"جيل بوتين"... وتنامي موجة العداء لأميركا

 

 

سارة مانيلسون

ثيودور جوربار

 

 

بدأت خطابات وتصرفات فلاديمير بوتين النارية والعدوانية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها مؤخراً تدفع عدداً من المراقبين إلى التساؤل حول ما إن كانت حرب باردة جديدة قد اندلعت. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة - في نظرنا- هو ذاك المتعلق بمدى تأثير رسائل الرئيس الروسي على الداخل.

والواقع أن استطلاع الرأي الذي أنجزه لحسابنا "مركز ليفاندا التحليلي" وشمل 1802 روسي تتراوح أعمارهم ما بين 16 و29 عاماً، يوفر بعض الإيضاحات. وقد اخترنا التركيز على "جيل بوتين" هذا لأنه يشكل مستقبل روسيا السياسي والاقتصادي.

ففي الأيام التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، بدا من المعقول أن نأمل، بل ونتوقع، أن ينظر هذا الجيل، باعتباره المستفيد من الانتقال المفترض في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي إلى الرخاء الاقتصادي والحرية السياسية، إلى الولايات المتحدة باعتبارها صديقة لروسيا.

بيد أن استطلاع الرأي الذي أُنجز في أبريل ومايو المنصرمين وجد أن أغلبية الشباب الروسي ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها العدو الأول. ولئن كان خطاب بوتين هو المسؤول عن هذا التطور، فإن انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بسياسات الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب قد لعبت دوراً كذلك.

أصبح بوتين منذ بعض الوقت أكثر جهراً باتهامه للولايات المتحدة بالسعي إلى فرض أفكارها ومصالحها على بقية العالم، بل إنه ذهب إلى حد تشبيه السياسات الأميركية بسياسات "الرايخ الثالث" (ألمانيا من 1933 إلى 1945 في عهد أدولف هيتلر)؛ حيث أشار في مناسبات كثيرة إلى "أخطار" التأثير الخارجي، ملمحاً إلى أن روسيا باتت محاصَرة بالأعداء، وإلى أن بلدانا أجنبية تقوم بتمويل منظمات روسية للتدخل في شؤون روسيا الداخلية.

وإلى ذلك، يرفض بوتين بقوة أي انتقادات خارجية لفصول من ماضي روسيا السوفييتي أو لسياساتها الحالية من قبيل التضييق على وسائل الإعلام، والقمع في شمال القوقاز، ومحاكمة المعارضين للكريملن.

إلا أن الملاحَظ هو أن اعتبارات سياسية داخلية هي التي تحرك هذه الحملة؛ إذ طالما شكل خلق "أعداء" أجانب تكتيكاً يستعمل لصرف انتباه الناس عن قصور وعيوب حكومتهم، وحشد الدعم والتأييد للتدابير السلطوية، أو لكليهما.

اللافت أن هذه الأمور تجد صدى لها في أوساط الشباب الروسي. فقد وجدنا أن 80 في المئة منهم يتفقون على أن "الولايات المتحدة تسعى إلى فرض معاييرها ونمط حياتها على بقية العالم"؛ في حين أعرب 70 في المئة تقريبا منهم عن اختلافهم مع أن "الولايات المتحدة تقوم بأمور جيدة أكثر منها سيئة"؛ ووافق ثلاثة أرباعهم على أن "الولايات المتحدة إنما تمنح المساعدات من أجل التأثير على السياسات الداخلية للبلدان".

وعندما طُلب من المستجوَبين أن يختاروا من بين خمس كلمات الكلمة الأفضل - في رأيهم- لوصف الولايات المتحدة بعلاقاتها مع روسيا، اختار 64 في المئة منهم إما "عدو" أو "منافس".

وعندما طُرح عليهم السؤال نفسه بخصوص ستة بلدان أخرى، احتلت جورجيا، التي تشكل هدفا آخر لبوتين، المرتبة الثانية من حيث نسبة الذين اختاروا هذين المفردتين –غير أن النسبة لم تتعد مع ذلك 44 في المئة.

