جزء من الحل القضاء على الوهابية !

 

 

ضياء الهاشم    

 

 

خلال فترة اختفائي عن عيون النظام في منطقتي والذين كانوا يتصيدون الفرصة لاعتقالي وتسليمي إلى أمن الطاغية، آثرت على أن أترك العمل في التدريس وأذهب للعمل في مناطق تبعدني عنهم مثل بغداد أو سامراء وذلك كون رجال الامن الجبناء ينسون من يخفي وجهه عنهم ولا يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن وجهته التي قصدها خاصة وهم لا يستأسدون إلا في الحيز الذي يتواجدون فيه للنيل من أقرب الموجودين أمامهم فتوجهت قاصدا بغداد الحبيبة وعملت هناك في منطقة الغزالية حيث كانت تلك المنطقة التي يسكنها أغلب الضباط الكبار ورجال الدبلوماسية في الخارجية العراقية معقلا لهؤلاء الأوباش الجدد من حثالة البشر أصحاب الفكر البهيمي من أتباع المذهب المنحرف والمولود صهيونيا والمموّل من نفط الحجاز، أتباع الوهابية حيث لم تألف بغداد ولا أهلها امتدادا يذكر لهم فيها إلا في زمن المقبور طاغية العراق، وزاد حجم اتساع ساحتهم فيها بعد التسعينات حينما كان يستخدمهم المجرم هدام كأداة لضرب فئات الشعب العراقي المختلفة آنذاك وتحديدا لهذا المعنى فكان يعتمد عليهم بالتأثير في الوسط السني لكسب أغلبية المتشددين منهم وجعلهم تحت أنظار رجاله في الأجهزة الأمنية خصوصا بعد انتفاضة شعبان عام 1991 حيث استغل نشطاء المتشددين من السنة فرصة (الحملة الإيمانية) لبث الكثير من الأفكار الوهابية بين الشباب المتدين على أثر هامش الحرية التي  حسبوا أنهم  متنعمين بها وغفلوا أنها كانت من معادلات التوازن التي كان يلعب بها النظام المقبور لترجيح كفة على كفة أخرى من  تصنيفات  النظام العفلقي التي صنف بها كل العراقيين ،  ولما كانت أفكار الوهابية تتناغم  وتتماشى تماما مع جملة من الأهداف والخطط المليئة بالحقد والعداء للشيعة في فكرهدام  في القضاء على  كل آثر للشيعة فقد لجأ إلى دعم نفوذهم المتزايد من خلال ربطهم بأجهزته القمعية

فكان هناك عقيد بالمخابرات يترأس جلسات الوهابية في جامع الحمزة بالغزالية ويشرف بنفسه على حلقاتهم التي كانت تؤكد على  فتاوى من قبيل ( قتل الشيعي حلال) و ( الشيعة كفار) ولم يدر ببالي أن هؤلاء كانلهم كل ذاك الدعم لولا زيارة صديقي( ك) لهم في الجامع حيث قرب بيته  وشطارته هي التي دفعت بفضوله ليرى  ما وصفته عيناه لي وما سمعته أذناه  من كلامهم أعلاه ومن بغداد توجهت للعمل في سامراء حيث الناس فيها يختلفون كثيرا عن ناس بغداد أو البصرة وتجد غلظة في طباع أهلها كغلظة صخورها التي كنا نزيحها بأيدينا و بكل قوة من أجل بناء بئرا ارتوازي يحضر لهفي البداية  يدويا بحفر أجزاءه  بآلات قديمه بضعة أمتار وكانت تلك المهمة الشاقة تأخذ أياما ليصل مقدار الحفر إلى متر أو أكثر بقليل لصعوبة  إزالة الصخور التي لا تتكسر بفعل ضربات المعول أو الفأس وتمتد ساعات العمل حتى غروب الشمس من أجل أن يرضي المقاول صاحب العمل أو المشروع الذي يكرمنا بعد نهاية عناء وتعب  نهار عمل  شاق وطويل يمر علينا ، بالجلوس في باحة بعيدة عن بيته  مفروشة بفراش بسيط ونتعشى  هناك، ليبدأ هو بقصة جديدة يسردها علينا من قصصه التي عفي عليها الزمن  بعد العشاء ولا تنتهي واحدة حتى يلحقها بأخرى  لتطول حكاياته التي تتنوع بأزمنة مختلفة وشواهد متعددة ففي ليلة واحدة قص لنا  كيف باع  حصانا له أبيض  امتطى ظهره من سامراء  ليبيعه في بغداد في العهد الملكي  ولم ينهي تلك  القصة  بل تواصل بقصة ثانية رواها عن واحدا من أبنائه كان قد قضى خدمته العسكرية في واحد من قصور(السيد الرئيس) وكيف كان هذا الابن مسؤولا عن حدائق ذلك القصر وقد حدّث والده متعجبا عن وردة كانت في أحد القصور أسماها بال( مستحيّه) كانت متفتحة طوال النهار وما أن يقترب  منها أحد حتى تبدأ تنكمش تلقائيا لتلتم بعضها على بعض وكأنها وردة الشمس قبل أن تتفتح وتعود لتتفتح من جديد بعد أن يبتعد عنها الشخص الذي  مرّ منها قبل قليل، ويسرد الرجل علينا قصصه تلك وهو غير شاعر بنا أو بالجهد والعناء الذي لاقيناه طوال ساعات يومنا  الصيفي وحاجتنا للراحة والتمدد للاسترخاء وللاستعداد من جديد بعد نهار متعب وطقس حار بشمس العراق في صيف تموز أو حتى حزيران للقاء عناء يوم جديد بالنوم مبكرا ، إلا أنه لا يتحسس تلك الرغبة  المتوقدة بداخل كل واحد منا والتواقة إلى الخلود للنوم  ولا يمكننا نحن الضيوف أن نقطع عليه حديثه ونطالبه بأن يتركنا من أجل أن نرتاح بنوم ساعات الليل بهدوء فترانا نيام ونحن جلوس وعيوننا تغمض وتفتح على قصص الرجل الكبير.

