الاعتراف بالخطأ... إصلاحاً لكارثة العراق!

 

 

مادلين أولبرايت

 

 

السؤال البديهي والمبدئي قبل الشروع في أي حرب هو: ما الشيء الذي نحارب من أجله؟ وفي رأيي أن جنودنا على وجه الخصوص، يستحقون جواباً مقنعاً على هذا السؤال.

في العراق شملت قائمة المهام التي تمت تجربتها، ولم تكن ملائمة، ما يلي: الحماية من أسلحة الدمار الشامل، خلق ديمقراطية نموذجية تكون نبراساً للعالم العربي، معاقبة المسؤولين عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والعمل على منع الإرهابيين من شن هجوم جديد على الأراضي الأميركية.

قد يحاول أحد المتشككين أن يوحي بأن المهمة الحقيقية للجيش الأميركي في العراق، هي تمكين الرئيس بوش من الاستمرار في إنكار أن ذلك الغزو قد تطور بالفعل إلى كارثة. وقد يحدد ناقد آخر أقل تشككاً في نوايا الإدارة، ثلاثة أهداف وراء إقدام أميركا على الغزو هي : الحيلولة دون تحول العراق إلى ملاذٍ آمن لـ"القاعدة"، أو تحوله لدولة عميلة لإيران، أو تحوله لشرارة يمكن أن تشعل نار حرب تمتد لمختلف أنحاء المنطقة وهذه الأهداف، لو نظرنا إليها جيداً، سنجد أنها لا تستجيب للمخاطر التي دفعت أميركا إلى غزو العراق، لكنها تستجيب أكثر للمخاطر التي ترتبت على هذا الغزو في حد ذاته.

إن الرئيس يحثنا أن نصر على النجاح وعلى تجنب الفشل، لكنه مطالب أن يشرح لنا قبل ذلك الكيفية التي يمكن بها لقواتنا المسلحة أن تحقق النجاح في العراق رغم تعقيداته السياسية، وأن يشرح لنا أيضاً الأسباب التي جعلت إدارته تفتقر إلى المصداقية.

إن هذا الانفصال بين المهمة وبين القدرات، يجب أن يكون هو جوهر المناقشة التي ستدور بعد تسليم الجنرال "ديفيد بيترايوس" والسفير "رايان كروكر" لتقريرهما حول وضع قواتنا في العراق، وبعد قيام زعماء الكونجرس بإعداد استراتجياتهم لفصل الخريف القادم.

ورغم الآمال التي تراود البعض بشأن انتهاء الحرب في العراق، فالحقيقة هي أنه من غير المرجح لتلك الحرب أن تنتهي خلال وقت قريب، كما أنه من غير المرجح أيضاً أن تؤدي تطوراتها إلى توفير دعم جديد للمسار التعس الذي نتخذه حالياً.

ورغم أن الأمر المؤكد هو أن مستويات القوات الأميركية سوف تبدأ في الانخفاض، فمن المؤكد أيضاً القرارات الكبرى المتعلقة بالانسحاب وظروفه، ستبقى معلقة حتى يتولى الرئيس القادم (أو الرئيسة) مقاليد الحكم.

وحسب تقدير الاستخبارات الوطنية الذي نشر الشهر الماضي، فإن المكاسب العسكرية المتواضعة التي تحققت في العراق بعد جهد جهيد، لن تعني شيئاً ذا بال طالما لم يحدث "تغيير في العوامل التي تدفع التطورات السياسية والأمنية في العراق".

وإذا ما أخذنا عمق الانقسامات الطائفية في العراق بعين الاعتبار، فسيمكننا القول إن مثل هذا التغيير لن يتم إلا بواسطة العراقيين أنفسهم. فذلك التغيير - ونتيجة لافتقارنا إلى القوة الرافعة الضرورية - لن يتحقق عن طريق دورياتنا العسكرية، ولا عن طريق معايير التقدم التي نستخدمها لقياس أداء الحكومة العراقية، ولا عن طريق الخطب أو الزيارات الرئاسية المفاجئة إلى محافظة الأنبار، وإنما عن طريق جهد دولي منسق سيكون بالنسبة لنا هو الخيار الوحيد المتاح.

إن منطقة البلقان تنعم بالسلام الآن بفضل الجهود المشتركة التي بذلتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة من أجل مساعدة الزعماء المعتدلين في تلك المنطقة على حل خلافاتهم.

ويدفعني هذا للقول إن سياستنا في العراق كان يجب ومنذ البداية أن تتضمن استراتيجية مثل هذه، أي استراتيجية تقوم على مساعدة المعتدلين داخل العراق، لكننا للأسف لم نقم بذلك أبداً بشكل جدي.

والسؤال الآن: هل لا تزال مبادرة مثل هذه صالحة في الظروف الحالية؟ لقد تعهدت الأمم المتحدة بالانغماس بشكل أكبر في الشأن العراقي، فضلاً عن أن الزعماء الأوروبيين الجدد الذين يقودهم "نيكولا ساركوزي"، و"أنجيلا ميركل" و"جوردون براون"، يدركون الدور الذي يمكن أن تلعبه دولهم في مستقبل العراق كما تتوافر لديهم الرغبة والاستعداد لتقديم يد العون من أجل ذلك المستقبل.

من ناحية أخرى ينظر السعوديون والأردنيون والسوريون إلى عدم استقرار العراق كتهديد أمني خطير بالنسبة لهم ... أما الأتراك والأكراد فقد وقّعوا اتفاقية للتعاون على امتداد حدودهم المضطربة... أما إيران فإنها وإن كانت تمثل أشرس تحدٍّ يواجهنا، فإن الأمر المرجح هو أنها ستكون حريصة على عدم عزل نفسها عن الجهد الدولي الواسع النطاق الهادف إلى تسوية الوضع في العراق، إذ هي تعرف جيداً أنها إذا ما فعلت ذلك فستهدي لنا، كما للعديد من الزعماء العراقيين من السُّنة والشيعة الراغبين في تقليص نفوذها في بلدهم، نصراً سياسياً لا شك فيه.

ويمكن للرئيس بوش أن يقوم بدوره في هذا الصدد من خلال الاعتراف بالحقيقة التي يعرفها العالم بأسره، وهي أن معظم الانتقادات التي وجهت له قبل الحرب كانت في محلها تماماً.

فمثل هذا الاعتراف سيكون هو بالضبط نوع الصدمة التي سيحتاجها أي مشروع دبلوماسي كي ينطلق، لأنه سيجعل من الأسهل على الزعماء الأوروبيين والعرب في مثل هذه الحال أن يقدموا يد العون له، لأن شعوبهم كانت ترفض أن يفعلوا ذلك مع رئيس يصر على أنه مصيب وأنهم على خطأ.

إذا ما كانت هناك فرصة لتجنب تفاقم الكارثة في العراق، فإن تلك الفرصة ستعتمد في توافرها على التحول النفسي الذي سيتيح للشعب البدء في الاستعداد للتنافس على السلطة من خلال وسائل سلمية، بدلاً من الاكتفاء بالتخطيط فقط للكيفية التي سيتمكن بها من النجاة وسط الفوضى الشاملة الضاربة أطنابها في العراق. إن المجتمع الدولي لا يمكن أن يضمن مثل هذا التحول، لكننا نستطيع ذلك، ويجب علينا بالتالي أن نفعل المزيد من أجل التشجيع على حدوثه.

*وزيرة الخارجية الأميركية في الفترة بين 1997 و2001

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"