل يستطيع أن ينتصر دعاة اللاعنف على أنصار العنف والسلاح في كربلاء؟

يرى من يقول بمدرسة اللاعنف في كربلاء  بأنه لا شك بأن اللاعنف سلاح صعب لأنه يقوم بالأساس على ضبط النفس أمام العنف والظلم واتخاذ الوسائل السلمية للمقاومة كاستراتيجية مبدئية انطلاقاً من الإيمان بعدالة القضية التي يناضل المرء من أجلها، ولقد جربنا كل الوسائل منذ أكثر من قرن وانتظرنا طويلاً فلماذا لا نجرب الآن هذه الوسيلة (أي وسيلة اللاعنف) عالمين وواثقين بأنه إن لم تنفع عاجلاً في تحقيق الأهداف فإنها لا بد من انتصارها آجلاً، كما أننا إن لم نحقق كل الأهداف النهائية دفعة واحدة فسنأخذ بالقليل ونطالب بالكثير علماً بأننا إن لم نربح كل شيء فإننا لن نخسر شيء، لن نخسر كرامتنا، ولن ندمر بيوتنا، ولن نسفك دماءنا ولن نفقد إنسانيتنا لا بل نرفع رأسنا ونسترجع إنسانيتنا ونعيد لعدونا إنسانيته ونرجعه إلى رشده.

.. ولأجل ترسيخ هذه القاعدة فأننا بحاجة إلى القيام ببعض الإجراءات: 

- إن بذور السلام موجودة في كل النفوس وهي بحاجة إلى تنمية وحماية ورعاية من أجل تبني النهج السلمي في التعامل مع الآخرين. علينا أن نعمل تدريباً فكريا للشعب ابتداء من القاعدة صعوداً إلى القمة انطلاقاً بالصغار وصولاً إلى الكبار بحيث يصبح هذا التفكير نهج حياة ويتخذ هذه الطريق كخيار استراتيجي جذري وحيد للتعامل مع بعضنا البعض وفي تعاملنا مع الآخرين.

- علينا أن نعطي مجالا واسعا للرجالات غير العنفية في كربلاء وغيرها، ونعرف بها على مستويات إعلامية واسعة، لاجل إيجاد القدوات الواقعية التي تتحرك على الأرض فتأثر في الآخرين، وتزرع من نفوسهم حب السلام ونبذ العنف.

- أن نجد حلولا عاجلة للأسباب والدوافع التي يمكن أن تلجا الأفراد إلى اتباع أسلوب العنف والاقتتال، مثل توفير فرص العمل أو تشجيعه على الزواج وبناء وتكوين أسرة وتحميله المسؤولية الاجتماعية.

- أن نعلن ونشجع أن كربلاء حرم آمن ومنطقة منزوعة السلاح، حتى لرجال الشرطة والأمن ويمكن في المستقبل القريب أن يكتفي رجل الأمن وعلى شكل مراحل بعصا تعينه في حالات الطوارئ.      

 إن شعار المسلم في كل مناسبة (السلام) فهو حينما يلاقي أخاه يقول: (السلام عليكم))، وحينما يريد الفراغ من الصلاة يقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى بعاد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ويقول القرآن الكريم -تعليماً للمسلم- على لسان عيسى المسيح (عليه السلام) : ((السلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)) (مريم -33) .

ويضيف السيد الشيرازي: (الإسلام يريد السلام لكل الناس، قريباً أو بعيداً، صديقاً أو عدواً ظالماً أو مظلوماً) فهل من متعض؟

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث