إصلاح التعليم العالي العراقي .. آراء و مقترحات

(1)

 

 

د . كاظم عبد نور

 

 

يكاد يتفق المنظرون وقادة الفكر والسياسة والخبراء الميدانيون في التربية والتعليم على أن التعليم العالي يمكن أن يكون واحدا من أهم أركان وميادين الاستثمار والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتكنولوجي أو أن يكون أحد مصادر الخطر على حاضر الأمة ومستقبلها عندما يستمر في تكرار واجترار خبرات الماضي والحاضر وإعادة إنتاج التخلف من غير تجديد وتطوير وإبداع.

لذلك نجد الأمم تستنجد بأساتذة الجامعات ومفكريها وبنظامها التربوي بعد كل كبوة أو تراجع في أحد ميادين الحياة. لذلك نقرأ عن مراجعات الأمم المتكررة لأهداف التعليم العالي وطلبات التحديث المستمر لبرامجه وأساليب تقديمها وتقويمها  والتعليم العالي في العراق أصابه ما أصاب العراق والعراقيين من ركود و تخلف وخراب وتخريب وتراجع إلى الوراء لعشرات السنوات من حيث الأسس المادية (بنايات، مناهج وكتب، تكنولوجيا...الخ) والبشرية ( الإدارة والأساتذة والموظفين والطلبة).

 لذلك يدعو جميع المخلصين للعراق إلى حاجة التعليم العالي إلى المراجعة الجادة الشاملة لأهدافه وسبل تحقيقها، ولإدارته وطرق رفع مستوى أدائها، ولأساتذته وبرامج رفع كفايتهم، ومناهجه وأساليب تحديثها وتقديمها وتقويمها...الخ.

وحسنا عملت غرفة العمليات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي  برسالتها المؤرخة (2007/4/17) الموجهة إلى الجامعات العراقية والمعاهد والهيئات التابعة لها التي ترجو منهم تقديم مقترحاتهم وتصوراتهم من أجل بناء ستراتيجية جديدة للتعليم العالي ترفع المستوى العلمي والمهني للأستاذ الجامعي وطلابه للسير نحو تعليم عالي عراقي أكثر تميّزا وتقدما مما هو عليه الآن؛ من أجل نظام تعليمي يقود المجتمع ومؤسساته بالأعمال والإنجازات الجديدة ولا يسير خلفه ولا يصاب بأمراض مؤسساته.

لأن المخلصين في التعليم العالي لا يريدون من تعليمهم أن يستمرّ في إعادة إنتاج التخلف والتبعية والاعتماد على الغير. وفيما يأتي أهم الملاحظات والمقترحات التي نعتقد أن تنفيذها يسهم في بناء الستراتيجية المنتظرة التي تتطلع لها جامعاتنا وكل عراقي يتمنى لأهله مستقبلا أكثر سعادة وأمنا وتقدما ورفاهية:

1. أن تراجع وزارتنا أهداف التعليم العالي العراقي ومقارنتها مع أهداف الدول والأمم التي مرّت بظروف وأحداث مماثلة لما حدث في العراق(ومنها ألمانية بعد سقوط النازية التي لا تزال تدفع ثمنها حتى الآن، واليابان بعد الحرب العلمية الثانية) ومقارنتها مع أهداف جامعات الدول التي تقدّمت على جامعاتنا خلال العقدين الماضيين بعد أن كانت جامعاتنا، على قلة عددها، قدوة لها. وعلى ضوء بناء الأهداف الجديدة، يتم العمل على إعداد وسائل تحقيقها.

2. أن تقوم وزارتنا الموقرة بأسرع ما يمكن بغربلة العاملين في التعليم العالي من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات ورؤساء الأقسام العلمية وأساتذة وموظفين، على ضوء الأداء السنوي لكل منهم، على وفق المعايير العالمية لإدارة المؤسسات العلمية الجامعية ومعايير عضو هيئة التدريس الجامعي، بعيدا عن التأثيرات السياسية والحزبية. وبعيدا عن الخوف والتردد في تطبيق القانون والتعليمات، وإحالة كل من لا تنطبق عليه تلك المعايير إلى وظيفة  أخرى أو إلى التقاعد. لأن مستقبل العراق أهم من بقاء عدد من العاملين غير الكفوئين في التعليم العالي في مواقعهم الإدارية أو التعليمية  أو الوظيفية، وأهم من حل مشكلة بطالة بعض من حملة درجات الدكتوراه والماجستير الذين يرضون بالقليل من العلم والمعرفة والمهارات. يمكن للدولة أن تمنحهم ما تشاء من رواتب ومخصصات مثلما تمنح عددا من النواب والمدراء العامين وربما عددا من الوزراء المقيمون في دول الجوار!!!! وتمنح الآخرين رواتب الرعاية الاجتماعية من غير تعيينهم في الجامعات.

