هذا الذي يجري في العراق

(1)

 

 

غالب حسن الشابندر

 

 

 

لا يمكن لنا فهم ما يجري في العراق الجريح  من دون تفكيك دقيق لقوي وفواعل المُشكل العراقي  على الساحة العراقية وتبقى العملية كسيحة بائسة من دون   تشخيص مادي مُسمَّى بدقة  للعناصر الخارجية التي تساهم بقوة ونشاط في إدارة اللعبة، وتوجيه مسارها، وتحديد أهدافها، ولا تكتمل المحاولة إذا لم نخاطر  بعملية كشف عميق   عن آليات هذا  الصراع، فآليات الصراع في العراق وعلى العراق جزء لا يتجزأ من الصراع نفسه، تماما كما هي أهداف وغايات الصراع بالذات، ومن ثم  تحديد مواطن ومواقع هذا الصراع  المرير، فالصراع لا يجري في فراغ، وإنما هناك مواطن ومواقع يجري فيها وعليها الصراع، كما سيتضح لنا في الحلقات القبلة بإذن الله تعالى.

هناك مقتربات تحكم المحاولة، أقصد محاولة التحليل التي نحن بصددها، فهم ما يجري في هذا البلد المنكوب، من الصعب الولوج إلى جوهر القضية من دون الاخذ بنظر الإعتبار هذه المقتربات، هي المفتاح، مفتاح الفهم، وقبل ذلك مفتاح التحليل في حد نفسه. ترى ما هي هذه المقتربات ؟ ما هي هذه المفاتيح ؟

الأولى: أن  القضية العراقية لم تعد قضية تحمل أسم موضوعها، أي لم تعد قضية عراقية بريئة، بل هي قضية عراقية  وفي نفس الوقت قضية إقليمية وقضية عالمية، قضية تختلط فيها  هذه العوامل المؤسِّسة للمشكلة، نقع في خطأ كبير عندما نتصور أن جوهر القضية العراقية هي وطنية بحتة، من الصعب أن نتجاهل أن هناك صراعا عراقيا إقليميا  عالميا  في العراق وعلى العراق، هناك قوى هائلة تتصارع في العراق وعلى العراق، وذلك  في العدد والعدة والاهداف والغايات والمقاصد  البعيدة و القريبة، خارجية وداخلية، عالمية وإقليمية، اقتصادية وسياسية وفكرية.

الثانية: إن هذه القوى في صراعها داخل العراق وعلى العراق ليست بالضرورة  منفصلة بعضها عن بعض بشكل رياضي، ليست هذ القوى  واضحة على شكل عناصر  مستقلة إستقلالا  كاملا، بحيث يتواجه  بعضها ضد  بعض منفردا  أي  رأسا برأس، بل هذه القوى والعناصر شديدة التقلب في تحالفاتها، الساحة العراقية تشهد إنقلابات هائلة في خارطة التحالفات والتجاذبات والافتراقات، ثم من الغرائب في هذه الساحة أن تشهد صراعات دموية بين قوى قد تتفق على الكثير من الاهداف والطروحات السياسية، ولكن العلاقات بينها دموية مريعة.

الصدريون والقاعدة ـ مثلا ــ كلاهما يعلنان ضرورة إنسحاب خروج القوات المتعددة الجنسية، ولكن تحكمهما علاقات تنافي مطلق.

إذا أردنا أن نحلل ما يحدث في العراق من  الصعب إغفال هذه الحقيقة، فهي مؤشر مهم في أي عملية تحليل وفهم ما يحدث هناك.

الثالثة:  ليس هناك آلية  واحدة في هذا الصراع، السياسة والعسكر، القوة والمال، الاعلام والسلاح، الدين والعلمانية، الطوائف والعشائر والقوميات،  آليات تتجدد، تتغير، تستحدث، تتطور.

الرابعة: لا يوجد سبب واحد يكمن خلف هذا الصراع، الأسباب متعددة، عميقة، بعضها ظاهر، وبعضها علني، لابد من التفصيل بأسباب الصراع، منها استراتيجي، ومنها إقتصادي، ومنها عقدي حقا، ومنها الخوف من المستقبل، هذه الأسباب تجتمع وتفترق، يتقدم  بعضها على بعض تبعا لتعدد وتنوع القوى، بتعدد وتنوع أهدافها وأفكارها  وفلسفتها وتحالفاتها،تتقلب في  أهميتها من فريق لأخر، من حزب لآخر، من عشيرة لأخرى، هذه دراما أخرى تضاف إلى الموضوع فيما أردنا قراءته بعمق.

