التحديات العالمية تحتاج لإعادة نظر.....الجانب المنسي من الحرب ضد الإرهاب

 

 

  

فيدل فالديز راموس 

 

رئيس الفلبين الأسبق، ويشغل حالياً منصب رئيس مؤسسة راموس للسلام والتنمية ومنتدى "بواو" لآسيا.

لا بد أن نعمل في سبيل تكثيف الجهود الرامية إلى تقليص الفقر العالمي الذي يعتبر أرضاً خصبة للاستياء والحقد ويتحول إلى أداة فعالة لإنتاج العنف والمفجرين الانتحاريين،أثناء العقد الماضي ـ وبصورة خاصة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة ـ أصبح أهل الغرب بصفة عامة ينظرون إلى الإرهاب الدولي باعتباره التهديد الأكثر خطورة في مواجهة الأمن البشري.

ونتيجة لهذا فقد بادر العالم الغربي إلى تعبئة وإنفاق قدر هائل من الموارد من أجل مقاومة الأشكال العديدة للإرهاب،ولكن مما يدعو للأسف أن غزو أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة، وما أعقبه من غزو بدون تفويض من الأمم المتحدة للعراق، يؤكد على هيمنة الحلول العسكرية على الفكر الإستراتيجي للدول التي تنعم بوفرة من الثراء. وفي ذات الوقت، تظل الدول النامية تصارع الفقر المدقع، والأمراض المستوطنة، وسوء التغذية، والدمار البيئي، والتفاوت في الدخل، ولقد أدى كل ذلك إلى درجة من المعاناة الإنسانية التي تفوق كل ما تحدثه الهجمات الإرهابية من معاناة،وعلى هذا فنحن نحتاج إلى إعادة النظر في التحديات العالمية التي تواجهنا اليوم من وجهة نظر العالم الثالث. ومن بين الدروس العميقة التي أصبحنا ندركها الآن من الهجمات الإرهابية وحركات التمرد، هو أنه لا توجد دولة واحدة، مهما كانت الدرجة التي تتمتع بها من الاكتفاء الذاتي، تستطيع أن تتعامل مع ما يحدث للدول الأخرى بإهمال وغفلة، فلا تبالي إذا ما هلكت تلك الدول أو كتبت لها النجاة،وفي القسم الأعظم من العالم النامي، فإن تلك الحالة من انعدام الاستقرار في العلاقات الدولية ـ نتيجة للضربات الإرهابية، وحرب العصابات، والحروب الوقائية التي تهدد بها أمريكا أعداءها ـ تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات الاقتصادية الاجتماعية وتغذية الشكوك بشأن الفوائد الناجمة عن العولمة. ومن المؤكد أننا قد بدأنا جميعاً ندرك كم المخاطر التي تحيط بهذه العملية ـ ومدى السهولة التي قد ترتد بها آليات السوق بفعل الاستياء الثقافي الناجم عن الاستغلال الاقتصادي، والاضطهاد السياسي، والظلم الاجتماعي.