هذا الرجل العجوز المليء بالزهو والتفاخر بقصصه القديمة عن ماضيه أو ماضي أحد أولاده  يشبه إلى حد كبير حال  جل رجالات حكومتنا المسكينة والتي لاتشعر بحال مواطنيها وهي غير بعيدة عنهم  وتعيش معهم  في وطن واحد ولربما داخل منطقة معينة ولكنها لا تتحسس معاناتهم وحاجاتهم إلى الأمن والامان والطمأنينة والسلام على أرضهم ولا تعرف ما يخطط لها أعدائها وأعداء الشعب الذي يفتك به ولا يتوانى كما تتهاون تلك الحكومة عن إعطاءه ولو فرصة واحدة للعيش بسلام ، بل أن ذلك العدو لا يعترف بحق واحد لهذا الشعب بالبقاء ولا لحكومته بالاستمرار فهو عدو واحد يناصبه وإياها نفس العداء منذ زمن ليس بالقريب  ومع كل هذا ، إلا أننا نشعر بأن تلك الحكومة تسير في قاربوا لشعب في قارب آخر والتيار العاصف بهما واحد يحاول قلب الجميع ليغرقهم فلا ينجو منهم أحد

أن هؤلاء العملاء الساقطين من أتباع الوهابية الكفرة قد جربوا حظهم في محيط العديد من الدول العربية والإسلامية فلم يجدوا غير التنكيل بهم وبؤ ئد أفكارهم الحقيرة تلك والداعية لتكفير الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها رغم أن تلك الأفكار لا تركز على دين واحد ولا مذهب بعينه ، ففي ليبيا وجدوا كلا لقمع والتقتيل والتشريد بعد انتشار أفكارهم  الهدامة تلك في مناطق كثيرة من مناطق ليبيا الشرقية والمحاذية لمصر والمتمثلة في مناطق الجبل الأخضر حتى أن العقيد معمر القذافي جهز لقتالهم آلاف المجندين من المواليد الذين دعاهم لخدمة الاحتياط وخلال مدة لاتتعدى الشهرين قضى على أوكارهم وخلاياهم قضاءا تاما وطهر منهم مناطق الجبل الأخضر والبيضة والمناطق المجاورة لمدينة بنغازي وبلا رجعة من خلال حملة متواصلة لقمعهم من جذورهم من غير أن يحسب حساب أحد ولم تأخذه بهم رأفة حتى أن أحدا  من المجندين في تلك الحملة العسكرية التي دعى إليها أكثر من عشرة آلاف من المقاتلين عام 1996 قال أننا لم نعطي لاحد من الظلاليين التكفيريين من اتباع الوهابية والسلفية ،المجال لان يسلم نفسه أو نأسره، ومن ليبيا إلى مصر تتشارك جميع الحكومات بقمع تلك الأفكار الهدّامة ومن يعتنقها ولا تجد أي  حكومة من الحكومات العربية  باستثناء تلك الحكومات التي نشأت في رحمها  تلك الأفكار الظالة ورعتها لتنشرها مهيأة لها كل الدعم المادي والمعنوي ليكون  تكاثرها أنشطاريا في حضانة جديدة هيألها المجرم هدام ونظامه سبلا كثيرة للنمو في الوسط العراقي الذي كان مهيأ لاستيعاب المد التكفيري الوهابي لانه يشترك  معه في جملة من الأهداف سواء المتعلق منها   بنبذ الطوائف الأخرى أو تلك المتعلقة بدافع حماية النظام من السقوط ومواجهة المد الثوري الجهادي المتواصل لسحق عروشه المتهالكة منذ 1991 والتي باتت نهايته وشيكة  من خلاله  وبأثره  وحتمية غير قابلة للمراهنة  وفق تصورات وحسابات  مدروسة  فينظر كل المراقبين لما وصل إليه من سقوط في هاوية الحقد والانحطاط حتى بات رأس النظام لا يأمن بأقرب المقربين إليه وغدت التنازلات تأخذ مأخذا تصاعديا مع مرور الأيام في مجمل مجريات الأمور.

