مرشحو الرئاسة الأمريكية... و"العالم الخارجي"!

 

 

آن أبلباوم

 

 

شأنها شأن طريقة حلاقة شعر المرشح الرئاسي "الديمقراطي" جون إدواردز، أو قفزات وتراجعات زميله جون كيري عما يعلنه من سياسات، فقد أصبحت تصريحات المرشح "الديمقراطي" البارز "باراك أوباما" المتكررة عن سياساته الخارجية، مثار سخرية وضحك مستمرين هي الأخرى، في إطار النكات المرتبطة بالحملة الانتخابية الرئاسية الجارية حالياً.

لكن بالنظر إلى أن لـ"أوباما" منافسَين آخرَين من الحزب نفسه، لم تتجاوز عضوية أحدهما في مجلس الشيوخ سوى دورة واحدة، بينما لا تزيد مدة عمل الآخر على تجربة "أوباما" في المجلس نفسه سوى بأربع سنوات فحسب، فإن علينا أن نتريث قليلاً قبل أن نستغرق في الضحك عليه.

ومهما يكن فإن ما يثير رغبة القهقهة هذه هو الافتراض القائل بضرورة إلمام مرشحينا الرئاسيين بالحد الأدنى الضروري من المعرفة بدول العالم الخارجي، حتى يتأهلوا لتولي المنصب الرئاسي.

فهل هذا الافتراض صحيح من حيث المبدأ، أم أن محدودية الآفاق فيما يتعلق بالعالم الخارجي ظلت دائماً بمثابة "كعب أخيل" لمرشحي الرئاسة الأميركية؟

أو لنطرح السؤال نفسه على طريقة البرامج الليلية المتأخرة: هل يفترض في المرشح الرئاسي أن يعرف اسم رئيس دولة ما من الدول، كي يتأهل لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية؟

والحقيقة أن معرفة كهذه بدول العالم الخارجي، لم تصبح يوماً مسألة ذات بال يذكر بالنسبة لغالبية الناخبين الأميركيين. ومن أشهر الأمثلة المضحكة على جهل مرشحينا الرئاسيين ببقية دول العالم الخارجي، ما نسب إلى المرشح الرئاسي - حينها- جورج بوش من عدم قدرته على معرفة اسم الرئيس الباكستاني، واعتقاده بأن التصريف الإنجليزي لصفة اليونانيين هي Grecians!

كما لم يعرف عنه تجوال يذكر أو سفر إلى دول العالم الخارجي، قبل توليه المنصب الرئاسي. وعلى نقيض ذلك تماماً فقد كانت لبوش الأب خبرة كبيرة عن دول العالم الأخرى، بصفته مديراً سابقاً لوكالة "سي آي إيه"، وسفيراً سابقاً كذلك لبلاده في الصين لكن مع هذا فلم تكن هذه الخبرة عوناً له حين سعى لإعادة ترشيح نفسه للرئاسة في عام 1992.

ومن الشواهد الطريفة أيضاً أن المرة الأولى التي سمع فيها الرئيس الأسبق هاري ترومان، الذي تولى الرئاسة في أعقاب وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت، حيث كان يعمل نائباً له، بوجود توتر في العلاقات الأميركية- السوفيتية كان في عام 1954، الذي أصبح فيه رئيساً لأميركا.

ومع ذلك فلم تمضِ سوى بضعة أشهر فحسب، حتى خطا ترومان خطوته الواسعة نحو الإعلان عن الحرب الباردة مع السوفييت  وبالمقارنة أيضاً فقد تولى الرئيس الأسبق "ليندون جونسون" مسؤولية المكتب القومي لعدة سنوات، إلا أنه لم يتمكن من التعامل مع فيتنام، على رغم الخبرة الطويلة التي اكتسبها من خلال عمله السابق لمنصبه الرئاسي.

ولعل هذا هو ما يثير قلقي على مصير المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون، التي لن تكون صورتها بعد أن تتولى المنصب الرئاسي، هي الصورة نفسها التي كانت تبدو بها حين كانت تسافر إلى دول العالم الخارجي مع زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون، حيث كانت تعد كلماتها التي تلقيها بعناية فائقة بعد عودتها وتتلقى ترحيب الجمهور الأميركي وحماسه لها.

فالأمر لن يبقى على هذه الصورة البسيطة الزاهية عندما تتولى مسؤوليات المنصب الرئاسي نفسه. وهناك من المرشحين الرئاسيين الحاليين من تولى منصب حاكم إحدى الولايات الكبيرة، أو أصبح عمدة لإحدى كبريات المدن الأميركية، ونراه يتباهى الآن بأنه تمكن من صنع سياساته الخارجية "المصغرة" الخاصة على حد قوله.

ولعل من التجارب المفيدة في مضمار السياسات الخارجية وفي المعرفة بالعالم الخارجي، قدرة المرشح "جون ماكين" على الحديث في هذه القضايا، وعلى التعامل مع الجماهير الأجنبية.

وبالقدر نفسه، فإن في وسع المرشح "باراك أوباما" بأصوله الإفريقية، وفترة طفولته التي قضاها في إندونيسيا، أن يبدي حسن نوايا عالمية رافعة لحملته الانتخابية. والفارق الرئيسي بين "أوباما" وبقية رؤسائنا، هو كونه شاباً أسود وينتمي إلى خلفيات اجتماعية عرقية أكثر تعقيداً.

وكل هذه الصفات ستكسبه تأييداً شعبياً واسعاً في أماكن ودوائر انتخابية كثيرة، بصرف النظر عن معرفته أو عدم معرفته باسم رئيس هذه الدولة أو تلك، كما سرت عنه النكات الشعبية المرتبطة بالحملة الانتخابية الرئاسية. وهذا هو ما لا يدركه الكثيرون  ومثله مثل بقية رؤسائنا السابقين سيقدر له هو الآخر أن يعلم الكثير مما يجهله عن الدول الأجنبية عندما يدخل البيت الأبيض.

*كاتبة ومحللة سياسية أميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-8-2007