بعد فوز حماس ... توقعات في واشنطن بتغير شكل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

 

 

 

نتزان غولدبرغر

 

لم يتوقع أكثر المحللين الأمريكيين تشاؤما الفوز الكبير الذي حققته حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أجريت يوم 25 يناير ونتج عنها فوز الحركة ب 76 مقعدا، مقابل 43 مقعدا لحركة فتح، ومن المعلوم أن إجمالي عدد المجلس التشريعي الفلسطيني يبلغ 132، وذهبت المقاعد المتبقية ويبلغ عددها 13 مقعدا لأحزاب فلسطينية صغيرة.

وقد تنبأ اقتراع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية قبل الانتخابات  بفوز جناح منظمة فتح الذي يترأسه عباس بعدد يتراوح بين 60 و62 مقعداّ، والمستقلين بعشرة إلي اثنتي عشرة مقعداّ، وحماس بثمانية وخمسين مقعداّ، وكان الجميع يتوقع حدوث هذا السيناريو الذي يجد فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه مضطراّ إلي التنسيق مع حماس وما يتبعه هذا من ضرورة منح ممثلي حماس بعض الحقائب الوزارية. إلا أن مفاجأة نتائج الانتخابات غيرت هذه المعطيات ، وأصبح التساؤل يتمحور حول مصير مستقبل عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، بالإضافة إلى ضرورة التعامل مع  اثنين من المتغيرات لا يمكن التبوء بهما وهما: هل ستعدل حماس موقفها وتتخلى عن المقاومة المسلحة وتقبل بنزع سلاحها؟ وهل تتواءم إسرائيل والولايات المتحدة مع الوجه الجديد للسياسة الفلسطينية وتعود إلي مائدة المفاوضات، ولكن هذه المرة للتفاوض مع حكومة فلسطينية بقيادة حماس. ومازالت منظمة حماس وطبقا لميثاقها تدعو لتدمير إسرائيل وإيجاد دولة إسلامية بديلة عنها. وتتمتع حماس بقبول جماهيري فلسطيني وعربي ضخم بالرغم من تنفيذها لهجمات انتحارية ضد مدنيين  إسرائيليين ردا على قتل إسرائيل لمدنيين فلسطين في الوقت نفسه.

لا تعامل مع معتدلين بعد الآن

بعد مرور أكثر من عام على وفاة الرئيس ياسر عرفات وانتخاب محمود عباس خلفاّ له كرئيس للسلطة الفلسطينية وقعت أحداث محورية غيرت من شكل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. حيث وقع الرئيس الفلسطيني اتفاق وقف إطلاق النار مع الفصائل الفلسطينية ليضع بذلك حداّ للانتفاضة التي بدأت عام 2000. وقامت إسرائيل بانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة الغربية،  وأسس رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون حزب كاديما، كحزب وسط جديد  ثم أصيب بجلطة في المخ مما أضعف هذا الحزب الجديد، وبدأ عام 2006 بتفاؤل حذر حول التوصل إلي اتفاقية سلام، ووصل الآن للخوف من أن تكون الفرصة قد فاتت مع فوز حماس وازدياد التوقعات بعودة بنيامين نتانياهو زعيم حزب الليكود اليميني في إسرائيل ليقود الحكومةالإسرائيلية القادمة بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في نهاية شهر مارس القادم.

الفرصة أمام إسرائيل والولايات المتحدة للتفاوض حول اتفاقية السلام مع سلطة فلسطينية وطنية علمانية معتدلة في طريقها نحو الاختفاء. ورغم دعوة الرئيس الأمريكي للرئيس الفلسطيني محمود عباس للبقاء في منصبه وتكريره للرغبة الأمريكية في التعامل معه من أجل إيجاد دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل.

والتساؤل الهام في واشنطن الآن ينصب على دراسة خطأ عدم استغلال وجود حكومة فلسطينية معتدلة علمانية بقيادة منظمة فتح للإسراع بعملية التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما أدي في النهاية لضرورة البحث في كيفية التعامل مع حكومة فلسطينية إسلامية بزعامة منظمة حماس.

