نحو شرق أوسط جديد.. بأهداف قديمة وآليات جديدة

 

 

د. حسن أبوطالب

 

 

مرة أخرى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، تركِّـز الولايات المتحدة على تقسيم الشرق الأوسط بين مُـعتدلين حلفاء، ودول مارقة تمثل الشر يجب العمل على عزلها ومحاصرتها.

وهذه المرة، جاء الحديث كما في تصريحات الرئيس بوش ووزيرة خارجيته رايس، فى سياق تبرير صَـفقات أسلحة ومساعدات أمريكية عسكرية بقِـيمة تصِـل إلى 63 مليار دولار، تنفَّـذ على مدى سنوات عشر وتمنح لكل من مصر وإسرائيل ودول الخليج الستة.

الاعتدال بهذا المعنى الأمريكي، يعني الحلفاء المقرّبين جدا والذين يمثِّـلون حجَـر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ويعني أيضا الأصدقاء، الذين يصعُـب الاستغناء عنهم، حتى ولو كانت هناك ملفَّـات أو قضايا غيرُ متَّـفق علي تفاصيلها بين الطرفين، ويعني ثالثا، أن الرُّؤية الأمريكية المنسحبة على العالم ككل، باتت أكثر وضوحا بالنسبة للمنطقة العربية وما حولها، أي التقسيم بين مقرّبين ومبعدِين، وبين أصدقاء وأشرار وبين حلفاء وأعداء، ولا ثالث بينهما.

ويعني أخيرا، أن الرُّؤية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط الجديد، الذي بشَّـرت به وزيرة الخارجية الأمريكية رايس في الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على لبنان صيف عام 2006، لا زالت هي الحاكمة، وكل ما هنالك، أن أسلوب التنفيذ تغيَّـر من الأساليب القسرية إلى أخرى تدريجية وأقل عُـنفا وذات نفس أطول.

تصور سابق

فقبل عام، كان الهدف هو إنهاء دور ما تعتبِـره واشنطن الأذرع الإقليمية، التي تمثل النفوذين، الإيراني والسوري في المنطقة، وبصفة خاصة حزب الله اللبناني، من خلال كسر شوكته العسكرية وإنهاء دوره السياسي في الساحة اللبنانية أو على الأقل حصر التأثير السياسي للحزب في نطاقات محدودة لا تؤثر على خطط الولايات المتحدة الخاصة بشأن مستقبل لبنان، وكانت الوسيلة في ذلك القوة العسكرية الإسرائيلية الباطشة، المدعومة بترسانة أمريكية متطورة.

كان التصور آنذاك أن هزيمة عسكرية ساحقة لحزب الله على يد القوة العسكرية الإسرائيلية ستعني بالضرورة هزيمة ساحقة للنفوذين الإيراني والسوري، ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة ككل، ومن ثم سيتبع ذلك نوعا من تغيير المعادلات الحاكمة فى المنطقة، وأبرزها وضع كل من إيران وسوريا تحت الضغط المباشر، عسكريا، ومحاصرتهما، سياسيا ومعنويا.

في السياق ذاته، بدت حركة حماس الفلسطينية مستهدَفة أكثر وأكثر، ومن ثم، زاد الحصار واشتدّت قسوته وتم استقطاب عناصر فتحاوية معيَّـنة، لتكون مخلب القط في مواجهة حماس في داخل قطاع غزة، بيد أن حماس لم تكسر، بل استطاعت التعايش مع الضغوط وناورت بقدر الإمكان إلى أن حدثت المواجهة مع عناصر فتح، واستقلَّـت حماس بقطاع غزة فى يونيو الماضي، مما شكَّـل فرصة لمحاصرتها في القطاع على نحو يكون عِـبرة لحركات الإسلام السياسي في المنطقة من جانب، ويأفل دورها كحامل للنفوذ الإيراني والسوري من جانب آخر.