3. إصدار تعميم وزاري يمنع الأساتذة والطلبة من استخدام الكتب المنهجية التي مضى على إصدارها (طبعها) خمس سنوات كمصدر أساسي للمقرر (للمادة)، نظرا للتقدم السريع في العلوم والفنون والآداب والتكنولوجيا، على أن تسهم الوزارة ودور النشر العراقية بتوفير البديل الحديث الأفضل بالتأليف والترجمة والاستيراد مع الدعم كما يدعم غذاء الجسم ومن الطريف أن نذكر ونذكّر أننا وجدنا في أحدى زياراتنا لأحد محاضرات الطلبة المتدربين  قي معهد تربوي لإعداد المعلمين تابع لوزارة التربية خلال النصف الثاني من العام الدراسي (2006-2007) أن الأستاذ والطلبة يدرسون محاضرة مطبوعة بشكل بائس مضى على أعدادها أكثر من أربع سنوات من غير تغيير ومكتوب فيها " أن من مصادر إعداد المناهج في العراق هو فكر الحزب القائد...". وقد ردد المدرب وطلبته الفكرة داخل قاعة المحاضرة!!!.

4. إصدار تعميم وزاري يمنع استخدام المحاضرات المكتوبة باليد ويمنع إملاء المحاضرات أو قراءتها على مسامع الطلبة. لأن طلبة الجامعة يعرفون القراءة والكتابة.

5. تخصيص مكتب مناسب لكل عضو هيئة تدريس قبل مباشرته بالعمل ليستطيع أن يقرأ فيه ويكتب ويتأمل ويقدم استشاراته لطلبته...الخ.

ونطمح أن يزوّد المكتب بجهاز حاسوب وخط انترنيت. إذ أن الحالة مؤسفة ومزرية جدا، وبخاصة حالة الأستاذ الجامعي في التخصصات الإنسانية. إذ أن أغلب مكاتبهم قريبة الشبه بمكاتب "العرضحالجية"!!! (مثل طاولات كتّاب العرائض الذين يجلسون على أبواب عدد من دوائر الدولة لكتابة طلبات التعين أو الشكاوى لأخوتهم الأميين أو لأخوتهم المتعلمين الأميين لقاء مبلغ بسيط من المال، بل أن بعض من تلك المكاتب أفضل مكتب الأستاذ الجامعي) وحقائب بعضهم أشبه بحقائب "المطهرجية" ومحتوياتها التقليدية. علما أن بعضا منهم ليس لديه حتى الطاولة والكرسي التي يجلس عليها كاتب العرائض!!!.

6. إعادة النظر في رواتب ومخصصات الأستاذ الجامعي لتكون مثل رواتب ومخصصات زميله في دول الخليج العربية أو مثل رواتب زميله في مجلس النواب الذي يقضي بعض منهم أغلب أيامه في عمّان ودمشق والقاهرة وغيرها من عواصم دول العالم يبحث فيها عن فضائية أو منبر يلقي منه مواعظة للعراقيين من وراء الحدود (وينسى أن يعظ نفسه) أو يبحث عن إقامة أو عمل يضمن به مستقبله لأنه خذل العراقيين الذين توسموا فيه العمل والسهر معهم وبينهم من أجل وحدتهم وسلامتهم ونقل مشكلاتهم إلى داخل قاعة البرلمان.