وطبقاً للتقديرات فإن متوسط دخل الفرد في الدول الصناعية الغنية يبلغ 74 ضعف نظيره في أفقر دول العالم. واليوم ما زال ربع سكان العالم يعيشون على ما يعادل أقل من دولار أمريكي واحد يومياً، ويؤكد البنك الدولي أن قدرة الإنفاق اليومية لـدى 1.2 مليار نسمة لا تتجاوز ثمن شطيرة من لحم البقر، أو مشروبين غازيين، أو ثلاث قطع من الحلوى في الغرب. وطبقاً لتقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة فإن 815 مليون نسمة، بما في ذلك 200 مليون طفل تحت سن الخامسة، يذهبون إلى فراشهم كل ليلة والجوع يقرصهم،من الواضح أننا لابد وأن نعمل في سبيل تكثيف الجهود الرامية إلى تقليص الفقر العالمي، الذي يعمل بمثابة أرض خصبة للاستياء والحقد واليأس، فيتحول بالتالي إلى أداة فعالة لإنتاج العنف والمفجرين الانتحاريين،والحقيقة أن اتفاق دول مجموعة الثماني في العام الماضي على إلغاء ديون 18 من الدول الأكثر فقراً ـ منها 16 في أفريقيا واثنتان في أمريكا اللاتينية ـ كان بمثابة بداية رائعة لكنها ليست كافية. ذلك أن الدول المائة الأكثر تحملاً للديون ما زالت تجد صعوبة متزايدة في تحمل الأعباء المترتبة على خدمة ديونها التي تبلغ في الإجمال حوالي 2.3 تريليون دولار أمريكي، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على تمويل البرامج الوطنية المنبثقة عن برنامج أهداف تنمية الألفية التابع للأمم المتحدة، والذي يرمي إلى تقليص الفقر العالمي إلى النصف بحلول عام  2015 و إذا كان لنا أن ننجح في تقريب الفجوة العالمية فيما يتعلق بالأمان الشخصي والرفاهية الاقتصادية، فيتعين على المجتمع الدولي أن يحرص على تربية روح جديدة من الحس المتبادل بتحمل المسئولية. وكانت حكومة الفلبين قد اقترحت تعليق سداد نصف أقساط الديون المجدولة لفترة محددة من الوقت، بحيث يتم استثمارها في إعادة زراعة الغابات، وتوفير مياه الشرب النظيفة، والإسكان والإنتاج الغذائي، والرعاية الصحية الأساسية، والصرف الصحي، والتعليم الأساسي، وإنشاء الطرق من المزارع إلى الأسواق، وترسيخ السياحة البيئية السليمة، وتمويل المشاريع الصغيرة، والمشاريع المتصلة بأهداف تنمية الألفية. أما بالنسبة للجهات المقرضة فمن الممكن تحويل الديون، كلما سنح ذلك، إلى أسهم عادية في مشاريع تنمية الألفية التي تعد بتحقيق أرباح، مع العمل على بناء قدرة الدول الفقيرة على الاعتماد على الذات،لكن تحقيق الاعتماد على الذات سوف يكون مستحيلاً ما دامت الدول الغنية تحبذ الأسواق الحرة والتجارة الحرة حين يوافق ذلك هواها فحسب. حتـى أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قد حذر من أن موجة العولمة المنطلقة بلا حدود قد لا ترتفع معها كافة القوارب، ولكن اليخوت فقط ـ بينما تتسبب في انقلاب العديد من قوارب الكانو الصغيرة.

من بين أمثلة الظلم الفادح في هذا الشأن كان فشل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الوفاء بالوعود التي قطعاها فيما يتصل بقدرة الصادرات الزراعية القادمة من الدول الفقيرة على الوصول إلى أسواقهما. وطبقاً للحسابات الشهيرة التي كان بيمال غوش المدير الأسبق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أجراها، فإن الإعانة المالية اليومية المقدمة عن كل بقرة في الاتحاد الأوروبي ـ والتي تبلغ حالياً 2.5 يورو ـ تتجاوز الدخل اليومي للملايين من الفقراء في كل أنحاء العالم. وتؤكد الدول الفقيرة أن التحرير التجاري على نحو أوسع نطاقاً في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان فقط من شأنه أن يعود بفوائد تتجاوز 142 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2015

لا ينبغي أن تقتصر أهداف دول مجموعة الثماني والتحالف العالمي الذي تقوده أمريكا على إلحاق الهزيمة بالإرهاب فحسب. بل لابد وأن تتعامل تلك الأهداف مع كافة جوانب الأمن الإنساني، بما في ذلك رفاهية الناس وسلامتهم داخل بيوتهم وأماكن عملهم. ولابد من السعي إلى اكتساب ولاء الناس من خلال القيم والمثل ـ ليس من خلال عزل الإرهابيين والمتطرفين فحسب، بل وأيضاً بمساعدة الدول الفقيرة على تحقيق الرخاء والازدهار،وفي المقام الأول، يتعين على من يتولون قيادة العالم اليوم أن يعملوا على تأسيس نظام عالمي جديد تشارك فيه كافة شعوب العالم ـ فتحقق من خلاله احترامها لذاتها وتضمن مشاركتها النزيهة،

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: ICAWS-2-2-2006