رضا مصري

واقع الأمر، أن الأهداف لم تتحقَّـق آنذاك كما تم التخطيط لها، إسرائيليا وأمريكيا، ولكنها بقيت موجودة في حد ذاتها وبات الأمر معلَّـقا على طريقة جديدة في التنفيذ، وهو ما تُـرى بعض ملامحه في الأهداف المتوخَّـاة من التحركات الأمريكية الأخيرة، سواء ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو الإعلان عن صفقات ومساعدات عسكرية لثمانية دول حليفة في المنطقة، وهنا، يمكن إبداء عدد من الملاحظات.

أن صفقات الأسلحة المُقدمة لكل من مصر وإسرائيل على مدى السنوات العشر المقُبلة، هي في شقٍّ منها، امتداد لصفقات ومساعدات عسكرية بدأت فعليا منذ عام 1978 وارتبطت أساسا بتثبيت العلاقة المصرية الإسرائيلية الجديدة والحِـفاظ على المعاهدة الثنائية، التي تم توقيعها في مارس 1979، والجديد هذه المرة، أنه تمَّـت زيادة المِـنحة العسكرية المخصَّـصة لإسرائيل بنسبة 50%، حيث زادت من 2 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار سنويا، في حين بقيت المساعدة المقرّرة لمصر في الحدود المعروفة مُـسبقا وهي 1.3 مليار دولار سنويا، وهو ما تراه الحكومة المصرية أفضل من لا شيء، خاصة في ضوء مساعي بعض النوّاب والشيوخ في الكونغرس الأمريكي لوقف صرف مبلغ 200 مليون دولار من المَـعونات، إلى حين تحقيق عدد من الشروط السياسية القاسية.

تكريس التفوق الإسرائيلي

في جزء من التفسير الأمريكي، أن الزيادة المقرّرة لإسرائيل هي لمُـوازنة مجموع الصفقات المقدمة للدول الخليجية العربية من ناحية، ولضمان التفوق النوعي الإسرائيلي، حسب وعد بوش لأولمرت، من ناحية أخرى، ولوقف اعتراضات اللوبي الإسرائيلي على الصفقات المقدَّمة للدول الخليجية العربية من ناحية ثالثة.

وأيا كانت الحُـجة، فالنتيجة العملية أن المساعدات العسكرية لإسرائيل بهذا الحجم، تمثل مدخلا إلى تكريس التفوق العسكري الإسرائيلي وتثبيت توازن قوي، إسرائيلي عربي، وكذلك إسرائيلي إقليمي لصالح تل أبيب، وتكون فيه إيران تحت الضغط العسكري غير المباشر ولفترة زمنية ممتدّة لا تقل عن عقد، وهذا ما يقود إلى الملاحظة الثانية.

سباق تسلح مخطط

قد يشير البعض إلى التخوف من أن تقود هذه الصفقات إلى سباق تسلُّـح جديد في المنطقة، وهو تخوّف في محله، ولكنه مرغوب أمريكيا وإسرائيليا.

ففي شق من هذا السباق المنتظر، استنزاف جزء لا بأس به من مداخيل النفط الخليجية المُـتصاعدة، أما الأهم، فهو استنزاف إيران نفسها عبر دفعها إلى سباق التسلُّـح هذا وبما يؤثر على قُـدراتها الاقتصادية وتماسكها الداخلي، ويزيد من الضغوط الداخلية على الحُـكم القائم في طهران، خاصة مع اتِّـساع دائرة العقوبات الأمريكية الاقتصادية، والتي ربما قد تشارك فيها أطراف دولية أخرى في ظل شروط معيَّـنة، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها على أرض الواقع فعلا.