ومن دول المغرب العربي إلى مشرقه لم نجد من الحكومات حكومة واحدة تهاونت مع الوهابية التكفيرية، سوى حكومة العراق التي لا تستطيع دعوة العديد من أفراد الجيش العراقي المنحل وبعض من مواليد الاحتياط أو أن أستلزم الأمر تشريع قانون يلزم جميع العراقيين من القادرين على حمل السلاح وزجهم في معسكرات التدريب على عدد من صنوف السلاح والاستفادة من وجود القوات المتحالفة في تدريب تلك الأفراد لدرأ الخطر الذي يشكله هذا المد الشرس الذي يصل به الحد إلى قتل النفس بانتحاره وسط جموع الأبرياء لقتل المزيد من أبناء الشعب العراقي دون اكتراث. 

وإذا ما أستمر هذا التهاون ليصبح أمرا واقعا فأن مستنقع الدم العراقي سيصبح حالة ليست أشبه بالعادية فقط بل سيتعدى أمرها  المستفحل ليكون عاملا يفرض نفسه وسط عديد من الظواهر التي أصبحت مع مرور الوقت عوامل يتعامل معها في متغيرات المعادلة السياسية  بعراق العهد الجديد كما شهدنا أخبارا عن تفاوض من أنتخبهم الشعب مع  قتلة الشعب من البعثتين  و تراجع كبير في حسابات السادة السياسيين لقصور الفهم الناتج عن قلة التجربة السياسية وعدم قراءة  مفردات الواقع بنضوج وبعد أفق،وألا فما هو  الداعي لعدم المكاشفة مع الجماهير والتلاحم معها لاشعارها  أن المصير واحد والتكاتف لابد منه لاغناء التجربة الديمقراطية عمقا أكبر من تلك المصالح التي قادت إلى نظام  ليس هناك أكثر منه بدائية وجهالة وهو المحاصصة الحزبية والطائفية والتقليد الأعمى لكل ما هو عقيم ولا يرد  بمنفعة عامة من موروث العهد القديم البائد الذي يشكل نموذجا حيا للامية السياسية التي عفى عليها الدهر منذ عهد  معاوية  وابن العاص  وعاد نظام صدام قراءتها لتنفيذ برامجه في تدمير الواقع العراقي بكل مكوناته وحيثياته

ولما جرت عليه الأمور في الاستهانة بالدفاع عن مقدساتنا كما هو الحاصل اليوم من عبث  تراجيدي يحصد آثاره النفسية والمعنوية سلبيا الأكثرية من أبناء هذا الوطن المكبل  ونتيجة لهذا الخنوع والسكوت عن الكثير منا لاجندة التي لا تخدم المصلحة العليا للبلد ولا تقر بمبدأ  الالتزام بالثوابت التي  بني على أساسها الدستور وأتفق عليه

ومن هنا نجد أن دور الحكومة  لا يعتبر دورا قياديا  يراعي حالة  الحفاظ  على مكتسبات  الأكثرية من هذا الشعب بغض النظر عن حالات الابتزاز التي لا تسلم منها  تلك الحكومة  وما تتعرض له من تعديات وتحديات كان من الواجب على رجالات تلك الحكومة حساب  توازناتها وبدقه  لا جعلها تطفح أمامها فجأة  و باستمرار  لتعطي ،  وبطريقة  عشوائية  أكثر  منها  منهجية ،بموجبها تنازلات  كثيرة لإطراف عديدة  على حساب الأولويات  التي لايمكن التهاون فيها لقاعدة عريضة من الشعب العراقي  تشتت وفق خريطة مقسمة وموزعة على الكثير من التفاصيل التي لا تحسب حسابا إلا باستثناء المتعلق منه بالمصلحة الخاصة  مما أسس إلى إهمال جانب كبير من المشتركات العامة والتي تجتمع عليها تلك القاعدة العريضة  والواجب حساب قوة وحجم فاعليتها وتأثيرها للاستفادة من محصلة الاعتماد عليها كضمان إستراتيجي ضخم لا يمكن بأي حال من الأحوال التفريط به في أي زمن في الوقت الحاضر أو مستقبلا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-17-6-2007