هل يمكن دمج حماس في العملية السياسية؟

احتوت القائمة الانتخابية لحماس علي العديد من النساء، والمسيحيين، ومرشحين آخرين مستقلين غير معنيين بفرض دولة إسلامية أو تجديد أعمال المقاومة العنيفة. وبينما يظهر من بيانات قادة حماس المتضاربة الصراع القائم داخل المنظمة حول تعريف علاقاتها بالسلطة الفلسطينية وإسرائيل نجد أنها  توضح بلا شك رغبة المنظمة في نيل الشرعية والاعتراف بها من قبل  الغرب عموما والولايات المتحدة بصورة خاصة.

وفي ظل التفكك المتزايد وفقدان الشرعية، إضافة إلى خسارة الانتخابات التشريعية تواجه السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس معادلة صعبة لم تكن تتخيلها على الإطلاق،  فالسلطة فقدت القدرة الحقيقية علي الحد من النفوذ المتزايد لحماس أو إجبارها علي نزع سلاحها، بدليل نتائج الانتخابات. ونتيجة لإدراك عباس أن الحوافز السياسية هي الورقه الوحيدة لديه في المفاوضات فقد توصل إلي اتفاق بوقف إطلاق النار من قبل الفصائل الفلسطينية في مارس 2005 في مقابل إيجاد مكان لحماس علي صعيد السياسة الفلسطينية. ويأمل عباس في التمكن من نزع سلاح المنظمة بمجرد اندماجها في المنظومة السياسية من خلال تحفيزها علي القيام بدور سياسي أكثر فاعلية من دورالمقاومة المسلحة. لكن حماس لم تبد أي نية في تسليم أسلحتها ما دام الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية مستمراّ، إلا أن عدداّ قليلاّ من قادتها الرسميين أعربوا عن استعدادهم بعد إعلان فوزهم الكبير في الانتخابات لتوحيد كافة الفصائل الفلسطينية تحت قيادة عسكرية موحدة.

وجاء فوز حماس أساساّ نتيجة لفشل السلطة الفلسطينية في توفير الخدمات الأساسية، وتوفير الأمن والتوصل إلي معاهدة سلام للشعب الفلسطيني. وجناح فتح معروف رسمياّ علي نطاق واسع بالفساد وهو ما ساهم في إضعافه وعدم تركيزه ذلك الصراع الداخلي بين الحرس القديم المنتمي إلي الرئيس الراحل عرفات والأعضاء الشباب. أما علي النقيض من ذلك فقد اشتهرت حماس بما تقدمه من خدمات اجتماعية كما ينسب إليها الفضل في انسحاب إسرائيل من قطاع غزة بسبب ما لاقته من مقاومة عنيفة. وقد خطت المنظمة خطوات واسعة نحو اكتساب مزيد من القبول لدي الفلسطينيين من خلال إدخال قدر من الاعتدال علي أسلوبها الخطابي العنيف وإدارة برنامج سياسي حكومي "نظيف".

ومع عرض قادة حماس الرغبة في تشكيل حكومة وطنية فلسطينية تضم وزراء من حماس وفتح بصورة أساسية، ورفض قادة حركة فتح هذا العرض، قد لا يكون هناك مفرا من التعامل مع حكومة حماس إذا ما تجاوبت مع الضغوط الدولية المنادية بنزع سلاحها ووقف عملياتها المسلحة والاعتراف بدولة إسرائيل. ومازلت منظمة حماس ملتزمة بهدنه وقف النار مع إسرائيل بالإضافة إلى تلميح العديد من زعمائها بإمكانية التفاوض المستقبلي مع إسرائيل.