الخامسة: يبدو أن من الصعب على عنصر واحد، أو قوة منفردة حسم الصراع نهائيا، سواء كانت دولية أو عراقية أو إقليمية، حتى الحكومة العراقية، بل الحكومة العراقية أضعف من كثير من قوى الصراع هذه، إن المراهنة على قوة واحدة في هذا المجال ليس حلا، بل قد لا يكون لأكثر من قوة مجتمعة القدرة على حسم هذا الصراع، لقد أصبح قضية كونية.

السادسة: المرجّح استمرار  الحال على ما هو عليه أو ما يشابهه لأكثر من سنة على أقل تقدير، سواء تغيرت حكومة المالكي أو تغيرت،سواء استعجل بالانتخابات  النيابية أو  أجريت في وقتها.

والأسباب ليست غائبة ولا أعتقد أن الأسباب الكامنة وراء هذا التعقيد ا لكوني في خصوص العراق غائبة على المحللين السياسيين الجادين، فقد لا يتسبّب تقسيم - لبنان- ضرورةً بـ ( تقسيم ) شامل  للمنطقة، ولكن بالضرورة إن تقسيم العراق يؤدي إلى تداعيات إقليمية هائلة تنحدر بالجميع نحو التشظِّي والتفت والتشطُّر، وقد لا يستدعي بالضرروة  نجاح تجربة ديمقراطية وليدة في ــ السودان ــ إلى   هبوب رياح التغيير الجذري في أنظمة الحكم المحيطة بالسودان، ولكن نجاح التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق يعني وبلغة الحتم  هبوب مثل هذه الرياح في كل أرجاء المنطقة، وتكون رياحا  كاسحة لا سبيل إلى إيقافها أو حتى التخفيف من سرعتها الإعصارية.

ثم هو عراق النفط الذي يغذي شريان العالم الاقتصادي لمدة مئة سنة قادمة كما يقول الخبراء، أضف إلى ذلك هو عراق الاسترا تيجية الكونية، فهو نقطة التواصل بين العرب وغيرهم، ومنه انطلقت موجة الفتح  الاسلامي نحو شرق العالم، بل كان منفذ هذا الفتح، وملجأه حين تتعثر مسيرة الخيل الفاتحة هناك، كي تستمد من نميره وهوائه وخصوبة أرضه زاد العودة والإستعادة فيما كانت هناك خسارة لمكسب كان قد حصل ثم ضاع، وهو عراق الإثنيات والأقليات والأديان والمذاهب، فيقظة هذه القوى والعناصر في العراق، وتواصلها الحي مع حقوقها، ودخولها عناصر مؤسِّسة حاضرة في القرار  السياسي والفكري والحضاري في العراق يعني بدون شك أن المنطقة سوف تتحول إلى أتون هائل من التيارات والاتجاهات الفكرية والروحية المائجة،  ومن شأن هذا التحول الهائل بعث المنطقة من رحم السكون إلى فضاء الحراك الساخن في كل شي، في كل شي، فكرا وعادات وتقاليد وفنا وعلما وفلكورا وعلما، إنها الثورة العارمة بكل صراحة.

إذن ليس غريبا أن يهم العراق روسيا بقدر ما يهم أمريكا وبريطانيا  وهي النواة ، ويهم أمريكا وبريطانيا   بقدر ما يهم أوربا كلها، ويهم إيران بقدر ما يهم تركيا، ويهم  تركيا بقدر ما يهم سوريا، ويهم سوريا بقدر  ما يهم لبنان وإسرائيل ليتواصل على نحو إنسيابي عفوي مع  الأردن،  ويتفرع هذا  الاهتمام المصيري من جهة إيران ليتواصل مع الخليج كله،  وفي المقدمة المملكة العربية السعودية، ومن بعيد، نعم من بعيد، يتحسس المغرب العربي كله بما يحصل في هذا البلد الرهيب، فإن تصاعد موجة الارهاب فيه، وتحوله إلى ثقافة قد يحوله إلى مصدّر لهذا المرض الخبيب، وبالفعل فقد بدأت بوادر هذه الظاهرة تظهر على السطح بعد أحداث  لبنان والمغرب والجزائر، وهكذا يتحول العراق إلى نقطة توتر عالمي، كل العالم حاضر اليوم في العراق...

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-26-6-2007