أما البلدان الأخرى، فكان احتمال أن يُنظر إليها باعتبارها عدوا أو منافسا أقل رغم أن بعضها يمثل تهديدا لا يقل خطرا، ما لم يكن يفوقه، ومن ذلك الصين (27 في المئة)، وإيران (21 في المئة)، وأوكرانيا (21 في المئة)، وألمانيا (13 في المئة)، وبلاروسيا (12 في المئة). والواقع أن لخطاب بوتين دورا في هذه الخلاصة إضافة إلى خلاصتين أخريين؛ تتمثل أولاهما في اتفاق 54 في المئة على أن ستالين "قام بأمور إيجابية أكثر منها سلبية"؛ في حين تتمثل الثانية في أن 63 في المئة من المستجوَبين يوافقون على أن انهيار الاتحاد السوفييتي شكل "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين".

إلى ذلك، وجدنا أن سياسات محاربة الإرهاب التي تتبناها إدارة بوش ساعدت الكريملن على تغذية وتأجيج هذه المشاعر العدائية تجاه الولايات المتحدة. فإذا كان منتقدو بعض السياسات الأميركية يشددون على أن الممارسات المنافية للقانون الدولي - مثل الاعتقال إلى ما لا نهاية والترحيل الاستثنائي - ساهمت في تراجع سمعة أميركا ونفوذها الأخلاقي في العالم - وهما عنصران أساسيان من عناصر القوة "الناعمة"- فإن بياناتنا تدعم ما ذهب إليه هؤلاء المنتقدون، إذ لوحظ ميل المستجوَبين إلى اعتقاد أن الولايات المتحدة تعذب المشتبه في صلتهم بالإرهاب (52 في المئة)، وترحلهم إلى بلدان تمارس التعذيب (44 في المئة)، وتعتقلهم بدون محاكمة أو تمثيل قانوني (46 في المئة).

بصفة عامة، أدان المستجوَبون هذه الممارسات (42 إلى 57 في المئة).

كما أظهر تحليل البيانات أن ما يُنظر إليه باعتباره انتهاكات أميركية لحقوق الإنسان يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمشاعر المعادية للولايات المتحدة؛ حيث لوحظ أن للشباب الروسي الذي يعتقد أن الولايات المتحدة تعذب أو تعتقل المشتبه فيهم بشكل غير قانوني آراء أكثر سلبية حول حكومة الولايات المتحدة مقارنة بغيرهم.

إن تركة جيل جديد من الروس ممن يحنُّون إلى الاتحاد السوفييتي، ولديهم آراء متفاوتة بخصوص ستالين، ومشاعر معادية للولايات المتحدة قد تعرض العلاقات الأميركية الروسية للخطر بعد رحيل بوتين بوقت طويل.

وبالتالي، فعلاوة على التصدي لموقف بوتين العدائي على المدى القريب، يتعين على الإدارة الأميركية الحالية والمقبلة أن تطور استراتيجيات على المدى الطويل لقلب منحى تزايد المشاعر المناوئة للولايات المتحدة في أوساط الشباب الروسي.

ولعل تعديل سياسات الولايات المتحدة بخصوص محاربة الإرهاب يشكل نقطة بداية جيدة؛ على أن يكون الهدف هو إصلاح صورة أميركا كما عبَّر عنها "أندري زاخاروف" الذي قال: "الواقع أننا لا نعتبر أميركا مثالية، ونرى أن فيها كثيراً من الأمور السيئة والمجنونة؛ غير أن أميركا قوة حيوية وعامل إيجابي في عالم تعمه الفوضى".

*مديرة "حقوق الإنسان ومبادرة الأمن" بمركز "الدراسات الدولية والاستراتيجية" في واشنطن

**أستاذ علم الاجتماع بجامعة "ويسكونسون" الأميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-23-8-2007