موقف الولايات المتحدة

قبل أسبوع من إصابة شارون بالجلطة أشار إلي أنه لن يسمح للفلسطينين في القدس الشرقية بالإدلاء بأصواتهم نتيجة لمشاركة حماس في الانتخابات. وهدد عباس بتأجيل الانتخابات في حالة منع سكان القدس الشرقية من المشاركة، واشتعل قادة حماس غضباّ نتيجة تأجيل الانتخابات المقررة للمرة الثانية. ومارست الولايات المتحدة ضغطاّ علي إسرائيل للسماح لسكان القدس الشرقية بالتصويت في الانتخابات الفلسطينية. وأكدت لعباس أن الانتخابات ستجري كما كان مخططاّ لها. واستجابة لضغوط الولايات المتحدة صوت مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة إيهود أولمرت لصالح السماح للفلسطينيين بإجراء اقتراع غيابي في خمسة مراكز للاقتراع في القدس الشرقية مع عدم السماح لحماس بالاشتراك بحملتها في المدينة.

وانقسمت إدارة بوش في الرأي حول مشاركة حماس في الانتخابات لكنها قررت بعد شيء من التردد أن تدعم ما تري أنه خطوة نحو تحقيق رؤيتها لتنفيذ الديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث ترى الإدارة أن حماس منظمة إرهابية ومن ثم لايمكن لها المشاركة في  سياق السياسة الفلسطينية. واستمرت في الوقت ذاته في الثناء علي عباس لما حققه من انفتاح في النظام السياسي الفلسطيني وتشجيع إجراء انتخابات حرة ونزيهة. والولايات المتحدة تقر صراحة أن حماس لا يمكن استبعادها من صفوف السياسية الفلسطينية  خاصة بعدما فازت بأغلبية كبيرة في الانتخابات التي جرت بهدوء وفي جو سلمي وحر طبقا لشهادات مراقبين دوليين على رأسهم الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. وتأمل إدارة بوش أن تعدل حماس ميثاقها بعد الانتخابات لتعترف بحق إسرائيل في الوجود وتسلم أسلحتها.

تأييد إدارة بوش لإجراء الانتخابات الفلسطينية، إضافة إلى موقف الكونغرس الذي أصدر مجلس النواب الأمريكي فيه قراراّ في ديسمبر 2005 محذراّ السلطة الفلسطينية من تعريض علاقتها بالولايات المتحدة للخطر في حالة إشركها لمنظمة إرهابية في الحكومة وإرسال 73 سيناتور أمريكي رسالة إلي بوش يطالبونه فيها بالقيام بتحرك عاجل . كما أن المعونة الأمريكية للفلسطينيين ستتعرض للخطر إذا لم تتخذ حماس موقفاّ معتدلاّ عندما تعتلي السلطة.

لكن في ظل المشكلات التي لا تحصي التي تواجه الولايات المتحدة في المنطقة وفي الداخل الأمريكي قد تتراجع الولايات المتحدة عن موقفها بالكامل الرافض للحوار أو التعامل مع حكومة فلسطينية بقيادة حماس. وبدلا من مقاطعة حماس الذي قد يعضض من نفوذ الجماعات الفلسطينية الأخرى التي تستخدم العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى ازدياد العنف واختفاء الشريك الفلسطيني من المفاوضات.كما يمكن أن يؤدي هذا الواقع أيضا إلي تشجيع الشعب الإسرائيلي علي التصويت في انتخابات مارس 2006 لصالح حزب كاديما الجديد الذي سيعمل علي تعميق الهوة بين إسرائيل والفلسطينيين. وبدون اعتدال حماس ونزع سلاحها ستنتهي إسرائيل من بناء الجدار العازل وتنسحب انسحاباّ أحادي الجانب من المناطق التي تشكل تهديداّ أمنيا لها. لكن هذه الحلول لن تؤدي إلي إنهاء حالة العنف، وسيستمر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في إثارة مشاعر الكراهية نحو الولايات المتحدة في المنطقة ولن يؤدي الجدار العازل إلا إلي خلق جيل جديد من الفلسطينيين المحرومين من المشاركة السياسية.

 

وكل ذلك بحسب رأي نتزان غولدبرغر في  المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد43-28-1-2006