والتصور المنتظر هنا، وهو نموذج للتفكير المثالي المرغوب، أن إيران، وبدافع من الحفاظ على معادلات التوازن العسكري القائمة وحرصا على عدم اتِّـساع الفجوة مع إٍسرائيل أو مجموع دول الخليج العربية، ستستمر في رصد ميزانيات كبيرة من أجل تطوير قدراتها العسكرية، وهو ما سيؤثِّـر على برامجها الاقتصادية والاجتماعية قطعا، وبما يزيد من درجة الحنق والغضب الداخلي ويدفع الإيرانيين إلى الانقضاض على الحكم، كما سيؤدّي ذلك إلى التخفيف من أنواع الدعم الإيرانية المختلفة لحلفائها في المنطقة، لاسيما حزب الله اللبناني والتنظيمات الأخرى العاملة في العراق وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

بمعنى آخر، أن التسلح المكثَّـف للحلفاء سيؤدّي في حدِّ ذاته إلى تغييرات مهمَّـة في الداخل الإيراني، كما في معادلات القوة في المنطقة، ومن تمّ، يتبلور الشرق الأوسط الجديد القائم على الاستقطابات الحادّة، بين معتدلين حلفاء وبين متشدِّدين أشرار، وعلى ضغوط مكثفة على دول الشر وعلى استمرار التفوق الإسرائيلي النوعي وعلى محاصرة سوريا.

تغيير سوريا

يُعد هدف محاصرة سوريا وتقليم أوراق القوّة الإقليمية المحدودة لديها، هدفا إستراتيجيا أمريكيا باميتاز، حتى ما قبل الدعوة الصريحة لإقامة ما يُـسمى بشرق أوسط جديد أمريكي الهوى، غير أن قدرة النظام السوري على المُـناورة واستقراره وقوة تحالفاته الإقليمية مع كل من إيران وحزب الله اللبناني تحديدا، وعدد من الفصائل الفلسطينية المناهضة للتسوية بشكلها الراهن، فضلا عن دوره المُـلتبس في العراق، مكَّـنته من الصُّـمود في وجه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

هذا الأمر دفع واشنطن إلى تبني أساليب ضغط مختلفة، نسبيا، تجاه سوريا، منها فرض عقوبات أمريكية، ومنها التشدد فيما يتعلق بأي مباحثات تسوية مُـحتملة بين دمشق وتل أبيب والسعي إلى الفصل التام بين سوريا وأي جهود تسوية ممكنة، وحصر هذه الجهود فحسب في المسار الفلسطيني، وهو الهدف المعلن حتى اللحظة من الاجتماع الإقليمي الدولي، الذي دعا إليه الرئيس بوش في سبتمبر المقبل، واتِّـباع استراتيجية لفصِـم العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران، لاسيما فيما يتعلق بالشأن العراقي.

فبينما يتم التباحث مع إيران وتشكيل لجنة أمنية مشتركة معها، يتم تحميل سوريا مسؤولية العنف الحاصل في العراق، وفي لبنان، كما يتم توظيف المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، لمزيد من حصار النظام السوري.

وعسكريا، فمن الثابت أن واشنطن تعمل على وقف وتعطيل أي صفقات تسلُّـح تعقدها سوريا مع أي طرف، سواء روسيا أو دول أوروبا الشرقية السابقة، المنتجة للأسلحة، وفي حال تزويد إسرائيل بمعدّات وأسلحة أمريكية أكثر تفوقا وبقاء التسلح السوري على حاله، الذي لم يتغيَّـر منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهذا يعني مزيدا من الخلل الاستراتيجي لصالح إسرائيل على نحو يُـضعف القدرات السورية في أي مفاوضات مقبلة، كما يحُـد من قدراتها على المناورة السياسية والإقليمية.

تأمل الملاحظات السابقة، يعني شيئا واحدا، وهو أن هدف الولايات المتحدة المتمثل في بناء شرق أوسط جديد لم يتغيَّـر، ولكن أسلوب البناء هو الذي تغير، من القسر والفورية، كما في العدوان على لبنان، إلى أساليب أقل عُـنفا ظاهريا، والتدرج الزمني بعيد المدى.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو- 4-8-2007