السعودية تبدأ التطبيع العلني مع إسرائيل

 

 

د. رفعت سيد أحمد

 

 

حكام السعودية، وبعض صبيانهم من السياسيين والإعلاميين ورجال الدين في مصر كانوا يغضبون، كلما كتبنا أو أشرنا إلى العلاقات السرية التي بناها الأمير بندر بن سلطان (الحاكم الفعلي للسعودية ورجل المخابرات الأمريكي - السعودي المعروف) مع العدو الصهيوني قبل وأثناء وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، أو إلى الصفقات الخاصة التي عقدتها الأسرة السعودية وبعض الأثرياء المحيطين بها مع رجال الأعمال الإسرائيليين والأمريكيين اليهود، كان المسئولون السعوديون يغضبون، إلى الحد الذي قدموا فيه شكاوى إلى وزارة الخارجية المصرية ،وهي هي وزارة - كما هو حال سفيرها هناك في الرياض - لا تهتم بأحوال عمالها ومصالح بلدها بقدر اهتمامها بما يغضب أو يفرح أمراء النفط في بلاد الحجاز، وكنا كلما كتبنا عن مسلسل العلاقات السرية العريقة بين الكيان الصهيوني وآل سعود منذ كمال أدهم وعدنان خاشقوجي وصولاً إلى بندر بن سلطان ووالده صاحب صفقات اليمامة والأسلحة التي لا تستعمل، كان آل سعود ينزعجون، ومعهم الصبية الصغار من الإعلاميين والسياسيين والوهابيين الجدد رجال التكفير والفساد الديني والأخلاقي..

واليوم... بما سيردون علينا وقد تعرت عورة آل سعود أمام أنظار العالمين الإسلامي والعربي، وفاجأ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الجميع بالموافقة على حضور مؤتمر الخريف للتسوية الذي دعا إليه جورج بوش وهو مؤتمر للتطبيع مع إسرائيل وستتم فيه مصافحة أولمرت بالدرجة الأولى، هل سيغضب آل سعود وصبيانهم إن ذكرناهم بالحقائق والكوارث التالية المرتبطة بهذا المؤتمر المشبوه:

* فأولاً: جاءت الدعوة للمؤتمر التطبيعي هذا متزامنة مع صفقة الأسلحة التي لن تستعمل إلا ضد شعب الجزيرة العربية والمقدرة بـ20 مليار دولار بين السعودية والولايات المتحدة، والتي تعد بمثابة رشور للإدارة الأمريكية، مع وعد من هذه الإدارة لإسرائيل بإعطائها 30 مليار دولار كمعونات لا ترد (يعني أموال السعودية ذهبت مباشرة إلى إسرائيل مع زيادة عشرة مليار) ومتزامنة مع بناء تحالف إقليمي من عشر دول عربية ضد إيران وسوريا والمقاومة في فلسطين والعراق ولبنان، والسعودية هي الممول والقائد العربي لهذا التحالف المزعوم والمهزوم سلفياً كما هزم سابقيه.

* ثانياً: ثبت للجميع الآن أن ما سمي بمبادرة السلام العربية التي قدمها الملك السعودي في قمة الرياض (مارس 2007) كانت بمثابة مؤامرة على القضية الفلسطينية، بدأنا الآن نلحظ خطوات تطبيقها وبدأت تتكشف لنا ملامحها المرة والمؤسفة، فالملك وحلفه ممّن يسمون بالمعتدلين العرب ،أعلنوا وبدون أن يمتلكوا مصادر للقوة، مبادرة للتطبيع الشامل مع العدو الصهيوني، وقيل أن الملك قدم عرضاً سرياً لأولمرت بإعطائه عشرة مليار دولار كرشوة لإسرائيل حتى تقبل مبادرته التي ظاهرها السلام وباطنها تضييع القضية الفلسطينية وفي مقدمتها مقدسات المسلمين في القدس، وفي إقامة دولتهم المستقلة وفي امتلاكهم السيادة على الحدود وإزالة المستوطنات، ورفضت إسرائيل الرشوة التي للأسف تهين النضال العربي الفلسطيني وتهين دماء الشهداء وحقوقهم، لقد ثبت للجميع الآن أن المبادرة العربية التي اخترعها العاهل السعودي مع الرشوة المالية المرفوضة إسرائيلياً، كانتا المقدمة التي من خلالها أرادت كوندليزا رايس أن تنفذ للقضية العربية الأولى محاولة حلها وفقاً للمصلحة الإسرائيلية التي ترى أن يتم التطبيع والمصافحة ليد السعودية في مؤتمر الخريف، مقابل أن يعطي العرب فقط وعوداً شفوية لا تنفذ، وهو ما يجري اليوم، وبدلاً من أن يبذل سعود الفيصل وبندر بن سلطان ومعهما الملك وولي عهده سلطان بن عبد العزيز أقدم وزير دفاع في العالم (فهو وزير منذ 1962)، الجهود للمصالحة بين الفرقاء الفلسطينيين (حماس وفتح) تراهم يتسولون السلام مع أولمرت ويوافقون على مؤتمر وهمي فاشل معه، دون امتلاك الحد الأدنى من مقومات الضغط على إسرائيل، والحد الأدنى المفترض هو المصالحة بين (فتح وحماس) أو تنفيذ اتفاق مكة الذي كان للأسف أداة تفجير لصراعات الأخوة الأشقاء في الصف الفلسطيني - كما سبق وكتبنا - ولم يفلح المال السعودي معهم سوى في تفجير الصراع كما هو عادة هذا المال أينما حل في أي بلد مسلم.

* ثالثاً: لا نفهم كيف يفسر آل سعود للشعوب المسلمة هذه الجرأة على الله ومقدساته، عندما يصافح خادم الحرمين أو من سينوب عنه، قتلة الأنبياء من بني إسرائيل الجدد، كيف يستقيم شرعاً، وعقلاً، أن ينشئ (حماة الحرمين الشريفين) علاقات علانية مع العدو الصهيوني الذي أهان المقدسات واغتصبها وقتل المسلمين وشرد خمسة ملايين فلسطيني ويكاد يهدم المسجد الأقصى ويزيل هوية القدس العربية، كيف لآل سعود أن يتجرأوا على أمة الإسلام مرة أخرى ويعلنوا للناس أنهم رعاة مكة والمدينة ومقدسات الحجاز وهم في الوقت ذاته يمارسون الفعل الفاضح (التطبيع العلني) مع العدو الصهيوني؟

إن هذه الموافقة السعودية الرسمية على حضور مؤتمر بوش للتطبيع، وهذه النوايا التي تكشفت والصفقات التي عقدت، والكوارث السياسية التي ستليها تدفعنا مجدداً إلى المطالبة بنزع سلاح المقدسات الحجازية من أيدي آل سعود وأن تعود للأمة الإسلامية حقوق الإشراف عليها ورعايتها لأن (الأسرة الحاكمة في السعودية) لم تعد مؤهلة شرعاً وواقعاً لهذه الأمانة، ولدينا عشرات الفتاوى الأزهرية والإسلامية التي تدمغ من يمارس التطبيع بالخروج من الملة.

فكيف يحمي أو يرعى الحرمين من يتهمه (علماء الإسلام الشرفاء) بأنه خارج عن ملة الإسلام أصلاً؟

أجيبونا يا علماء الأمة!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-14-8-2007