فاقتنع أنهم سيخذلونه في الانتخابات القادمة. لذلك وبحسب سياسة (الخطوة - خطوة) وليس (الفوضى الخلاقة أو الهدّامة) (وكلاهما أميركيتين) لنبدأ بمساواة راتب الأستاذ الجامعي العراقي براتب زميله الأستاذ الجامعي العراقي في جامعات السليمانية وصلاح الدين في أربيل ودهوك!!!! (وهو قليل أيضا وهي جامعات عراقية أيضا!!!)، على أن تصاحب زيادة الراتب زيادة عطاء الأستاذ الجامعي لطلابه وقسمه العلمي وكليته وجامعته ووطنه والعدالة لا تعني مساواة المجد الملتزم في عمله ودوامه مع الجالسين في بيوتهم أو في مكاتبهم وأعمالهم الخاصة خارج الجامعات.!!!. على الجامعات معالجة الانتماء المزدوج لعدد من أساتذتها والعاملين فيها الذين يعملون في الجامعات وفي الوقت ذاته يعملون في مكاتب وشركات خاصة لهم أو لغيرهم بعد الدوام الرسمي !!!. لأن الأستاذ الجامعي يتسلم تفرغا جامعيا. والتفرغ الجامعي يعني تخصيص وقته وجهده وتفكيره لجامعته وقسمه وطلابه، وعند ذاك لا وقت فائض لديه يبيعه للمكاتب والشركات الخاصة إلاّ على حساب عمله الجامعي، بل ربما يسّخر البعض عمله الجامعي لخدمة جامعته.

7. تأسيس وحدة إشراف وتقويم علمي فرعية مرتبطة بجهاز الإشراف والتقويم العلمي بوزارتنا تكون مسؤولة عن كل ثلاث جامعات متقاربة جغرافيا  بشرط ألاّ  ترتبط  تلك الوحدة بأحد الجامعات لضمان الحيادية والاستقلال  يسند لها إجراء تقويمات سنوية لأداء جميع العاملين في الجامعات من إداريين وأساتذة وطلبة وموظفين على وفق أدوات (وليس أداة واحدة) قياس وتشخيص وتقويم عالمية وعراقية وفي حالة عدم وجودها يتم إعداد أدوات قياس وتشخيص جديدة ومنح مجلس إدارة الوحدة بشكل واضح الصلاحيات بالاستغناء عن خدمات أي أستاذ أو إداري لا تتوافر فيه المواصفات أو ينخفض مستوى أدائه عن مستوى محدد سلفا على أن يتم إعلام الجامعات بذلك في بداية العام الدراسي ويتم التقويم في الشهر الخامس والسادس من كل عام وتظهر نتائج ذلك التقويم في الشهر الثامن. على أن يتم التقويم بسرية تامة، ويمنح كل أستاذ وموظف رقما سريا للتخلص من العلاقات الشخصية والوساطات.

8. قيام الوزارة والحكومة الوطنية بدعم المكتبات ودور النشر الوطنية التي تسهم في توفير الكتاب الجامعي الجديد للأساتذة والطلبة والباحثين، سواء كان ذلك التوفير بنشر كتاب المؤلف العراقي أو العربي أو الأجنبي أو باستيراد تلك الكتب وبيعها للطلبة والأساتذة بسعر مدعوم نسبيا.

فالدولة تدعم الغذاء الجسمي بالمليارات وعليها دعم الغذاء العقلي والروحي. إذ من المحزن والمؤسف جدا أن يقرأ طالب الطب والصيدلة والهندسة وغيرهم من طلبة التعليم العالي ما يريد أن يكتسبه من علوم وفنون وآداب وتكنولوجيا في أوراق مستنسخة، بعضها لا يمكن قراءته لرداءة الورق وسوء الاستنساخ!!!. (أرجو من وزارتنا الموقرة أن ترسل مندوبا عنها إلى مكاتب الاستنساخ داخل الجامعات لترى ما نشير إليه).

ويمكن إعادة بيع الكتاب المستخدم النظيف أكثر من مرّة، بأسعار رمزية. وهو أسلوب اقتصادي مستخدم في جامعات العالم، وهو أكثر اقتصادا من الاستنساخ المشّوه للمحاضرات المكتوبة باليد أو المطبوعة أو المصورة من الكتب التي تسد شهية الطالب نحو القراءة.

