الاعتقالات العشوائية هدية للإرهابيين!

 

 

جوزيف مارجيليس

 

 

في بداية هذا الشهر، أصدرت محكمة استئناف فيدرالية بالولايات المتحدة قرارها الذي يعتبر بأن الاستمرار في احتجاز "علي صالح كحلة المري"، أحد المقيمين الشرعيين على الأراضي الأميركية، لفترة غير محددة يهدد "بتقويض الحريات التي يكفلها الدستور".

فقد اعتقل "المري"، الذي لم يحمل سلاحاً قط ضد الولايات المتحدة، وظل محتجزاً طيلة الأربع سنوات الأخيرة باعتباره "مقاتل عدو" من دون أن توجه إليه تهمة محددة.

لكن يبدو أن معارضي هذا القرار الذين انبروا لانتقاده معتبرين أنه يعرض الأمن القومي للخطر لا يفهمون جيداً الطبيعة الداخلية للإرهاب.

ففي الظروف العادية لا يمارس الإرهاب أي جاذبية على الأغلبية الساحقة في مجتمع ما، ذلك أن الناس ليسوا متطرفين بطبيعتهم، بل هم عموماً، وباستثناء بعض الحالات النادرة، لا يكترثون للدعوات المتشنجة التي يطلقها المتعصبون.

والسبب بسيط يرجع إلى أن نظرة الإرهابي للعالم نادراً ما يتفق معها أحد، كما أن الإساءات التي تغضبه لا تدفع مواطنيه إلى العنف.

بالإضافة إلى ذلك لا يعترف المجتمع بمشروعية الأهداف السياسية التي يسعى المتطرف إلى تحقيقها، لاسيما عندما يلجأ إلى أساليب عنيفة يعتبرها المجتمع جرائم شنيعة. وبدلاً من الاحتفاء به وإدراجه في صفوف الأبطال تلطخ سمعته ويعامل بازدراء، وعادة ما ينتهي المطاف بالمتطرف إما ميتاً، أو في السجن يجتر وحدته وخيبة أمله، بينما العالم يواصل مسيرته دونما اهتمام بقضيته.

لكن في بعض الأحيان يبتسم الحظ للمتطرف بأن يخلع عليه المصداقية التي يتوق إليها، والمفارقة أن المتطرف نفسه نادراً ما يكون صاحب فضل في هذا التغيير.

إذ يطرأ التبدل عندما يسلك المجتمع الذي يهاجمه المتطرف سياسات تبرر موقفه، بحيث يتحول الواقع إلى ذات الصورة التي كان يرسمها حوله المتطرف وينتقدها، لتبدأ رؤيته في التجسد أمام الجمهور بعدما كانت ضرباً من الخيال.

وفي هذا الإطار يبدأ المواطنون الذين لم يكونوا ليستجيبوا لرؤيته في الاستفاقة على العالم الذي كان يصفه، وبالتدريج تنسحب الشرعية الأخلاقية من المجتمع لتتركز في يد الإرهابي، ويبدو خطابه، وكأنه أقل تطرفاً مما كان عليه في البداية.

وكذلك صار الأمر مع الحرب على الإرهاب، حيث لم تعد التصريحات الأميركية النبيلة قادرة على إخفاء الحقائق المتمثلة في احتجاز العديد من السجناء الأبرياء لفترات غير محددة، واستخدام ما يسمى "بأساليب متقدمة في الاستنطاق" التي يرى العديد أنها نوع من التعذيب، ناهيك عن ترحيل المتهمين إلى بلدان تمارس ما لا تستطيع أميركا القيام به.

وباعتماد هذه المقاربة القائمة على انتهاك سيادة القانون في محاربة الإرهاب تقدم الولايات المتحدة أفضل هدية للراديكالية الإسلامية يمكن أن تحصل عليها، ومبررة دعوات التطرف العنيفة ضدها.

لذا تمكنت نداءات الجهاد من تحقيق بعض النجاح الذي لم يكن متصوراً قبل هجمات 11 سبتمبر، إذ في الوقت الذي لم يكن فيه عدد أفراد "القاعدة" يتجاوز بضع مئات من الأشخاص أصبحت اليوم تستقطب جماعات عديدة، فضلاً عن استمالة الكثير من المتعاطفين مع خطابها المحرض على العنف.

ويضاف إلى ذلك أن السياسات الأميركية توفر فرصة مواتية لتجنيد الإرهابيين عبر شبكة الإنترنت الحافلة بالدعوات إلى الجهاد والتي تستشهد بما يرتكبه الجنود الأميركيون من تجاوزات في العراق كما اتضح ذلك في سجن "أبوغريب"، أو في معتقل "جوانتانامو" سيئ السمعة.

وليست تلك الدعوات إلى العنف التي تبثها المواقع الإلكترونية سوى غيض من فيض، حيث أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن عدد الهجمات الإرهابية حول العالم ارتفع خلال العام 2003 إلى 175 عملية، وهو الرقم الأعلى منذ 21 عاماً.

لكن سرعان ما اتخذت تلك الهجمات منحى تصاعدياً، حيث تضاعف العدد ثلاث مرات في 2004 ليصل إلى 655 هجوماً. وفي عام 2005 ارتفع العدد إلى 11 ألف هجوم وبلغ عام 2006 14 ألف هجوم، وهو ما يشكل 40 هجوما في اليوم دون أن تحتسب العمليات التي تستهدف الجنود الأميركيين في العراق.

وفي الوقت نفسه، تشير دلائل متزايدة أن الإرهاب بدأ ينتقل خارج العراق، حيث أصبحت الهجمات الانتحارية التي لم تكن مألوفة في أفغانستان واسعة الانتشار.

وتبدي دول شرق أوسطية تخوفاً متصاعداً من عودة المقاتلين إلى بلادها بعد أن خضعوا للتدريب في العراق.

ومع ذلك مايزال بعض المسؤولين الأميركيين يصرون على تغليب الاعتبارات الأمنية على سيادة القانون دون أن يدركوا أن الإرهاب إنما يزدهر في ظل غياب القانون. فالقانون يضمن الأمن، بينما انعدامه يلغيه ويغذي العنف.

لذا يشكل قرار محكمة الاستئناف الذي جاء لصالح "المري" خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة سيادة القانون وضمان الأمن القومي الأميركي.

*أستاذ بكلية القانون في جامعة "نورثويستيرن" الأميركية، ومؤلف كتاب "جوانتانامو وإساءة استخدام السلطة الرئاسية"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"- 25-6-2007