هل يحقق بلير معجزة شرق أوسطية؟

 

 

ويليام رو

 

حين تنحى توني بلير عن منصبه كرئيس لوزراء بريطانيا في شهر يونيو الماضي، كان قد قبل منصباً جديداً، عين بموجبه مبعوثاً خاصاً للرباعية الدولية في الشرق الأوسط. وتتألف اللجنة الرباعية الدولية من أربع قوى كبرى يعتقد أن لها تأثيرا كبيرا على عملية السلام، وهي الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. ومن دون الدعم الذي تقدمه هذه القوى مجتمعة لعملية السلام الفلسطيني - الإسرائيلي، فربما تعذر تحريكها مطلقاً.

وعليه فقد تفاءل وتحمس الكثيرون إثر تعيين توني بلير مبعوثاً خاصاً للرباعية الدولية، لاسيما أنه كان زعيماً عالمياً بارزاً، فضلاً عن دوره الكبير في مساعي إحلال السلام في أيرلندا الشمالية.

وربما يسهم تعيينه في منصبه الجديد، في بعث المفاوضات بين طرفي النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وهي المفاوضات التي واصلت تعثرها خلال السنوات السبع الماضية.

لكن علينا أن نزن ونفحص الآن، مدى فرص النجاح المتاحة لبلير في مهمته الجديدة هذه؟

وقبل أن نتسرع في إصدار الأحكام، علينا أن نسبقها أولاً بنظرة إلى الأوضاع المحيطة بهذه المسؤولية التي تحملها للتو وللأسف فقد استمرت الأوضاع على ما هي عليه من تدهور، يوماً بعد يوم.

ففي مطالع عام 2006، وفي أعقاب الفوز الانتخابي الكاسح الذي حققته حركة "حماس"، وتولت بموجبه رئاسة الوزراء الفلسطينية، سارعت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم حذت حذوهما الدول الأوروبية فيما بعد، إلى فرض مقاطعة سياسية واقتصادية على الحكومة الفلسطينية الجديدة بقيادة "حماس"، عقاباً للحركة على رفضها الاعتراف بإسرائيل.

وكان الهدف من تلك المقاطعة، ممارسة مزيد من الضغط الإقليمي والدولي على حكومة "حماس"، لقصم ظهرها وإصابتها بالعجز والفشل التامين، حتى ينفتح الطريق مجدداً أمام عودة حركة "فتح" إلى الهرم القيادي، طالما أن هذه الأخيرة تبدي استعداداً للتفاوض مع إسرائيل، وتعترف بها من الأساس، خلافاً لـ"حماس".

بيد أن هذا النهج الأميركي-الإسرائيلي، والذي تبنته "الرباعية الدولية" وعززته عملياً، قد آل إلى فشل ذريع، بعد أن تمخض عن عكس النتائج التي أريدت منه، فصارت "حماس" أقوى من ذي قبل، ثم تمكنت من بسط سيطرتها التامة على قطاع غزة مؤخراً.

أما ردة الفعل الأميركية-الإسرائيلية على الانقلاب الذي نفذته الحركة على "فتح" في قطاع غزة، فقد سارت على ذات النهج القائم على استراتيجية فرض العزلة حول "حماس"، وحصر تعاونهما مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبومازن) وحده من دون سواه.

وقد اتخذ هذا التعاون كما نرى، شكل المساعدات المالية السخية، إلى جانب الدعم السياسي المفتوح الذي تقدمانه له، باعتباره الزعيم الفلسطيني الشرعي الوحيد في نظرهما، رغم الفوز الانتخابي الشرعي الذي حققته حركة "حماس" مطلع العام الماضي.

وهنا أيضاً سايرت "الرباعية الدولية" كلاً من أميركا وإسرائيل في سياستهما تلك، والتي تتصور امكانية تحقيق ازدهار وانتعاش اقتصاديين في الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة "فتح"، لجعلها نموذجاً أكثر أمناً واستقراراً في فلسطين، على نقيض البؤس وحالة الفوضى الضاربة في قطاع غزة، والذي تتولى إدارته حركة "حماس".

ووفقاً للرؤية الأميركية - الإسرائيلية، فإن من شأن هذه السياسة أن تدفع مزيداً من الفلسطينيين إلى تأييد حركة "فتح" والالتفاف حولها كقيادة بديلة ناجحة، مقابل رفضهم لحركة "حماس"، باعتبارها قيادة فاشلة وبذلك يكون أمام حركة "حماس" خياران لا ثالث لهما: إما تغيير سياساتها الحالية، أو الانزواء في قفص العزلة القاتلة.