9. العمل على استمرار تعزيز استقلال مؤسسات التعليم العالي عن السياسة والسياسيين. ومعاقبة أي منتسب فيها تثبت أقواله أو أعماله داخل تلك المؤسسات التمييز بين العراقيين على أساس الانتماء الطائفي أو القومي أو الديني أو ألمناطقي (الجغرافي) أو الحزبي أو الترويج لأحد الأحزاب أو المنظمات. لكوننا نريد الجامعات لكل العراقيين المتفوقين في تحصيلهم وفي انتمائهم للعراق، من غير تمييز، مع فخرها واعتزازها بالتنوع العراقي الجميل.

وهذا لا يعني عدم التميز بين المتفوق وغير المتفوق، وبين الحق والباطل وبين الذي يغرس الخير والحب والفضيلة وبين من يزرع الحقد والكره وتكفير الأخر، بين المنتمي قولا وعملا لجامعته وبين الذي لا يربطه بجامعته إلاّ الراتب والكرسي!!!.

ولنا وللسياسيين العراقيين في فوز المنتخب العراقي بكأس أمم أسيا لكرة القدم دروس كثيرة لعام (2007)، إن كان الجميع يهمه حقا خدمة العراق والعراقيين وتفوقهم وتمييزهم.

10. أن لا يقل معدل درجات القبول في الجامعات العراقية عن (70%) في الدراسة الثانوية ولا يقل ترتيب المقبول في الدراسات العليا عن الخامس بين خريجي فرعه أو قسمه العلمي. والتوقف عن قبول منخفضي التحصيل العلمي في الدراسات الأولية والعليا بحجة توفير التعليم العالي لكل مواطن وتوفير وظيفة لكل حامل شهادة عليا. ولنبدأ من العام الجامعي (2007-2008).

11. الإسراع بتأسيس كليات أو عمادات للبحث العلمي والدراسات العليا في كل جامعة كبيرة (كجامعات بغداد والموصل والبصرة والمستنصرية) أو كلية أو عمادة واحدة لكل ثلاث أو أربع جامعات متقاربة جغرافيا، لتكون مسؤولة عن البحث العلمي والدراسات العليا (الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه وتدريب أساتذة الجامعات وتطوير خبراتهم ومهاراتهم).

ويمكن أن يسند إليها عمل برامج التطوير والتدريب والتحديث في التعليم العام والعالي والتخطيط المستقبلي  وللأمانة نذكر أن فكرة تأسيس مثل تلك العمادات قد تمّ طرحها من قبل جامعة الكوفة قبل عدد من الأشهر ومعمول بها في كثير من جامعات دول العالم.

نأمل من وزارتنا الإسراع في تأسيسها وتوفير الأسس المادية والعلمية والبشرية لنجاحها  ونقترح أن تحتوي أقسامها على قسم متخصص في (تعلم وتعليم مهارات التفكير والإبداع) ليكون أحد أقسام الكلية أو العمادة المنتظرة يقوم بتدريب الراغبين من أساتذة الجامعات ومدرسي ومعلمي التعليم العام على تعلم وتعليم مهارات التفكير والإبداع وإجراء عدد من الدراسات والبحوث في موضوعي التفكير والإبداع وأساليب التنمية العقلية ومن ضمنها الذكائية.

وربما تستطيع تلك الكلية، في فترة لاحقة، إصدار مجلة علمية محكّمة تحمل أسم  مجلة العراق للتفكير والإبداع والدراسات المستقبلية ويمكن أن تقوم هذه الكلية بإعداد أخصائيين في تعلم وتعليم مهارات التفكير والإبداع لمدارس الموهوبين والمتميزين أولا، ثم إلى مدارس التعليم العام في مرحلة لاحقة كما يمكنها أن تتولى إعداد المدرسيين من حملة البكالوريوس عند الحاجة لبعض التخصصات.

ويمكن أن تسند لها مهام اخرى مثل مراقبة ومتابعة كل جديد في العلوم والفنون والآداب والتكنولوجيا والرياضة...الخ ومحاولة تطويعه وإدخاله ضمن مناهج التعليم العام والعالي. على أن تسند إدارة تلك العمادة إلى مجلس إدارة يتكون من أساتذة مبدعين في ميدان تخصصاتهم ومنتمين لعراقهم وجامعاتهم وقادة سياسيين معروفين ورجال أعمال منتمين لعراقهم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-14-8-2007