هذا ولا يزال علينا أن نراقب لنرى ما إذا كانت هذه النظرية سوف تثمر عن النتائج المرجوة منها أم لا؟

غير أن الذي نراه في الوقت الحالي، أنها مليئة بالثغرات والمثالب، إلى جانب كونها قائمة على أعمدة الوهم والرغبات، أكثر من استنادها الى صخرة الواقع العيني الملموس.

ومن أكبر عيوب هذه النظرية، أن محمود عباس قد خص وحده من دون غيره من القادة الفلسطينيين، بكل هذا الدعم الكبير الذي تقدمه له تل أبيب وحلفاؤها الغربيين، بصفته القائد الفلسطيني المفضل بالنسبة لهم، في مقابل خسارته لمصداقيته أمام شعبه، ونظرة هذا الأخير له بصفته "عميلاً" وحارساً لمصالح إسرائيل وحلفائها من القوى الأجنبية بالوكالة! وتضاف هذه الصورة السلبية الجديدة على شخصية عباس، إلى الاتهامات التي تكال سلفاً لقيادة "فتح" من قبل مجموعات واسعة من الفلسطينيين، يرومون تلك القيادة بالفساد وانعدام الكفاءة والافتقار إلى الأهلية. وليس أدل على هذه الصورة، أكثر من أن الاتهامات المذكورة ذاتها، هي التي أفضت في نهاية الأمر إلى فوز حركة "حماس" على منافستها "فتح" في انتخابات يناير 2006.

أما الثغرة الرئيسية الثانية في نظرية واشنطن وتل أبيب و"الرباعية الدولية"، فتتمثل في إساءة كل أطرافها لقراءة دور "حماس" التي لن تتردد في تقويض العملية كلها، طالما أنها عُزِلت وأبعدت عن المشاركة فيها.

والملاحظ أن النظرية المذكورة، تقوم في الأصل على افتراض أن لحركة "فتح" السيطرة المطلقة على الضفة الغربية، وهو ليس بالافتراض الصحيح، طالما أنه لحركة "حماس" من المؤيدين الكثر الذين لا يزال بوسعهم إثارة القلاقل والاضطرابات هناك أيضاً.

والأكثر من ذلك، أن لـ"حماس" مواردها ومصادر دعمها الخارجية، بما فيها إيران وقبل هذا وذاك، فإنه لم يتضح بعد، ما إذا كان الفلسطينيون سوف يوجهون لومهم وغضبهم إلى حركة "حماس"، أم إلى الأطراف الأخرى، في حال عزل سكان القطاع من عملية السلام هذه.

ويذكر بهذه المناسبة، أن "جيمس ولفنسون" الذي تولى مهمة المبعوث الخاص للرباعية الدولية، خلال الفترة الممتدة بين شهر مايو 2005 وأبريل 2006، قد أعرب في لقاء صحفي أجرته معه صحيفة "هآرتز" الإسرائيلية قبل أيام قليلة، عن تشاؤمه من احتمال نجاح أي عملية سلام بين الجانبين، تعزل منها حركة "حماس".

وقال في معرض حديثه، إنه ليس عملياً البتة، تصورنا لإمكانية إرغام شعب يبلغ عدد أفراده نحواً من 1.4 مليون نسمة في ما يشبه السجن العام.

كما أن تفشي البطالة بين سكان قطاع غزة، بنسبة مخيفة تبلغ حوالي 50% منهم، تجعل التصدي لهذا الواقع مطلباً ملحاً، كما يتعين أن تُحَث الخطى باتجاه البحث عن حل معقول للمشكلة.

وعليه فإنه إذا كان قد تأتى لتوني بلير أن يحقق المعجزات بعينها في أيرلندا، فإنه أضحى الآن في مواجهة معضلة أعقد منها بكثير هنا في منطقة الشرق الأوسط، في حين أنه لا يزال يفتقر إلى أبسط أدوات العمل من أجل حلها. ولكي يحرز بلير أي تقدم في مهمته الجديدة هذه، فهو بلا شك في أمس الحاجة إلى معجزة غير مسبوقة من قبل.

ولعل بعض هذه المعجزة، أن يؤخذ في الاعتبار بإشراك بعض العناصر القيادية من حركة "حماس" في العملية السلمية إياها، على نحو ما سعت المملكة العربية السعودية، مصحوباً بمنح المبعوث الدولي الجديد، بعض الصلاحيات والتفويض اللازمين، في كيفية إدارة مهمته.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-27-7-2007